samedi 23 janvier 2016

ماذا نريد؟

ماذا نريد؟

قد يبدو السؤال بديهيا للبعض أو ربما اعتباطيا؟ ولكن السؤال ملح. لم نتعود أن نُسأل عن رأينا في مجتمع الطاعة والعلاقات الفوقية الأبوبية منذ الصغر والمدرسة ومدارج الجامعة أمام المحاضر الأوحد والحزب الواحد والزعيم الفذ...
لماذا أطرح هذا السؤال... خطر لي هذا السؤال اليوم وبعد خمس سنوات من ثورة دون قيادة. لقد كانت ثورة دون قيادة وبلا أهداف واضحة. قد يقول القارئ ما دأب الجميع على تكراره من شعارات "شغل، حرية كرامة وطنية" كان عنوان الثورة، وهو شعار لا يختلف بشأنه عاقلان... ولكنه شعار قبل كل شيء، أي أن كل فرد قد يلبسه ما يتمثله من شروط الكرامة والحرية... وكل الأحداث أثبتت أن مقاييس الحرية والكرامة وغيرها من القيم التي نادت بها الثورة اختلفت بحسب التموقع الاجتماعي وامتيازات ما قبل 17 ديسمبر وما بعدها والتموقع في السلطة وخارجها والجغرافيا الوطنية... وبان بالكاشف أنه بينما يثور من ليس له ما يخسر، يرى الآخرون ممن يخافون على الحد الأدنى مما حققوه لأنفسهم، بحق أو بغير حق، أن غضب الشارع همجية وأن تواصل الاحتجاج قفزة في فراغ المجهول.
وبصراحة أقولها ولا أخفي أنني وإن أساند غضب الشارع فلا ينفي ذلك أنني وفي أعماق ذاتي تختلج تساؤلات شتى سأفصح عنها واحدة تلوى الأخرى:
لقد ركبت التنظيمات السياسية والحزبية على ثورة 17 ديسمبر ونجحت الأقليات المنظمة في تحويل وجهتها نحو ديمقراطية برلمانية ونظام سياسي هجين يقرب أكثر إلى لعبة الكرسي الموسيقي (
chaise musicale) تخدم نخبة تبدو في الظاهر متناقضة ولكنها لا تتدافع إلا لتنال نصيبها من الكرسي أو الوجاهة ويبقى غضب الشارع بالنسبة إليهم موسيقى تنذر بجولة جديدة حول الكرسي. لاحظوا هنا أن صانع الموسيقى لا يشارك في اللعبة. لا أحد منهم سأل الشباب عن رأيه في قانون اللعبة والمشاركين والأهداف.
أتساءل احيانا، ماذا لو أننا حملنا تحرك الشارع أكثر مما يحتمل؟ هل يمكن ان تكون تمثلاتنا لأهداف التحركات رومانسية عاطفية؟ لا أحد أقدر على الإجابة عن هذا السؤال من الشباب نفسه. لا بد عليه أن يتساءل عن الأسباب العميقة لتحركه؟ سمعت أحد المنظرين لحزب حاكم، ناعتا التحركات بالانقلابية ومتحدثا عن ضرورة التغيير من داخل المنظومة "الديمقراطية" حفاظا على "المسار الديمقراطي" وعن مساندته للتحركات طالما انحصرت في المطلبية المادية لعدد من العاطلين عن العمل. هنا مربط الفرس. من يحتج ولماذا؟
أعيد طرح السؤال بطريقة أخرى، ماذا لو كانت نتيجة "تسييس" حراك اجتماعي بحت مرتبط بمطالب مادية بحتة وبانتظارات محددة وقابلة للقياس هي تحديدا تهميش مطالب هؤلاء الشباب والركوب مجددا على غضبهم المشروع لتكون النتيجة الحتمية طعن مطالبهم والتخلي عنهم ما أن توقفت الموسيقى ليتسابق المتحزبون إلى أقرب كرسي في انتظار جولة جديدة ضاربين بعرض الحائط مطالب من أوصلوهم إلى مراتبهم الجديدة؟
