dimanche 13 novembre 2011

الطاقة النووية: طاقة المستقبل أم خطر خفي؟

الطاقة النووية: طاقة المستقبل أم خطر خفي؟


كثيرا ما أتحفنا البعض باستعارات تصف الطاقة النووية بأنبل الصفات ك "مستديمة" أو "نظيفة". إلا أن الهدف من هذه الدعاية هو التسويق لطاقة في الحقيقة جد خطيرة للإنسانية. دعونا نلقي بعضا من الضوء على حقائق قد يجهلها بعض العامة و يتجاهلها بعض الخاصة الذين يضعون على رأس أولوياتهم الربح المالي.

ينبغي على أي طاقة مستديمة أن تستوفي ثلاثة معايير دقيقة:

1. مصدر إنتاج الطاقة لا نهائي أو تكون رسكلة مصدر الطاقة لا متناهية،

2. استخدام هذه الطاقة لا يشكل خطرا على الإنسانية،

3. تكلفة الإنتاج و الصيانة لا تضر بإقتصاد البلاد و لا تثقل المصاريف الطاقية للمواطن.

سنبدأ في هذا المقال بتوضيح الرؤية حول النقطة (1) لنظهر أن الطاقة النووية لا تستوفي أيا من المعايير المذكورة أعلاه.

لا يمكن إنكار فعالية الطاقة النووية كتكنولوجيا لإنتاج كمية ضخمة من الطاقة إنطلاقا من بعض الغرامات من اليورانيوم. لو كانت هذه الطاقة مستديمة كما يدعي البعض لقضيت المسألة حول خليف النفط، خاصة و أن هذا الأخير يوشك على النضوب. و لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن الصورة الوردية التي ترسمها لنا AREVA و EDF. و أدعوكم إلى الإطلاع على الدراسة التي قامت بها Laure Noualhat حول تصرف شركات الطاقة النووية في نفايات المفاعلات. تشير تقديرات لجنة الطاقة النووية بفرنسا إلى أن جملة الاحتياطات العالمية من اليورانيوم تقارب 17 مليون طن. علما أن المفاعلات النووية الأكثر إستعمالا في العالم لا تحول سوى 1% من جملة اليورانيوم (‎U-235 ) المستخدم، يمكن استنفاد جملة الاحتياطات في سنة واحدة بتشغيل 300000 مفاعل نووي. بينما يقدر الاستهلاك السنوي العالمي للطاقة اليوم بما ينتجه 13000 مفاعل نووي. و بالتالي، حتى و لو دأب العالم على معدل استهلاكه الطاقي الحالي، وهو أمر مستحيل مع التنمية الاقتصادية التي تشهدها الصين والهند مثلا، لا يمكن لديمومة الطاقة النووية أن تتجاوز 20 عاما!

لجعل طاقة مصدر توليدها محدود مستديمة، هناك حل واحد و هو رسكلة نفاياتها بطريقة غير متناهية. و لكن ذلك أقرب ما يكون من أسطورة الحركة الدائبة التي طالما حلم بها علماء الفيزياء في عصر النهضة جاهلين في ذلك أبسط قواعد الميكانيك. و لكن سرعان ما تفطن كبار الصناعات النووية و لووبيوها إلى أهمية هذه المسألة فو ظفوا من أجل ذلك ترساناتاهم المالية و الإعلامية للإشهار زيفا للطاقة النووية و إمكانية رسكلة نفاياتها. و وصل بهم الأمر إلى الإدعاء بأنه يمكن إعادة توظيف 96 % من اليورانيوم المستعمل في المفاعلات النووية.

دعونا نوضح المراحل التي يمر بها طن واحد من الوقود النووي منذ دخوله إلى المفاعل النووي إلى دفن آخر نفاياته. تخرج هذه الكمية في ثلاثة اشكال : 950 كلغ (95 ٪) من يورانيوم قابل للتكرير، 10 كلغ (1 ٪) من البلوتونيوم (المصدر الفعلي للطاقة المنتجة) و أخيرا 40 كلغ (4 ٪) من النفايات التي يستحيل رسكلتها و هي سامة جدا إذ تحتوي على 95 ٪ من إجمالي النشاط الإشعاعي للطن الواحد. تبقى هذه المواد شديدة السمومة مشعة لحوالي 200000 سنة. و نقف هنا لنشير إلى أن كمية النفايات المنتجة حتى هذه المرحلة(أي 40 كغ) تقدر بأربعة أضعاف الوقود النووي المستعمل فعليا في إنتاج الطاقة (10 كغ).

