vendredi 13 septembre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1

في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في "حوار المشرق والمغرب"، وهو كتاب يجمع جملة النقاشات الفكرية والسياسية التي جمعته مع نظيره المصري الدكتور حسن حنفي، قائلا "فنحن أمة واحدة تاريخا، ووطنا، وأرضا، وشعبا، وثقافة، وهمّا، وحاضرا ومستقبلا. تجزئتنا إحدى مآسينا، وتفرقتنا نتيجة لاستعمارنا وأحد أسباب عجزنا عن مقاومة أشكال الاستعمار الجديدة. حدود مصطنعة، ودول مزعومة، ونظم غير مستقرة، ليس لها نظرية أممية أو قومية أو ووطنية. ملكيات وراثية يرضى عنها البعض، ونظم ثورية إثر انقلابات عسكرية يعاني منها الكثير، وكلاهما تنقصه نظرية في العقد الاجتماعي تفسر نشأة السلطة".





ما أحوجنا إلى مثل هذه الحوارات في زمن عسكرة العقول واصطفاف الضمائر

ما لفت انتباهي من جديد إلى هذا الكتاب وجعلني أعود إلى تصفحه، علاوة على ألمعية المتحاورين ، هو اتساق القضايا والأطروحات المتناولة مع حاضرنا العربي حتى ليخيل لك، وأنت تقرأ الكتاب، أن الحوار لم ينته وأن حركة التاريخ قد توقفت، على الأقل في عالمنا العربي. فالفقر والتخلف والتبعية ما يزالون يطبعون حاضرنا حاجبين أي أفق للانعتاق أو التحرر الحقيقي مقابل تأجيج الطائفية والتطرف وما يترتب عن ذلك من تشطير للأمة فكرا وكيانا وجغرافيا من أجل تجزئة المجزء وإحكام هيمنة المستعمر على السياسة ثم الثروة.


لقد رجع المفكران إلى تحديات عصر النهضة العربية، للوقوف على أسباب إخفاق المحاولات الإصلاحية الصادقة لمفكرين عرب بدءا بالأفغاني وصولا إلى محمد عبده والكواكبي وأرسلان وغيرهم كثيرون من أولئك الذين عايشوا بداية انهيار الامبراطورية العثمانية وخوف الأمة من اندثارها ونهاية دورها الحضاري. وفي الحقيقة فقد صاحب هذه الحركة "العربية" اعتقاد راسخ بدور التتريك والإسلام السياسي العثماني في تقهقر الحضارة الإسلامية فكان أن نادى العديد إلى كسر مركزية الدولة وعقلنة السياسة وإرساء الحرية وتحكيم العقل. ومع ظهور القومية التركية و"تركيا الفتاة" ودور إدارة المستعمرات البريطانية في حركة الشريف حسين تحت مسمى "الثورة العربية الكبرى"، تحقق المحتوم أي انفصال الدول العربية عن الامبراطورية العثمانية المنهارة ونشأة الحركات الوطنية المنادية باستقلال "الأقطار" ومقاومة الاستعمار. ومع ميلاد الدول الوطنية القطرية المستقلة، حرصت الدول الاستعمارية أولا على دعم حركات أصولية ستلعب دور الإزعاج والابتزاز لبعض الأنظمة القومية لاحقا أو تنصيب وكلاء محليين يضمنون حماية مصالحها بعد خروجها "جغرافيا" لبقاءها "سياسيا". وستعمل المخابرات الغربية طوال عقود بعد ذلك على حبك المخططات وبث الفتنة داخل الأنظمة العربية أو بينها لدفعها إلى الاحتراب وثنيها عن طريق الوحدة والاتحاد. فكما سعت فرنسا مثلا إلى السيطرة المتواصلة على إفريقيا الغربية عبر ابتزاز الأنظمة بتمويل وتسليح المتمردين أو دعم المعارضين وتأجيج الصراعات العرقية، حرصت المخابرات البريطانية والأمريكية على خلق التوجس والفرقة داخل الجسم العربي وخاصة في دول الخليج التي تسابقت للتسلح وفتح أبوابها أمام القواعد العسكرية الأمريكية لحماية عرش العائلات الحاكمة من الشعب الجائع أو الجيران "المتآمرين".

كما أن الحوارات المنشورة للعابدي وحنفي ناقشت قضايا الثمانينات وبداية التسعينات وما رافق هذه الحقبة من تزايد لشعبية الحركات الإسلامية مع الثورة الإيرانية وفشل الأنظمة "القومية" في تحقيق تطلعات الشعوب من تحرر واستقلال فعليين. الكل يعرف ما آلت إليه محاولات الحركات الإسلامية التي حاولت هنا وهناك المشاركة في العملية السياسية.

لست هنا لتحميل مسؤولية واقعنا الرديء لفصيل سياسي أو أيديولوجي دون آخر، فقد اجتهد المفكرون والسياسيون كل حسب تجربته الذاتية وسياقه التاريخي الموضوعي. فكل المدارس السياسية والفكرية حملت وتحمل جزءا من المسؤولية في ما آل إليه وضعنا العربي، ولعل أخطر إخفاق يكمن في فشل التوافق حول مسألة جوهرية وهي تحكيم العقل وعقلنة السياسة وتعصيرها على أساس الحكم للشعب ومن الشعب وعلى أساس النتائج لا الأيديولوجيا والشوفينية العرقية أو المذهبية.

