jeudi 4 octobre 2012

متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد


متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد
02 أكتوبر 2012


على خطى آبائهم وأجدادهم المقاومين الفلاقة، أبناء جبال قبرار وقارة حديد، أبناء خنقة هداج وجبل بوهدمة، جبل مقلي وقصر الحدادة، ناب الكلب وأم الغنائم، أم العلق وجبل قطرانة... خرج أبناء سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010، خرج أولاد الحفيانة ليكتبوا تاريخ تونس الجديد ويرسموا أسمى صور الشموخ والعز والظفر متحدين في ذلك الحديد والنار فطردوا رأس النظام والمستبد الداخلي كما فعل آباؤهم من قبل لما دفعوا المستبد الخارجي إلى وراء حدود الوطن المفدى. كذلك تنسج حرائر سيدي بوزيد، منذ بزوغ الفجر وميلاد التاريخ، على آثار أمهاتهن خريطة تونس على أيديهن بالدم والحلفاء. على آثار الأجداد، يكتب شباب سيدي بوزيد تاريخهم وتاريخ تونس شعرا وغناء بأبلغ الكلام وأرقى الصور كما جسدته ليلة 02 أكتوبر 2012 ببوزيان والعمران. أنصح كل من يحتاج إلى درس في فن المقاومة والشموخ والانتصار للحق بليلة واحدة في بوزيان، إنها ليلة بألف شهر.






نحن فعلا في حاجة، كلنا، للحج إلى أراضي سيدي بوزيد الطاهرة وتربتها الزكية التي ارتوت من دماء الأجداد في 1954 ثم من دماء الأحفاد بعد نصف قرن، علنا ننهل من أخلاق أهلها نفسا ثوريا وروح مقاومة ونضال بمضمون وشكل راقيين لم تشهد لهما تونس مثيلا.





كنت  قد تحدثت في مقال سابق، بتاريخ 11 أوت 2012 وتحت عنوان "سيدي بوزيد... والمافيا " وبعد زيارة للجهة، عن مافيوزية الحزب الحاكم في تعاطيه مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية بسيدي بوزيد وحضور القمع الشرس والممنهج مقابل انسحاب فادح للدولة من كل دور في الولاية التي مثلت ولا تزال القلب النابض للثورة. هذا التخلي رافقه منذ ذلك الوقت تطور لافت للعنف السلفي بوجهيه المادي والمعنوي لترويع الأهالي ومحاولة فرض نمط عيش وقوانين موازية لقوانين الدولة فهما ومفهوما. ولا أرى، بعد زيارتي الأخيرة إلى سيدي بوزيد وبعض معتمدياتها يوم الثلاثاء 02 أكتوبر 2012 أن الوضع قد تغير...

كما أن تمثيلية السلطة التنفيذية في الجهة والتي فرضت فرضا وإسقاطا على أبناء الجهة، على أساس الانتماء السياسي والولاء للسلطة التنفيذية، فشلت في كسب ثقة منظوريها وتسيير الشأن العام بما يخفف من شدة الاحتقان والإحباط الذين غلبا على الجو العام. ويمكن الجزم بأن تحزيب السلط المحلية، وخاصة في سيدي بوزيد التي لم تصوت للحزب الحاكم، ينم عن غباء سياسي وافتقار  للتبصر والتصور الإستراتيجي لكيفية حلحلة "الحالة  البوزيدية" وفهمها. ولكن ما الحالة البوزيدية؟

في الواقع، لا تختلف "الحالة البوزيدية"، على الأقل موضوعيا، عن حالة العديد من الجهات التي لم تر إلى حد الساعة، أي بعد مرور عشرين شهرا على هروب المخلوع، أي تغيير ملموس على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. انسداد الأفق هذا رافقته سلسلة من الأزمات السياسية والهزات الاجتماعية التي لم تزد الطين إلى بلة والجو اختناقا واحتقانا. فبين حملات القمع الممنهجة في الحنشة والمهدية وسيدي بوزيد والفحص وغيرها من الولايات، وبين موت العشرات من شباب تونس إما غرقا أو تحت التعذيب البوليسي الذي ما انفك يزداد... ومع ارتجال الحكومة وارتباكها في أكثر من موقف وانقسامها في أكثر الملفات... ومع غياب إرادة سياسية صادقة في حلحلة الملفات الكبرى كالقضاء والإعلام وهيئة الانتخابات... يرى الرأي العام أن هناك نية مبيتة لدى الحزب الحاكم لتأبيد حكمه والالتفاف على مطلب الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة... كل هذه العوامل متضافرة، تسهم في خلق حالة احتقان عام شمل كل الولايات وكل شرائح المجتمع.