لست ممن يطمئنون بسهولة إلى الإجماع والحقائق المسلمة وأؤمن بالجدلية وضرورة التشكيك الدائم في بنية أفكارنا.
ماذا تريد أيها الشباب؟ هل تريد من السلطة أن تأتي بالحل؟ هل تؤمن بهذا النظام؟ هل لديك ثقة في هذا النظام؟ هل تؤمن بالتفاوض مع النظام؟ هل يمكن أن يأتي الحل من هذه المنظومة أم أنك ستقرر أخيرا أن تؤسس الحل؟
لا أحد يملك أن ينوب الشباب في قرارهم هذا، وحدهم هم القادرون على تحديد مطالبهم بدقة. ومهما كانت هذه المطالب فلا يمكن لأحد التشكيك في حقهم في المطالبة بها بالأشكال التي يقررونها. ولكنني أسمح لنفسي من بي التعاطف أن أنبه من بعض المنزلقات، والكلام موجه إلى الشباب والمسؤولين:
- إلى المتخوفين من مصير "كيان الدولة" أو مصالحهم الخاصّة : لا شيء غير العدل يمكن أن يضمن لكم ولأبنائكم العيش المشترك والسلم الأهلي وذلك لا يتحقق إلى بمناصرة الضّعفاء والوقوف مع الحقّ وإلّا انهار البيت على الجميع،
-إلى الشباب الغاضب، إذا كانت المطالب منحصرة في بعدها المادي المرتبط بتشغيل عدد من العاطلين عن العمل دون أفق تغيير جذري لسياسة إنتاج الثروة وتوزيعها فليعبر الشباب عن ذلك صراحة وليكف السياسيون عن تحميل معاناة الشباب أكثر مما تحتمل،
- على الشباب أن يتساءل عن جدية الاقتراحات التي قدمتها الحكومة والتي تعتبر في رأيي رسكلة لرزمة آليات مهترئة تكرس الهشاشة والتبعية وغير قابلة للتطبيق (مثلا خصخصة الأراضي الاشتراكية غير قابلة للتطبيق بل غير مجدية وبدل المزيد من تشتيت الأراضي الفلاحية على الدولة مساعدة الشباب للتنظم في شكل تعاونيات لاستغلال تلك الأراضي عبر توفير التجهيز والتمويل وتوفير الآبار العميقة....)،
- رسالة إلى كل من يتبنى خطاب التخوين والتخويف لتشويه الاحتجاجات تحت عنوان الحفاظ على كيان الدولة: لا يمكن أن يقتصر وجود الدولة على القمع بل إن دورها الطبيعي هو تأمين العيش المشترك عبر منع الاستغلال والاستعباد وضمان الحقوق الاجتماعية لمواطنيها وكلما انسحبت الدولة من دورها الاجتماعي كلما نزعت إلى الترهيب بل وحتى الإرهاب لتبرير وجودها باعتبارها تنفرد بالسلاح واستعمال العنف،
- إن الإمعان في انتهاج سياسة المراوحة بين الحلول التسكينية والتشويه لحراك سلمي اجتماعي مواطني سيزيد الطين بلة ذلك أنه سيفاقم من غضب الشباب والإحساس بال"حقرة" من جهة" وسيزيد في نسبة الإحباط والكفر بالسياسة والتحزب مما قد يدفع بالشباب إلى بدائل لا يؤمن بها ولكنها تبدو أكثر راديكالية وأكثر وضوحا،
- على الشباب الثائر أن يطرح بجدية ما إذا كانت المنظومة الحالية والمجال السياسي على شاكلته الفاسدة الحالية مناسبا لمجرد فرض حلول خاصّة لحالات فرديّة أم أنه سيطرح على نفسه ثورة جذرية يستعيد من خلالها المبادرة ويعيد فيها تصور العقد الاجتماعي الذي قد على مقاس أصحاب المال والأعمال ويطرح بالتالي تأسيسا جديدا يقلب سياسات إنتاج الثروة وتوزيعها ليلتفت إلى الداخل ويراهن على اقتصاد وطني يبسط سيادته على الأرض وباطنها ويسترد السلطة على الملح والنفط والماء والتراب؟ 