أنا هنا للتساؤل معكم، متى نستيقظ من سباتنا نحن العرب؟ ولماذا كتب على كل حركات التنوير والنهضة والتجديد العربية بالفشل؟ لماذا نتغاضى عن أمهات القضايا لنخوض في رؤية الهلال ورضاعة الكبير؟ لماذا تطرح الأحزاب السياسية مثلا، في مزايدة مضحكة، مسألة تعريب التعليم كمسألة ذات أولوية (ولا أقبل مزايدة في العروبة ممن يسترشدون بالفكر القومي العروبي خطابا ويطعنونه وراء جدران السفارات الغربية)، مع يقينهم باستحالة تطبيقه وبأن تطبيقه في ظل تخلفنا العلمي والأدبي والثقافي انتحار حضاري؟

لقد أصيب العقل العربي بشلل نصفي منذ أن أعلن أبو حامد الغزالي (القرن 11 و 12 م)، الأب الروحي للسلفية، الحرب على العلوم العقلانية والنقدية والطبيعية فكفر الفارابي وابن سينا وكتب "تهافت الفلاسفة"... ولم تفلح ألمعية ابن رشد (القرن 12 م) ومحاولاته في إحياء تلك العلوم وإنصافها في "تهافت التهافت" في نفخ روح جديدة في العقل العربي وكان الأوروبيون هم من استفادوا من فلسفة ابن رشد فنهضوا بترجمة توماس الأكويني (Saint Thomas d'Acquin)، في القرن 13 م، لكل ما كتب ابن رشد من تفسير وشرح ونقد، لا نقل، لفلسفة أرسطو. وهكذا ستولد العقلانية الأوروبية فيما بعد مع ديكارت وليبنيتز وسبينوزا (القرن 17 م) ثم لاحقا فلسفة التنوير مع ديكارت وكانط وفولتير... تمهيدا للثورة الفرنسية وما تبعها من ثورات أوروبية في القرن 19.


وهنا علينا أن نتساءل، هل يمكن لثورة لم يسبقها عمل تنويري يؤسس لأرضية فكرية أصيلة وتتوفر على مناصرين من داخل الشعب أن تحقق أهدافها؟ أعرف أن الكثير سيتهم خطابي هذا ب"التعالي" وب"النخبوية"...؟ ولكن أليس من الشعبوية والنفاق بل ومن الإجرام أن تعد الأحزاب الشعب بالجنة على الأرض وهم يفتقرون لبرامج مجددة وناجعة ونابعة من الواقع لا مجرد اجترار لنظريات ونماذج أثبتت فشلها في أكثر من موطن؟
لماذا تحول جوهر الثورة من طبيعته الطبقية كصراع من أجل الوجود والكرامة والحرية إلى صراع فقهي؟ لماذا سكت الفكر ونطق التكفير؟ لماذا اغتيلت الأفكار بسلاح الفتاوى؟ لماذا تحول الصراع من صراع بين أقلية عائلية وإقطاعية موالية من جهة وشباب معدم ومفقر من جهة أخرى إلى حرب بين "إسلاميين ظلاميين" و"علمانيين كفرة"؟ ألم تسبق الثورة الفرنسية فلسفة تنويرية بينما سبقت ثورة 17 ديسمبر حملات دمغجة وقصف للعقول إما عبر قنوات الدعارة الممولة خليجيا أو قنوات بول البعير وحكم إرضاع الكبير الممولة أيضا... خليجيا؟
لماذا نخوض في كل شيء إلا في أصل الداء؟ ألا يضرب بمجتمعاتنا المثل في أقصى درجات الغنى وأشد حالات الفقر كما يقول العابدي؟ كيف حدنا بجوهر الثورة عن أصله ونحن أمة واحدة نعبد إلاها واحدا، قبلتنا واحدة ولغتنا واحدة؟ أما آن الأوان لنا أن نترك الجدل الفقهي المصطنع ونهجره ونتفرغ للعبادة الفعلية، أليس العمل عبادة في ديننا السمح؟ فمتى سنناقش المسائل الرئيسة، أي كيفية توزيع الدخل القومي بطريقة عادلة وناجعة بما يحقق الرخاء والعدل بعيدا عن الهبات والمعونات وما يصاحبها من إذلال وهيمنة؟ لماذا يعد العالم العربي أغنى أغنياء العالم وهم قلة قليلة أمام أفقر فقراء العالم وهم السواد الأعظم؟ لماذا تجتر أحزابنا النماذج الاقتصادية البالية والفاشلة وتنحني لإملاءات المؤسسات المالية العالمية التي لا تبحث إلا عن مزيد تفقير الشعوب وإحكام هيمنة الدول الاستعمارية عليها؟ لماذا التزمت حركة النهضة باتباع سياسات اتفاقية واشنطن وما تمليه من خيارات ليبرالية متوحشة أثبتت فشلها، ألم يكتب ستيغليتز (أمريكي متحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد) ما يثبت فشل هذه الخيارات في كتابه "Le Prix de L'Inégalité" لتصح مقولة "وشهد شاهد من أهلها"؟