إلا أن "الحالة البوزيدية" تحيلنا إلى فلسفة خاصة في التعاطي مع هذا الوضع. لقد اخترات سيدي بوزيد طريق المقاومة والنضال بلا هوادة أو تنازل في المطالبة بحق أبناء الجهة المشروع في الخروج من حالة التهميش والتفقير. ويمكن توصيف "الحالة البوزيدية" بأنها حالة ثورية بالأساس وبامتياز. إذ ما ذنب أبناء سيدي بوزيد إن كانوا ثوارا أبناء ثوار؟ ما ذنبهم إن كانوا يتنفسون ثورة ويتقدون مقاومة؟





"الحالة البوزيدية" لها تمظهراتها في شعر أبناء سيدي بوزيد، في كلامهم وخطاباتهم وغنائهم، وليت باقي جهات الجمهورية تقتدي ب"الحالة البوزيدية" حتى تصير حالة تونسية!
ويمكن القول أن ساسة تونس الجدد تفطنوا لهذه الحالة وخطورتها على مصالحهم المتشابكة. إذ أن البوزيديين، وعلى عكس ما يروج، لا يتظاهرون استعطاء أو طلبا للصدقة. هم يتحركون بناء على وعي سياسي راق بضرورة كسر تلك المصالح وإعادة رسم الخارطة السياسية والاقتصادية (مع تشابكهما) من أجل تحقيق الانعتاق والتحرر السياسيين والاقتصاديين وإنهاء التبعية والتهميش.





كما أن البوزيديين يرفضون أن يلدغوا مرتين، هم لم ينسوا أن الطيب المدب ضيفي أحد أكبر مقاتلي ملحمة قبرار في أكتوبر 1954 ، لم يظفر كغيره من الفلاقة الأحرار، بأكثر من عمل في الحضائر تكرم عليهم به .... الباجي قايد السبسي بعيد الاستقلال في حكومة بورقيبة، تلك الحكومة التي كغيرها من اللاتي تلتها، همشت واحتقرت، بسياساتها الجهوية العنصرية، ثلاث أرباع الجمهورية لصالح مناطق بعينها...
أبناء سيدي بوزيد يريدون ثورة إقتصادية مبدعة، تبتكر منوالا تنمويا يقطع مع ما عهدوه من تفقير وتهميش ليرتقي إلى مستوى الثورة لا مسكنات مهينة ومذلة.
"الحالة البوزيدية" خطر على النظام الذي لم يسقط بعد والذي دافع عن نفسه وحافظ على جذوره في 14 جانفي 2011 مع تغيير الرأس بآخر إخواني مع الإبقاء على التحالفات المالية والاقتصادية (مع تحويرات طفيفة تخدم الأجندات السياسية للمنافسين الجدد على السلطة).
"الحالة البوزيدية" خطر على النظام الذي يكتشف بذهول قدرة سيدي بوزيد على الصمود والمقاومة وخاصة التوحد ضد مخططات السلطة ومحاولاتها البائسة لزعزعة سيدي بوزيد وبث الفتنة داخل صفوفها من أجل تشطيرها وتقسيمها قرى ومعتمديات وعشائر... دون جدوى...
ولكم في ليلة 02 أكتوبر 2012 آية في روعة المقاومة البوزيدية، ذلك أن أبناء بوزيان، بحسهم الثوري المرهف، أبوا أن يحتفلوا بالإفراج عن أبنائهم في نفس اليوم وفضلوا تنظيم مسيرة سلمية مساندة لسجناء الجارة العمران والمطالبة بالإفراج عن كل المعتقلين.
لم تثنهم شراسة البوليس والمداهمات الليلية بالقنابل المسيلة للدموع ولا ترويع النساء والأطفال والاعتداء على جرحى الثورة ومحاصرة القرى والأرياف والمعتمديات عن مواصلة النضال والمقاومة من أجل تحقيق الحرية والكرامة.

فمتى يا سيادة الرئيس، يا ساسة تونس الجدد، متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد الطاهرة؟
















أيوب المسعودي