بالنسبة لل40 كلغ فتتكون أساسا من نواتج الانشطار (4 ٪)، و وفقا للقانون الفرنسي لعام 2006، فتدفن في جوف الأراضي الفرنسية في انتظار اكتشاف تقنيات جديدة لتقليل سمومهم. و تذهب التقديرات إلى أن مثل هذه التقنيات لن تكون جاهزة قبل عام 2050. فيما يخص 10 كغ من البلوتونيوم (1 ٪)، يمزج ذلك مع اليورانيوم المنضب لانتاج وقود الأكسيد (MOX ) الذي لا يحتوي إلا على 10 % من البلوتونيوم. بعد حرق الMOX، تظل نسبة البلوتونيوم المحتواة فيه عالية (5 %)، كما يظل محتويا على منتجات الانشطار (6 ٪) التي تعادل سمومتوها سبعة أضعاف سمومة الوقود النووي التقليدي. تخزن فرنسا 6 أطنان من الMOX المحروق سنويا لكل مفاعل. هنا تنتهي الرسكلة المزعومة. أخيرا، وبالنسبة لل950 كغ (95 ٪) المتكونة من URT، تتم تعبئة جزء كبير منه (85 ٪) و تخزينه بفرنسا. يذهب أكثر المحللين إلى أن AERVA و EDF يكونان بهذه الطريقة مخزونا ضخما يمكن لهما بيعه في المستقبل بأسعار باهظة عندما ينفد احتياط النفط. رسكلة الوقود النووي مكلفة و غير مربحة إذا ما اعتبرنا أسعار اليورانيوم المنخفضة (حوالي 80 دولار للكغ)، لهذه السبب تكتفي AREVA و EDF بإعادة تخصيب ال 15 ٪ الباقية (142.5 كلغ) فقط. و تتم عملية إعادة التخصيب في روسيا، ففرنسا ليس لديها التسهيلات اللازمة لإعادة التخصيب و يتم نقل المواد المشعة على مدى 8000 كيلومتر ذهابا وإيابا بين فرنسا وروسيا. و السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا هو هل تؤخذ جملة تكاليف النقل و إعادة التخصيب لتقدير الكفاءة الاقتصادية للطاقة النووية؟ و الغريب في ذلك هو أن 10 % فقط من الوقود يتم تخصيبه و إعادته إلى فرنسا. أما البقية (90 ٪ ، أو 128.25 كغ)، فيقع تركه بمجمع نفايات في الهواء الطلق بسيبيريا. هكذا يجري التصرف في 950 كغ من اليورانيوم الموجه للرسكلة، و لكم أن تحسبوا جملة النفايات السامة التي تترك في الهواء الطلق علما أنه يتم إنتاج 810 ألف طن من URT في فرنسا سنويا. أما اليورانيوم المخصب الذي أعيد من روسيا فلا يتم إستعماله إلى لتزويد مفاعلين نوويين من بين58 مفاعل نوي في فرنسا، أي أن الوقود النووي المتأتي من الرسكلة لا يزود إلى 3.4% من مجموع المفاعلات النووية الفرنسية. يظهر جليا الآن أن الدورة النووية (Nuclear Cycle ) التي تتحدث عنها Areva إنما هي عملية إحتيال ضخمة و منظمة تهدف من خلالها إلى الترويج لمصدر طاقة سينفد في بعض العقود بعد أن يلوث البيئة و يكلف الشعوب تكاليف مالية و صحية باهظة.

من الصعب إذا الاعتقاد في جدوى رسكلة النفايات النووية. و تونس بصدد دراسة إمكانية شراء مفاعل نووي من فرنسا، نطرح جملة من الأسئلة : "أين سيتم التخلص من النفايات النووية إذا ما تم بناء مفاعل نووي في تونس؟ هل يقبل المواطن التونسي أن يدفن في تراب تونس العزيز سم من أخطر السموم على الأرض مما يعرض صحة التونسي للخطر؟ من سيتحمل تكاليف النقل والتعبئة والتخزين؟ من سيضمن سلامة المنشآت والمواد المشعة؟ هل يمكننا أن نقبل وجود قوة أمن أجنبية على ترابنا بذريعة تأمين المفاعلات النووية؟ هل أخذنا بعين الإعتبار حتمية ارتفاع سعر اليورانيوم في السنوات القادمة مع الاستنفاد التدريجي للنفط؟هل تقوم السلطات بدراسة حلول بديلة كالطاقة الشمسية و الريحية و الحرارة الجوفية...؟".

دون التطرق إلى جملة هذه الأسئلة و إستشارة المواطن التونسي في إطار حوار شفاف و مفتوح، يجب على كل الغيورين على مصلحة تونس الوقوف صفا واحدة ضد هذا المشروع.


نشر أيضا بجريدة الموقف (عدد 68 )
وأيضا :



أيوب المسعودي