نحن أمام نخبة سياسية تسعى أكثر إلى تحصين امتيازاتها وتأبيد سلطتها أكثر من تحصين العقول الذي يمر أولا عبر تحصين القوت وتوفير العمل والعدل في توزيع الثروة. إلا أن جزءا من هذه "النخبة" لا يهمه الانعتاق الاقتصادي للتونسيين، والذي هو أساس الانعتاق الحقيقي، بقدر ما يهمه الإبقاء على العقول في حالة تخدُّر لتمرير الخطابات الأيديولوجية وتجنيد الشباب المعدم في معارك حزبوية انتخابوية وأخرى إقليمية لا تخدم إلا أعداء الأمة. بل يمكن القول أن النخبة السياسية الحالية، سلطة ومعارضة، تريد أن تسجن الشعب في أحقادها الأيديولوجية وتقحمه في استكمال معارك الجامعات التي لن تنتهي إلا بخراب الوطن.

lundi 9 septembre 2013

لماذا يُحاكم وليد؟ لماذا تُحاكم الثورة؟

لماذا يُحاكم وليد؟
لماذا تُحاكم الثورة؟





وأنا أستمع، بكثير من الانتباه، إلى الندوة الصحفية التي عقدها اتحاد نقابات الأمن التونسي، تلقيت خبر إيقاف أخي وصديقي وليد زروق كاتب عام نقابة السجون والإصلاح مع دخوله في إضراب جوع وذلك على خلفية كشفه عن قائمة إسمية لأعضاء الأمن الموازي. لم أتفاجأ كثيرا وذلك لعدة أسباب، أولها هو ما دار من حديث بيني وبينه منذ يومين حول التهم الموجهة إليه وعزمه على المضي قدما في الدفاع عن مواقفه وآرائه لا يخاف في ذلك لومة لائم. وقد تيقنت من نبرات صوته أن لا شيء سيزحزحه عن طريق الصدح بالحق وفضح الفساد الذي استشرى في مؤسسة الأمن وتفرعاتها وأجهزتها بما في ذلك السجون والإصلاح الخاضعة لوزارة العدل.

ليست هذه المرة الأولى التي يقاضَى فيها وليد على معنى الفصل 128 من المجلة الجزائية (نسب أمور غير قانونية لموظف عمومي دون الإدلاء بما يثبت) رغم تقديمه لقرائن ووثائق وأسانيد تؤسس لما يقدمه من ملفات فساد مستشر في السجون والإصلاح. وفي الحقيقة، أشرت أعلاه لندوة اتحاد نقابات الأمن التونسي التي عقدت يوم 06 سبتمبر 2013 حتى أمهد لجملة من الملاحظات ذات صلة بقضية وليد زروق أسوقها بالتوالي:

- جاءت تصريحات النقابيين في الندوة المذكورة ملتبسة وقد اختار المتدخلون من أعضاء اتحاد نقابات الأمن الداخلي عدم الكشف عن الأسماء في العديد من المسائل الحيوية، وقد يعود ذلك إلى الخوف من التتبعات القضائية على معنى الفصل 128 من المجلة الجزائية على عكس وليد زروق الذي اختار الوضوح والشجاعة في الصدح بالحقيقة في ملف لم يعد يحتمل المواربة والمراوغة،
- أقر الأمنيون بعلمهم بوجود أبي عياض في جامع الفتح منذ الثامنة صباحا إلا أن التعليمات أمرت بالانسحاب وبعدم الالتحام، ولم يذكر النقابيون مصدر هذه التعليمات وخلفياتها؟ في تقديري، النهضة سعت إلى أن يظل أبو عياض طليقا لتُلبسَه كل الجرائم التي سترتكب لاحقا وتعلق على تنظيمه مسؤولية الجرائم الإرهابية اللاحقة وتبرير القمع تحت مسمى الحرب المقدسة على الإرهاب... إذ كيف نبرر غياب تبني أنصار الشريعة للاغتيالات وأحداث الشعانبي؟
- أقر الأمنيون بوجود ولاءات سياسية داخل الجسم الأمني مع تورط قياديين سامين في الإرهاب؟ وهنا نطالب بالكشف عن طبيعة هذه الولاءات ومدى تنظمها والتنسيق بينها؟ ولماذا لم يكشف عن أهم القيادات الأمنية المتورطة في ما يسمى بالأمن الموازي الذي فضحه وليد زروق وغيره من الصحفيين الاستقصائيين؟ وأين وصلت قضية فتحي دمق زما مدى ارتباطها بقضية الاغتيالات؟
- لماذا تم التغاضي عن آخر المستجدات في قضية الاغتيالات وإقرار كل المحالين في هذه القضايا بعدم مقابلتهم مع أبي عياض ووساطة أبي بكر الحكيم في بيعة أبي عياض باليمن؟ أليس من تقاليد التنظيمات الإرهابية تبني أعمالها والتسويق لها إعلاميا؟ فما سبب غياب أي تبن من قبل تنظيم  أنصار الشريعة للأعمال الإرهابية؟ ومتى كانت صفحات التواصل الاجتماعي مصدرا موثوقا تعتمد عليه الأجهزة الأمنية؟
- ما هو موقف هذه النقابات من استدعاء محققين من ال ف.بي.آي لحضور جلسات استماع لمتهمين تونسيين في تعد سافر على السيادة الوطنية وما هو رأي الأمنيين في جدوى إحداث منطقة عسكرية مغلقة في الجنوب وعلى الحدود الغربية؟
- تحدث النقابيون عن غياب استقلالية النيابة العمومية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولم يتحدثوا عن تداخل السياسي بالقضائي بالمالي. فمن أذن بالتحقيق في حق وليد زروق هو السيد طارق شكيوة، زوج السيدة وداد بوشماوي، الذي عينه السيد نور الدين البحيري كوكيل للجمهوية بمحكمة تونس، وهو منصب شبه سياسي في إحدى أكبر محاكم الجمهورية التي احتضنت تاريخيا كل قضايا الرأي،
- لماذا لم يتم التطرق إلى هوية مسرِّب محاضر التحقيقات إلى الإرهابيين؟
- لماذا تم التغاضي عن ترقية السيد محرز الزواري (الذي لم يذكر إسمه البتة في الندوة الصحفية)، زعيم الأمن الموازي والذي تم إبعاده، تحت الضغط الإعلامي، عن إدارة المصالح المختصة إلى المدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي التي تكوِّن الإطارات والضباط السامين في الأمن الداخلي مما سيمكنه من بث سمومه والتأسيس، منذ المهد، للولاء لحركة النهضة وخدمة أجندتها الحزبية؟ (لا أحتاج هنا إلى التذكير بدور السيد محرز الزواري في إفشال عمليات مطاردة الإرهابيين)،
- ماهي المعلومات المتوفرة لدى استعلامات الأمن الداخلي حول هوية الأطراف التي كانت وراء تسريح رجل الأعمال الذي كان يدفع كراء وكر أبي بكر الحكيم والذي تجمعه علاقة قرابة بالسيد الطاهر العياري المنتمي لحركة النهضة والمسؤول عن أمن مقرها؟
- لماذا لم يتم الكشف عن إحدى أهم الملفات وهو ملف الجمعيات الداعمة للإرهاب، الممولة خليجيا، والتي كشفت عنها خلية الأزمات التي تم وضعها إبان مقتل الشهيد شكري بلعيد؟ لماذا تتستر وزارة الداخلية عن الأسماء؟ هل أن وجود جمعيات عنيفة موالية للنهضة وراء هذا التستر والخوف؟
- لماذا تم السكوت عن الإخلالات التي شابت عمل خلية الأزمة الخاصة بالشعانبي والمتكونة من أمنيين وعسكريين، تحت مسؤولية وحيد التوجاني؟ وهل كان التوجاني حريصا على نقل المعلومة والتنسيق مع العسكريين؟

