أولا، أريد أن أتوجه بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى عائلة الشهيد الرفيق شكري بلعيد ومن خلالهم إلى كافة الشعب التونسي في هذا المصاب الجلل، مصاب الشعب التونسي في أحد أقوى وأشرس الأصوات الثورية وأشدها بأسا وأكثرها حرية وتحررا، أعزيهم في روح الشهيد، فقيد الوطن والثورة.
ثانيا، إن ظاهرة العنف في تونس ليست وليدة الساعة وإنما ما فتئت تستشري وتشتد بنسق متزايد على عدة مستويات وأهمها:
- عنف الدولة : في مجابهتها للتحركات الاجتماعية وآخره، في أبشع صوره، في سليانة، عنف الدولة في تعاطيها مع إضرابات الجوع في السجون والذي أودى بحياة شابين تونسيين في مقتبل العمر، العنف المنظم القاتل في تطاوين والاعتداء على النقابيين أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، عنف ساسة تونس الجدد وتهديدهم لكل من ينتقدهم، حتى وإن كان من آل البيت (رئيسا لجمهورية)، بتصفيته (سياسيا)،
- المساجد : العنف في المساجد التي تم تدنيسها ببعض الخطب التكفيرية المحرضة على الاحتراب وقتل "الشيوعيين" و"اليساريين" و"الماركسيين"... وتكرار هذا النوع من الخطابات خاصة بعض تلويح الاتحاد العام التونسي للشغل بالإضرب العام يوم 13 ديسمبر 2012. كما تعد المساجد التي أصبحت تحت سيطرة التيارات التكفيرية العنيفة بالمئات، كما لا بد أن نستحضر اغتيال داعيتين من جماعة الدعوة والتبليغ (مارس 2012)،
- ميليشيات اغتيال الثورة : وهي مجموعات مارقة خارجة عن القانون تتبنى العنف منهجا وتعتدي على الشخصيات السياسية والأحزاب تمنع اجتماعاتهم ولقاءاتهم بالعنف، كل ذلك تحت الصمت المريب للحكومة والذي شجع هذه الميليشيات باقتراف المحظور في أكتوبر 2012 باغتيال المرحوم لطفي نقض،
طبعا المسؤولية الأولى تقع على عاتق رئاسة الجمهورية وحكومة الترويكا والأحزاب المكونة لها والتي تهاونت في التعاطي مع هذا العنف معطية بالتالي إشارة سلبية للشارع التونسي بتشجيع المارقين والمتربصين بالثورة في الداخل والخارج.
استمعت إلى العديد من مسؤولي حركة النهضة ممن يؤكدون أن لا مصلحة لحركة النهضة في قتل الشهيد شكري بلعيد؟
قراءتي للمشهد السياسي في تونس هو أنه من مصلحة حركة النهضة وكذلك داء تونس (وهما وجهان لعملة واحدة)، إضعاف الجبهة الشعبية، حتى يستأثرا بالمجال السياسي التونسي وتأجيج الاستقطاب الثنائي لجلب أكثر عدد من الأصوات قبل أن....... يتحالفا ويحكما تونس بالحديد والنار.
هذا كما لا أستبعد وجود أياد خفية للاستخبارات الأجنبية التي لا تريد الخير لتونس وللثورة والتي تنوي الدخول على الخط عبر بث الفتنة والفوضى لتبرير الاستعمار على الشاكلة المالية!!!!
المهم والأهم الآن هو كيف نتعاطى مع هذا الواقع الجديد مع حكومة فاقدة للشرعية والإرادة، وشارع منقسم؟؟؟؟
لا مناص من الخروج إلى الشارع والتوحد وراء مطالب واضحة وجامعة وفرض إرادة الشارع من أجل:
فتح تحقيق في تقصير الأمن الرئاسي، الذي يختص في تأمين الشخصات السياسية، وكذلك وزارة الداخلية، في تأمين الشهيد شكري بلعيد خاصة وأنه تعرض سابقا للتهديد بالتصفية الجسدية،
حل الحكومة،
العودة إلى المجلس التأسيسي للتوافق حول تشكيلة حكومية توافقية وناجعة (حكومة كفاءات مصغرة) تركز على إعادة الأمن ودفع التشغيل،
تركيز كل مجهودات المجلس التأسيسي على إنهاء كتابة الدستور ووضع أهم لبنات الجمهورية من قضاء مستقل وهيئة لتعديل الإعلام،
التوافق، صلب المجلس التأسيسي، على تركيبة هيئة الانتخابات بعيدا عن المحاصصة الحزبية ووضع خارطة طريق يعلن عنها رسميا قبل موفى فيفري للخروج من المرحلة الانتقالية،
تحييد وزارتي الداخلية والعدل عبر تعيين كفاءات تتمتع بالحياد والاستقلالية قبل انطلاق الأبحاث في الاغتيال،
الابتعاد، في عمل المجلس التأسيسي، عن المحاصصة الحزبية ومنطق الغنيمة والأغلبية التي تواجه المعارضة، وإرساء منطق التأسيس من أجل وضع مؤسسات الدولة وقوانينها التي ستوفر أرضية التنافس السياسي النزيه، وهو ما يقع بالدرجة الأولى على عاتق أحزاب الترويكا صاحبة الأغلبية،
تبني سياسة خارجية وطنية تحترم السيادة الوطنية التونسية وتقدم المصلحة الوطنية على سياسات المحاور المرتبطة بمصالح أجنبية ترتهن القرار الوطني وتعرض أمن تونس وسلامة ترابها للتجاذبات الإقليمية. وهذا ما يستدعي ضرورة إعطاء الأولوية لتأمين علاقة تونس الإستراتيجية مع جوارها المغاربي المباشر (وعلى رأسها الجزائر) للتصدي للمخططات الإقليمية، فرنسية كانت أم أمريكية- قطرية، وهذا يتطلب تعيين وزير خارجية محايد ومستقل.