أيوب المسعودي
23 جانفي 2016


mercredi 20 janvier 2016

المندسّون

المندسّون



20 جانفي 2016

يدفعك الإحباط في كثير من الحالات إلى الانزواء والاعتزال المؤقت الممزوج برغبة في التأمّل والمراقبة عن بعد. الثورة أيضا، مثلنا، تمرّ بمراحل كرّ وفرّ، مدّ وجزر بين الهيجان الغاضب والانزواء الخائب... تتناوب في كلّ هذه المراحل جموع الخونة وأكلة لحم البشر على الثّورة الهامدة عندما ينفضّ عنها أبناؤها وحماتها إلى معارك الوهم والسّراب. ولكنّنا نتعلّم من تناقضاتنا ومن الأخطاء، يراكم الشّباب الغاضب الخيبات فيعرف أعداءه ويبني طريقه إلى الثّورة الشّاملة رويدا رويدا، يميز الخبيث من الطّيّب عبر ديالكتيك الشّارع الّذي لا يعرفه إلّا هو.

كم كنّا ساذجين عندما ولّينا أمر الثّورة إلى تنظيمات هي أوهن من بيوت العنكبوت، كم كنّا أغبياء عندما صدّقنا شعارات الجذريّة والثّوريّة الّتي تتغيّر بتغيّر المواقع والمصالح. كم وكم وكم...

ولكنّ التّعلّم يقتضي أيضا أن نقول الحقيقة كاملة. كم كنّا، في أكثر من مرّة، أنانيّين، قصيري النّظر، متسرّعين... متلهّفين لقطف ثمار الثّورة قبل قطع دابر النّظام الّذي عاد على طريق معبّد بتناقضاتنا وضعفنا وقلّة حيلتنا. ألم يكونوا هم موحّدين في حرصهم على حماية مصالحهم القديمة وكنّا نحن منقسمين في اختيار الأولويّات؟ ألم تكن خيام الإضرابات تعدّ بالمآت مطالبة بالتّشغيل بلا تنسيق ولا رؤية استراتيجيّة لقيادة المعركة؟ لا أزال أذكر مجموعة صغيرة من المضربين كان مطلبها الوحيد أن تحصل على عمل مقابل أن تمنع كلّ اعتصام أو إضراب في المدينة بعد تشغيلهم؟ أليس العيب فينا، ألسنا ساذجين أنانيّين متسرّعين في مواجهة نظام مافيوزيّ قائم على الزّبونيّة والتّحيّل واختراق التّناقضات؟

علينا أن نضع نصب أعيننا أنّ هذا النّظام القديم المتجدّد لم ولن يقبل بثورة حقيقيّة، هو يضع كلّ ما لديه من إعلام وإدارة وببيروقراطيات نقابيّة وأوراق ابتزاز اقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة وإرهابيّة لإدخال البلبلة في الصّفوف وتأليب الرّأي العامّ على الثّوّار وابتداع خلافات جديدة يتسابق إليها حداثيو العهد القديم والجديد، وذاك دورهم بعد أن فشلوا في الالتحام بالواقع. إنّ دور بعض المثقّفين صار التّشويش على بوصلة الثّورة والإيهام بوجود خلافات واختلافات داخل النّظام القائم على أساس "اختلاف في المشروع المجتمعيّ" بين حلفاء الحكم؟ نعم هكذا، يحكمون ويعارضون، يحدّدون نوع الاختلاف ووجهة الصّراع. هذه الاستراتيجية لن تتغيّر وستتجدّد تحت عناوين مختلفة، وفي كلّ مرّة ينفض فيها الثّوّار غبار اختلافاتهم لينظروا إلى الواقع بأكثر صفاء وذكاء سيأمرون جنرالاتهم الإعلاميّين بتصديع رؤوسنا بخلافاتهم الكاذبة للتّشويش على الصّراع الحقيقيّ : صراع الثّروة.