كل هذه الأسئلة أسوقها أمام الرأي العام حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته وحتى لا يكون وليد زروق كبش فداء على مائدة الصفقات السياسية القذرة تحت مسمى الحرب على الإرهاب. فلنساند وليد زروق ولندفع كلنا نحو كشف أرشيف البوليس السياسي وكشف كل الحقيقة حول جرائم الدولة التي ترتكب كل يوم في حق تونس وفي حق الثورة.


عاشت تونس حرة أبية
عاشت الثورة
أيوب المسعودي

09 سبتمبر 2013

jeudi 5 septembre 2013

عندما تتحول الجمعيات إلى حصان طروادة للنهب والسلب

عندما تتحول الجمعيات إلى حصان طروادة للنهب والسلب

أيوب المسعودي
05 سبتمبر 2013






انحصرت جل المبادرات التي تقدمت بها الأطراف السياسية والاجتماعية على الجانب الفني الإجرائي الإداري للخروج من الأزمة مع الحد من خطر ما يسمى "الفراغ"، وقد كانت كلها تتمحور حول كيفية تحييد الجهاز التنفيذي في إدارة المرحلة المتبقية والتي تفصلنا عن الانتخابات التي تريد كل القوى السياسية لها أن تأتي في أقرب الآجال. وإن كان مطلب تحييد السلطة التنفيذية والتسريع في الانتخابات مطلبا مشروعا بالنظر لانسداد الأفق السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فإن ما يسمى بالحوار الوطني وجملة القضايا المطروحة على الساحة السياسية حاليا أغفلت إحدى أوكد المسائل وهي مسألة تمويل الجمعيات. ولما كان المجتمع المدني أداة لدى نظام 07 نوفمبر لتطويق المجتمع وابتزاز الفئات المفقرة والمعدمة، توجب الانتباه إلى استنساخ حكومة الترويكا لهذه السياسات الإجرامية بتفريخ عدد من الجمعيات الموالية التي أغدقتها الحكومة بالدعم المالي واللوجستي مقابل محاصرة جمعيات وطنية تأبى أن تُطوع وأن تتحول إلى أداة في يد السلطان.

العمادات وسياسة التطويق الاجتماعي

وصلتني البارحة رسالة من صديق يقطن بإحدى عمادات الشمال الغربي يشتكي فيها من سياسة المحاباة التي يعاني منها الأهالي وآخر تجلياتها توزيع الهدايا على نوابغ الحزب الحاكم دون غيرهم واستئثار العائلات "الموالية" بالمساعدات الاجتماعية (آخرها منحة ب450 دينار) على حساب العائلات المعوزة التي هي في حاجة ماسة إليها... هذه قطرة من بحر من الممارسات التجمعية التي تطال الوظائف العمومية والتشغيل في الحضائر ومنح رخص المشاريع والقروض...