في هذا البرد القارس، تتهاطل الثلوج على مرتفعات الشمال الغربي الشامخ دون أن تطفئ قلوب شباب الكاف المحترقة غضبا وحسرة، غضب على ساسة تونس الجدد الذين لا يختلفون في شيء عن سابقيهم في المكر والخداع والمناورة مع تميز في الغباء وقلة الحيلة والعمالة وارتهان مستقبل البلاد لقوى خارجية في وقت قياسي. حسرة على نكبة الثورة التي أتت بمستبدين جدد، باسم الإسلام والعروبة وهما براء منهم، حسرة على دماء الشهداء الأبرار الذين زهقت أرواحهم هباء فلا محاسبة ولا تشغيل ولا حرية ولا عدالة بل رش وغش وتستر على القتلة. غضب على نخبة سياسية هجرت سفينة الثورة المنكوبة بالغدر والمكر، نخبة مترنحة تلاطمها إغراءات السلطة والكراسي وأحزاب شقت صفوفها التلويحات بتخوير وزاري يقصي هذا ويغري ذاك، حسرة على مجلس تأسيسي تتراقص فيه الديكة مستعرضة نشازها وجهلها وجبنها... غضب على نخبة انقسمت بين تجمع جديد ملتح وتجمع قديم مهترء لا فرق بينهما سوى الشكل والإسم... قبل أن يتحالفا (قريبا)، باسم التوافق والمصلحة العليا للوطن... أو تحت إملاءات صندوق النقد الدولي والقوى العظمى التي تحركه... في الأثناء، يخيط أبناء الكاف أفواههم تحت خيمة بسيطة، متلحفين بالعلم الوطني وبعض الأحلام والآمال، هناك أمام مقر الولاية، هناك أمام رمز السيادة والدولة، أو ما خيل لنا أنها دولة، يجوع الشباب في برد جبال الكاف، بعيدا عن ضوضاء العاصمة ودفء قصور قرطاج والقصبة و باردو وأضواء الكاميرا المسلطة على النجوم الجدد.
قال تعالى : "وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"
حبيبَيَّ،
لا أدري وأنا أكتب هذه الأسطر متى سنلتقي من جديد لأضمكم إلى صدري وأنفض عن قلوبكم غبار أيام الغياب والوحشة؟ لا أدري متى، ولكن... مصير الأحباء أن يلتقوا، طال الزمن أو قصر!
ميمون، شيماء،
سيأتي اليوم الذي يشتد فيه عودكما لتقرآ وتعيا ما عشناه أنا وأنتم، وستفهمون حينئذ ما عشناه كلنا منذ 17 ديسمبر 2010 أو قبل ذلك، ستفهمون ما عاشه الوطن العزيز، وطني ووطنكم الذي لا وطن لنا غيره، من مسلسلات غدر ومعاناة. ستفهمون أن ما عشناه من تشتيت وتفريق وإبعاد محنة لا تضاهي تضحيات شهدائنا الأبرار الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل عزة الوطن، ذلك الوطن الذي ما زال حلما لن يتحقق إلا بالحرية والعدالة.
ميمون، شيماء،
لم أرحل عن البيت إلا حاملا في حقيبتي أملا في الرجوع غانما بوطن، غانما بحلم، لا منكسرا بما اقترفه رفاق الأمس من غدر. لم أفارقكما إلا لحين، طامحا في وضع حجيرات وطن يأوينا أنا وأنتم وأبناءكم وأبناء أبنائكم، حالِمًا أن لا تكونوا مثل كل التونسيين، مشاريع مواطنين، مواطنين بلا وطن، مواطنين غرباء عن الوطن.