صراع الثّروة
في حديث أحد مثقّفي البلاط ورئيس ما يسمى بمركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة عن غضب شباب القصرين، استحضر "المثقّف" معجما بنعليا صرفا في تشخيص الأمور متحدثا عن مخربين ومندسين مؤكدا دعمه للشرعية وللديمقراطية... كيف لا يدافع عن ديمقراطية أولياء نعمته. ولكن عن أيّ ديمقراطية نتحدّث؟ ألا تتزعّم بارونات الفساد ورأس المال القذر المشهد السّياسيّ تفكّكه وتعيد تركيبه بحسب المصالح؟ ألا نشهد أكبر عمليّة تحيّل تحالف فيها متحيّلو الأمس مع متحيّلي اليوم؟ أليس النّظام الجديد بأفسد وأدهى لأنّه جمع شتاته وتناقضاته (إسلامجيين على حداثجيين) ووحّد كلمته في كسر الثّورة وإعادة كتابة التّاريخ وتحديد الأولويّات والصّراعات؟
سمعت النّاطق الرّسميّ للحكومة يقول في نشرة الأنباء مخاطبا أبناء القصرين "كيف للمستثمر أن يستثمر في ظلّ الفوضى...."، ولا يسعني إلّا أن أردّ "وكيف لمستثمر أن يستثمر في دولة حزبها الحاكم عاجز عن تسوية خلافاته الدّاخليّة، متحالف مع بارونات الفساد والنّهب؟ كيف لدولة أن تقوم دون أساس العمران الّذي هو العدل؟ ألم تكن أولويّة أولويّاتكم التّسامح مع عصابات الإجرام والرّذيلة؟".
دهاء النّظام الجديد أنّه جمع شتاته ووحّد متناقضاته ليتحوّل إلى ماكينة خاوية سياسيّا ولكن قادرة، بفعل ما اجتمع عندها من مال ونفوذ وإعلام وتحالفات خارجيّة وانعدام للوطنيّة، على تهميش المعارضة. كيف لا وهي قد جمعت البورقيبية والحداثة والإسلام والتنوير، لا بل وهي تحكم وتعارض، فلا حاجة لمعارضة إذا. ولكنّها خاوية سياسيّا لأنّها تحكم بالتّخويف والتّوافق تحت التّرهيب والإيهام بضرورة التّوافق لإنقاذ البلاد... وكلّ ما يجمعها هو ترتيب توزيع الغنائم على الرّأسماليّة الفاسدة الّتي هي جزء من الحكم (لكم أن تنظروا إلى المتحرّكين في المشهد وتركيبة مجلس النّوّاب...).


داخل هذا المشهد، سيحاولون دائما تحويل وجهة الصّراع بأساليب مختلفة، إمّا باستدعاء الهوويّ لينتصب الإسلامجيّون الكاذبون حماة للدّين والهويّة أو الإرهاب لينتصب التّجمّع الأقدرعلى القمع وكسر الإرهاب وقطع دابره... هذا هو المشهد ولن يقبلوا بأن يتوحّد شباب الثّورة حول الشّعارات الحقيقيّة الّتي يجب أن تقود الثّورة : إنهاء رأسماليّة المحاسيب واسترداد حقّ الشّعب على ثرواته السّطحيّة والباطنيّة (نظّمت مجموعة من شباب القصور في الكاف اعتصاما للمطالبة بالتّشغيل في شركة صنع المشروبات SFBT الّتي حقّقت مرابيح تتجاوز 74 مليون دينار في 2012(goo.gl/LkfYAr)، نحن نتحدّث هنا عن ثروة باطنيّة تمّت خصخصتها واستغلالها من خواصّ على حساب الدّولة الّتي فوّتت فيها في 1979، والأمثلة عديدة (خشب السّاقية، جبس تالة، البترول، إسمنت الجريصة...). وأولى بالشّباب أن يطالب باسترداد سلطته على ثرواته المحلّيّة أوّلا ثمّ الوطنيّة وأن لا يستأمن عليها دولة فاسدة لا تخدم غير رؤوس الأموال والمجرمين والفاسدين، في الكاف كما في سيدي بوزيد وسليانة وغيرها من مناطق الحيف والنّسيان، آن الأوان لاسترداد الحقّ بأخذه لا المطالبة به من الفاسدين والمجرمين، لكلّ جهة الحقّ في تحويل ثرواتها في مصانع تحويليّة تبنى في الجهة وتشغّل أبناء الجهة، لكلّ جهة الحقّ في مدرسة عموميّة ذات جودة ومرافق صحّيّة تضمن كرامته. الحقّ يُؤخذ ولا يُطلب. على الشّباب أن يقود معركته بحكمة، أن يوحّد شعاراته ويحدّد شروط نجاح ثورته وأن لا يعيد الأخطاء بفسح المجال للدّجّالين وتجّار الدّين والأوهام ليركبوا ثورته فأولئك هم المندسّون.

أيوب المسعودي