الولايات : وكر التمويلات على أساس الولاءات

في أواخر ماي من هذه السنة، نظمت رابطة الحريات والتنمية البشرية (الجمعية التي أرأسها) وقفة احتجاجية تعبيرا عن رفض مشروع برنامج لإعادة هيكلة جامعة جندوبة... على إثر هذا التحرك الناجح، استقبلنا المعتمد الأول نيابة عن الوالي للتحادث في موضوع الهيكلة وتداعياته على الجهة والمؤسسات التعليمية وسبل الضغط من أجل التراجع عن مشروع سيضر بالولاية على أكثر من صعيد.
في الحقيقة، لم يكن ذلك أكبر همنا في اجتماعنا ذاك، ذلك أن الحشد الشعبي والضغط الإعلامي الذي نجحنا في تحقيقهما دفعا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى التبرؤ من المشروع وربما تأجيل النظر فيه إلى أجل غير معلوم... ولم نكن ننتظر من الإدارة الضعيفة لولاية الكاف أن تكون طرفا فاعلا في هذا الملف.
كان القصد في اجتماعنا بالمسؤولين في الولاية التأكيد على ضرورة التجاوب مع مطالبنا الملحة والمتكررة بمدنا بجرد كامل ومفصل في التمويلات التي منحت، من قبل الولاية، للجمعيات في ولاية الكاف منذ أكتوبر 2011 مع بيان قائمة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة لها والإطار الذي تم فيه توزيع تلك الأموال... وقد راجت في تلك الفترة أنباء عن توزيع ما يقارب ال 500 ألف دينار على الجمعيات في ظروف من التعتيم والضبابية التي حتمت علينا، كجمعية وطنية ومسؤولة، استقصاء الأمر وتجليه مباشرة لدى المسؤولين.
بعد استقبالنا بحفاوة منقطعة النظير من قبل المعتمد الأول وخوض سطحي في مسألة الجامعة، كان الحرج واضحا على ملامحه حالما وجهت عتابي إلى الولاية على تراخيها وتقصيرها في التفاعل مع مراسلتنا الرسمية بتاريخ 16 أفريل 2013 (أي منذ ما يقارب الشهر ونيف قبل اجتماعنا هذا). بعد الثناء على الرابطة كجمعية تحظى بالاحترام والتقدير على العمل الجاد الذي تقدمه.... ومحاولات يائسة لتبرير التأخير والمماطلة لم تنل من عزمنا وإصرارنا على المطالبة بحقنا كمجتمع مدني في مراقبة حسن استغلال ثروات المجموعة الوطنية الموضوعة تحت تصرف الولاية، انتهى السيد المعتمد الأول، في محاولة أخيرة لإسكاتنا، إلى وعدنا بتخصيص جزء من "تفتوفة" (هكذا قال) من المال ستوزع قريبا على الجمعيات وكأننا جئناه استعطاء أو طمعا في نصيب من الكعكة. أوفياء كعادتنا للقيم والأهداف التي تأسست عليها الرابطة، لم نتردد في وضع النقاط على الحروف مع السيد المسؤول معربين عن رفضنا لأي تمويل من الولاية لا يحترم مبدأي الشفافية والعدل في التصرف في الأموال المخصصة للجمعيات مؤكدين في نفس الصدد على ضرورة مدنا، في أقرب الآجال، بجرد في تمويل الجمعيات لسنتي 2012 و 2013 وذلك تفعيلا للمرسوم عدد 41 مؤرخ في 26 ماي 2011 والمتعلق بحق النفاذ إلى الوثائق الإدارية.
إلى يوم كتابة هذه الأسطر، أي بعد مرور أربعة أشهر كاملة، لم تتلق الرابطة أي رد من الولاية على هذا المطلب الهام!


من الولايات إلى الوزارات

علما منا برصد وزارة المرأة لتمويلات موجهة للمشاريع التشغيلية التي تقترحها الجمعيات لفائدة المرأة الريفية، انكبت مجموعة من أعضاء الرابطة على إعداد أكثر من مقترح لمشاريع صغرى لصالح المرأة الريفية، وقد تم ذلك بالتعاون مع أخصائيين في التنمية والفلاحة لاستيفاء المعايير العلمية والعملية للدراسات المقدمة، كما كان لأعضاء الرابطة زيارات ميدانية ومعاينات لظروف عيش بعض العائلات المعوزة لتحديد قائمة من المرشحين للتمتع بالتمويل.
وقد راهنت الرابطة على هذه المشاريع إيمانا منها بدور المجتمع المدني كرافعة للتنمية المحلية والجهوية وانطلاقا من حسها الوطني بالمسؤولية وعملا على تحقيق أحد أهم أهداف الرابطة وهو التنمية البشرية في كل أبعادها وأولها البعد الاقتصادي، ذلك أن الرابطة تؤمن بأنه لا انعتاق ولا تحرر ولا حرية إلا بالانعتاق الاقتصادي والاجتماعي الذي يحرر المواطن من أسر الخوف والقمع الاقتصادي الذي هو أداة الاستبداد الأولى.

وقد قدمت الرابطة ملفات الدراسات المفصلة إلى وزارة المرأة منذ ديسمبر 2013 لتبدأ منذ ذلك الوقت سلسلة من التسويف والمماطلة والتجاهل لم تنقطع إلى يوم كتابة هذه الأسطر. وقد تعاملت الرابطة بكامل الحرفية والإيجابية مع الوزارة وأبدت استعدادا للقيام بأي إجراءات من شأنها أن تسرع وتسهل التعاطي مع هذه المشاريع التي تصل طاقة تشغيلها إلى قرابة الخمسين مرأة ريفية (هذا دون احتساب المنتفعين غير المباشرين المقدر عددهم بالمآت).
ما زاد الطين بلة هو رفض وزارة المرأة ومماطلتها في عقد اتفاقية شراكة مع الرابطة مفضلة محاباة الجمعيات الموالية كتونس الخيرية التي يترأسها شقيق الأمين العام لحزب السيدة الوزيرة (وهي فرع لمؤسسة قطر الخيرية التي تغدق عليها ملايين الدينارات). وقد علمنا لاحقا أن نفس هذه الجمعية أطلقت في أكتوبر 2012، تحت إشراف وزارة المرأة، حملة توزيع دراجات هوائية رفيعة النوع لفائدة عدد من الأطفال في مناطق داخلية... (المصدر 1).

إن رفض تمويل مشاريع مشغلة تحقق الانعتاق الاقتصادي لعدد من العائلات بتوفير دخل قار مع إنتاج الثروة وتبجيل الهبات والعطاءات في حملات دعائية ذات خلفيات سياسوية ترمي إلى الإبقاء على حالة التبعية الاقتصادية للفئات المعدمة لينم عن عقلية استعبادية لفظتها ثورة 17 ديسمبر. ذلك أنه في نظر الرابطة، من الأجدر تحقيق الاستقلالية الاقتصادية عبر توفير مورد رزق قار لهذه العائلات لتمكينها من شراء الكتاب والقلم والدراجة والمأكل والمشرب... بعيدا عن أي ابتزاز سياسي. ذلك هو السبيل الأوحد للتحرر الحقيقي.

وفي إحدى الاجتماعات الفلكلورية التي عقدتها الترويكا مع جمعيات بالجهة، حضر وفد من الرابطة لغايتين لا ثالث لهما: أولا تعبيرنا عن رفضنا لسياسات تدجين المجتمع المدني بعد ثورة 17 ديسمبر، وثانيا، حتى نكون إيجابيين وعمليين كعادتنا، اقترحنا سن قانون يفرض على الوزارات والجماعات المحلية والجهوية، إعطاء الأولوية للمشاريع المشغلة عند توزيع التمويلات على الجمعيات وذلك في إطار الشفافية التامة...

من الوزارات إلى الرئاسة

من مصادر من صلب رئاسة الجمهورية، وصلتني معلومات بوجود انتقائية واضحة في اختيار الجمعيات التي تتمتع بمساعدات وتمويلات وذلك على أساس الانتماء والولاء السياسين في تعد صارخ لمبدأ حياد مؤسسة الرئاسة وهو ما يتطلب فتح تحقيق عاجل في كيفية التصرف في المال العام المرصود للمجتمع المدني وذلك من أدنى السلم على مستوى العمادات إلى المعتمديات فالولايات والوزارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية.


إنني على يقين بأنه، وسط الإفلاس السياسي لنخبة سياسية مهترئة ومتهرمة، على المجتمع المدني أن يضع كل ثقله لفضح الجرائم التي ترتكب في حق الشعب والثورة من أجل مغانم شخصية وفئوية لا تخدم المفقرين والمعدمين الذين ثاروا من أجل الخبز والحرية والكرامة الوطنية.

lundi 2 septembre 2013

صفقة الشيخين - وما وراء الأكمة؟

صفقة الشيخينوما وراء الأكمة؟


02 سبتمبر 2013
أيوب المسعودي






تذكير

منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر، نشرت مقالا تحت عنوان "صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي" (1) تحدثت فيه عن ما يحاك من مخططات تهدف إلى إعطاء هامش من المناورة السياسية لحركة النهضة، مناورات وفرقعات غطت على عملية سطو على الثورة دار رحاها في دار الضيافة بعيدا عن الأضواء لتسوية "الخلافات السياسية" وتمرير دستور الجماعة مقابل مشاركة جزء من "النخبة" في السلطة والامتيازات. وهي صفقة تم تمريرها تحت غطاء الوفاق الوطني الكاذب بمشاركة أحزاب و"شخصيات وطنية" وأخرى تجمعية وأخرى انتهازية لا وزن واقعي لها باسم الوحدة المقدسة ضد خطر الإرهاب الداهم... لم يتغير شيء منذ ذلك التاريخ مقابل تمادي الحزب الحاكم في تشجيع العنف المادي والمعنوي والترهيب والإرهاب بما يسمح له بالتموقع في الوسط كحزب يميني "معتدل محافظ" وكخيار ضد التطرف والغلو.

الحوار من أجل الحوار

بعد الاغتيال الجبان للشهيد محمد البراهمي، قررت حركة النهضة تغييرا طفيفا في الشخوص والأدوار والديكور، دون المساس بالسيناريو، لتسحب البساط من تحت أحمد نجيب الشابي وتجعل من الباجي قائد السبسي رجل المرحلة ومن نداء تونس شريكا ممكنا. حركة النهضة لم تقتصر على ذلك بل سحبت البساط من تحت حليفها العضوي، المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي كان من أشرس المدافعين عن قانون تحصين الثورة ليعلن شيخ مونبليزير عن تخليه عن هذا القانون ودعوته رئيس الجمهورية إلى الاستقالة في حال وجود نية للترشح إلى الرئاسيات القادمة. أما بالنسبة للديكور، فقد اختارت النهضة، بعد طول جفاء، القبول باتحاد الشغل إطارا للتفاوض كبديل عن قرطاج، هذا على الأقل على مستوى الظاهر، قبل أن ينكشف الإطار الحقيقي للمفاوضات الفعلية، تلك التي جمعت شيخي السياسة التونسية في باريس... التفاوض؟ على ماذا؟ وما الذي تخفيه صفقة الشيخين؟
في الحقيقة، لدي قناعة راسخة، عبرت عنها مرارا ومنذ زمن بعيد، بحتمية تقارب حركة النهضة وحركة نداء تونس كحزبين رجعيين (بالمفهوم السياسي والاقتصادي) تجمعيين، الأول تحت غطاء ديني والثاني تحت غطاء بورقيبي حداثوي. حركة النهضة، كما نداء تونس، كانا يتحينان التوقيت الأنسب للإعلان عن هذه التقاربات، في انتظار ذلك، عمل الطرفان على تأجيج الاستقطاب الثنائي من أجل تشطير المجتمع وتقسيم الناخبين تمهيدا لتقسيم كعكة السلطة، وقد استنجدوا في ذلك بترساناتهم المالية والإعلامية وتحالفاتهم الأجنبية المشبوهة، لا تغركم في ذلك الخطابات الأيديولوجية المنمقة الزائفة التي تبدي في ظاهرها اختلافا جوهريا والرامية في باطنها إلى تهييج الشارع ودغدغة مشاعر الخوف عند شق من الشعب والانزواء الهوياتي عند الشق المقابل.
لن أتحدث عن الحوار الذي احتضنه اتحاد الشغل، وإن كنت لا أشكك في صدق الاتحاد في محاولة الولوج إلى حل للأزمة، فهو في تقديري يخدم بصفة غير مباشرة حركة النهضة ويعطي غطاء للمفاوضات الحقيقية التي تدور تحت رعاية سفارات أجنبية وفي فضاءات مغلقة بين مونبليزير وقرطاج. وإذا نظرنا بتبصر وتمعن في ما رشح من مفاوضات باريس، نجد أن الشيخين "تفاهما على كل شيء" حسب قول راشد الغنوشي الذي لم يترك للاتحاد وأحزاب المعارضة إلا التزكية والمباركة.
لتلخيص ما جاد به الشيخان من معلومات حول تفاهمات باريس، يمكن القول أن النهضة والنداء اتفقا على طي صفحة الماضي والانتقال من التجاذب إلى التوادد مع ما يستتبعه ذلك من تنازلات من قبل حركة النهضة كإسقاط مشروع قانون تحصين الثورة وعدم تقديم مرشح للرئاسيات القادمة واتفاق الرجلين على عدم "فتح الملفات" وتجاوز الماضي... علاوة على ما يجب أن نقرأه بين ثنايا الكلام والمصطلحات المستخدمة خاصة في كلام الباجي قائد السبسي وحديثه عن تقاطع التوجهات الاقتصادية للحزبين وتذكيره بقمة الثمانية في دوفيل ومخطط الياسمين الذي أعدته حكومته والتي واصلت حكومة الجبالي في العمل به قبل أن تأتي حكومة العريض وتشرع في تنفيذه فعليا (مشروع الإصلاح الهيكلي، الزيادة في سعر المحروقات ومواد أساسية أخرى...).

ما وراء الأكمة؟

طبيعة التفاهمات التي أفرزها لقاء باريس يطرح جملة من التساؤلات أهمها مدى اتساق هذه الصفقة مع استحقاقات الثورة وانتظارات الجماهير. ألم يكن المراد من وراء تعفين المناخ السياسي والاقتصادي والترهيب والإرهاب ودفع الاستقطاب الأيديولوجي إلى أشده هو تهيئة الرأي العام وأنصار القطبين للقبول بالتقارب كضرورة مرحلية لإزاحة خطر الإرهاب الداهم والتأزم الاقتصادي وانهيار الدولة؟
ثم ما معنى أن يتفق رجلان على إغلاق ملفات الماضي وتبادل التطمينات بعدم التتبع وإثارة القضايا والمحاسبة؟ أليس ذلك تفصيا من المسؤولية واغتيالا للثورة واعتداء على الذاكرة الوطنية وحق الشعب في محاسبة جلاديه القدامى والجدد؟ هل سيوافق الشعب الثائر على إسقاط حق أجيال من المعارضين والمناضلين الوطنيين من اليساريين والشيوعيين إلى القوميين إلى اليوسفيين إلى الإسلاميين في القصاص ممن عذّبهم واغتالهم وأذلّهم؟ من له المصلحة في قبر أرشيف البوليس السياسي ولماذا التستر على أعمدة الفساد المالي والسياسي في العهد البائد لولا تورط الرجلين؟ هل فوض شباب الثورة والشهداء والجرحى هذه الديناصورات السياسية للتفاوض على حقهم في محاسبة القتلة وكشف حقيقة القناصة واسترداد الكرامة والاعتبار؟ هل فوض شباب سليانة الشيخين للتفاوض على غلق ملف الرش؟ هل فوضت عائلات العسكريين وأعوان الحرس البواسل الذين ابتلوا في فلذات أكبادهم هاذين المجرمين لغض الطرف عن حقيقة جرائم الشعانبي وتشعباتها ودور قوى سياسية فيها؟ هل تخلت "المعارضة" عن حق القصاص من الشهيدين بلعيد والبراهمي؟
هذا على مستوى المعلن، أما المضمر فهو في رأيي أدهى وأمر. إذ أن سكوت الرجلين عن مسألة الدستور والانتخابات يشي بحقيقة الصفقة التي قد يكون جوهرها مباركة الدستور والنظام السياسي والانتخابي (وهو ما بدأ في دار الضيافة أيضا) مقابل المشاركة في السلطة وقبر الملفات الحارقة كمحاسبة المسؤولين السياسيين عن جرائمهم قبل وبعد 14 جانفي، لتكون الضحية الأولى في كل ذلك هو الشعب الذي تم تهميش دوره في تحديد مصيره ودستوره ونظام حكمه وأولويات المرحلة.
كما أن جل المبادرات التي تقدمت بها الأطراف السياسية والاجتماعية اقتصرت على الجانب الفني الإجرائي الإداري للخروج من الأزمة مع الحد من خطر ما يسمى "الفراغ"، وقد كانت كلها تتمحور حول كيفية تحييد الجهاز التنفيذي في إدارة المرحلة المتبقية والتي تفصلنا عن الانتخابات التي تريد كل القوى السياسية أن تأتي في أقرب الآجال. وإن كان مطلب تحييد السلطة التنفيذية والتسريع في الانتخابات مطلبا مشروعا بالنظر لانسداد الأفق السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن حصر الصراع الحالي في إطار التسابق على السلطة بتوفير شروط المشاركة السياسية لنخبة سياسية جديدة، بل يجب أن يكون الصراع صراع أفكار واقتراحات تلبي المطابل الحقيقية لثورة 17 ديسمبر، ولا يمكن تنظيم انتخابات قبل حلحلة الملفات التالية:


- ملف تمويل الجمعيات : لقد شهدت تونس، بفعل ثورة 17 ديسمبر، انفجارا لعدد الجمعيات المدنية. وإن كان ذلك مؤشرا لديناميكية المجتمع التونسي وإرادة استرداد المواطنة المسلوبة، فلا يمكن تجاهل العدد الهائل للجمعيات التي تعمل وفق أجندات حزبية وتحظى بتمويلات حكومية مشبوهة مقابل محاصرة جمعيات وطنية تأبى أن تطوع وأن تتحول إلى أداة في يد السلطانأن. ولما كان المجتمع المدني أداة لدى نظام 07 نوفمبر لتطويق المجتمع وابتزاز الفئات المفقرة والمعدمة، توجب مطالبة كل مؤسسات الدولة من العمادات إلى المعتمديات إلى الولايات إلى الوزارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية بنشر جرد كامل ومفصل في التمويلات التي منحت للجمعيات مع بيان قائمة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة لها والإطار الذي تم فيه توزيع تلك الأموال منذ 23 أكتوبر 2011،
- النظام الانتخابي : كنت نبهت وأشرت إلى خطورة تفويض مسألة وضع النظام الانتخابي إلى المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه الأحزاب السياسية. ما أقترحه هو تكليف لجنة خبراء دستوريين مصغرة بوضع قانون انتخابي يرتكز على مبدأ قرب الناخب من المترشح ولعل نظام الانتخاب على الأفراد وفي دوائر صغيرة هو الأمثل والأكثر ديمقراطية وتمثيلا والأنسب للأحزاب والأشخاص ذوي الإمكانيات المادية المحدودة، ذلك أن تكاليف الحملات الانتخابية في دوائر صغيرة (بحجم المعتمديات) هي أقل تكلفة وأكثر نجاعة من حيث القرب والتواصل. إن توافق "النخبة" حول قانون انتخابي مبني على نظام النسبية مع أكبر البقايا إنما يرمي إلى حفاظ هذه "الأوليغارشية السياسية الحزبية" على امتيازاتها مع تهميش الشباب والكفاءات الغير متحزبة،
- منح حكومة الكفاءات صلاحية التدقيق في كل التعيينات التي طالت الإعلام والإدارة والوزارات والولايات والمعتمديات على أساس الولاء الحزبي منذ 23 أكتوبر 2011 ومراجعتها قبل الانتخابات،
- كشف أرشيف البوليس السياسي وهو ما من شأنه تحصين الثورة وكشف حجم الجرائم التي اقترفها النظام المخلوع وحلفاؤه في الداخل والخارج،
- رد الاعتبار لشهداء وجرحى الثورة وإكرامهم بحلحلة مشاكلهم الصحية والاجتماعية وحسم قضايا القتل والقنص وكشف كل ملابساتها عبر إحالة ملفات قتل الشهداء على القضاء العدلي المدني،
- التطبيع مع الصهيونية : ضرورة المطالبة بدسترة التجريم الصريح لكل أشكال التطبيع مع الصهيونية والكيان الصهيوني،
- تعديل الفصول الخاصة بالرقابة اللاحقة لقرارات الجماعات المحلية والجهوية والتي تفرغ مبدأ الانتخاب من مضمونه،
- إلغاء خطتي الوالي والمعتمد وتعويضهما بمجالس جهوية ومحلية منتخبة،
- إقرار مبدأ الديمقراطية التشاركية كمكمل للديمقراطية المحلية مع ضرورة تشريك المجتمع المدني في المجالس المحلية والجهوية،
- إقرار آلية دستورية لتفعيل الديمقراطية التشاركية المباشرة كمنح 5% من الناخبين حق اقتراح مشاريع القوانين على المجلس التشريعي أو مساءلة الوزراء.