ميمون، شيماء،
في انتظار ذلك اليوم الذي سأعود فيه وأروي لكما حكايات عن الجن والسحرة، وعن الأيل والذئاب ، وعن الثورة والسباع، لكم مني أجمل تمنياتي بعام سعيد!
منذ
شهرتحديدا، شرعت في كتابة الجزء الأول من مقال تحت عنوان "من سيواجه من؟" حاولت من خلاله تحليل المشهد السياسي التونسي وتفكيك الخارطة
السوسيوسياسية كخطوة أولى لا مناص منها نحو استجلاء واقع الثورة التونسية والتوازنات
السياسية التي تحكمها قبل محاولة استقراء مستقبلها. وقد خصصت الجزء
الأول، الذي كتبته في ظرف اتسم بطغيان العنف المادي والمعنوي على المشهد
السياسي قبل أن ينتقل إلى الشارع، للإجابة عن السؤال التالي : "من المسؤول عن هذا العنف؟" بأن الخطاب السياسي التحريضي من هذا الجانب (ترويكا) وذاك (معارضة) هو المسؤول الأول عن تردي الأوضاع واستفحال العنف وانتقاله إلى الشارع.
العامل الثاني المغذي للعنف هو التهميش والفقر والذي يجعل من الأوساط الشعبية
()(الأحياء الشعبية، الأرياف، المناطق المعزولة أرضية خصبة لنشر الأفكار الظلامية والتكفيرية
التي تؤجج نيران الفتن العقائدية والانقسامات الدينية تحت مسميات الحاكمية وما
تزرعه لدى الشباب التائه من أفكار متطرفة ونبذ للمجتمع لتعمق بذلك
عزلته وتهميشه وفقره ونقمته على الدولة. ثالثا، لا يساعد ما أنتجته عقود
الاستبداد من تصحر فكري وسياسي وافتقار مجتمعنا للثقافة الديمقراطية
وتهميش دور المدرسة والجامعة في تكريس الفكر النقدي واحترام التعددية
والاختلاف في الرأي في تهيئة العقليات للحوار والاختلاف. أخيرا وليس آخرا،
غياب مؤسسات قضائية وأمنية جمهورية ومحايدة تتصدى للعنف بقوة القانون وبعيدا عن
الزبونية والتوظيف السياسي فتستحق بذلك شرعية الاستئثار باستعمال العنف.
إذا
كان العنف، طوال التاريخ، ملازما للسلطة وآلياتها وخطابها إن لم
نقل كامنا فيها، فإنه ما فتئ يهدد استقرارها واستمراريتها
وربما حتى وجودها في شكلها "السياسي"، كما ذهبت إلى ذلك المفكرة حنا آرندت، بما
أن السياسة والعنف يتعارضان (مع التمييز هنا بين السلطة
والسياسة)، و"متى حل العنف اختفت السياسة"، وعندئذ يلجأ
"السياسويون" إلى تبرير العنف والرش والهراوات... إلا أن الفعل
السياسي لا يحتاج إلى تبرير، أما العنف، فعلى نقيض السياسة، يوجب التبرير
والمناورة والكذب، ويولد ... العنف.
وإذا
كان العنف ملازما للثورات، ولم تستثنى ثورتنا من هذه القاعدة، فإن الخطر، كل
الخطر، يكمن في اختفاء "السياسة" ومواجهة الكل للكل لتفرغ الثورة
كل طاقتها في التخبط وتوجه فوهة المدفع إلى رأسها، إن تشظي النخبة
السياسية (سلطة ومعارضة) وتخبطها في التناقضات وضعفها وعجزها عن إعطاء مشروع
الثورة شكله ومضمونه وفعله السياسي الخالص والصادق على
أساس خط ثوري يحقق الفرز الضروري بين قوى الثورة وأعدائها هو الذي يقف
وراء غموض المشهد وانعدام الرؤية وانسداد الآفاق. وكما ذهب إنجلز في "دور
العنف في التاريخ"، فإن العنف سابق على ظهور مفهوم الدولة التي أتت
ل"تحتكر" العنف وتنظمه، العنف إذا ناتج عن الواقع الاجتماعي الذي
نعيشه وفشل الثورة في إعادة توزيع الثروة والاعتبار والواقع
السياسي المطبوع بالارتباك والفشل في إرساء دعامات الديمقراطية ومؤسساتها...
غياب الدولة هذا أربك المجتمع وأفقده بوصلته ودفع إلى الاعتقاد بأن لا سبيل لافتكاك
بعض الفتات إلا ... ب"التدافع الاجتماعي"... أي بالعنف!
هل نحن ماضون إلى المواجهة؟
خلال الأشهر المنصرمة، جدت أحداث أقل ما يمكن أن يقال فيها هو
أنها تؤشر لانفجار العنف في كل مجالات الحياة وعلى كل الواجهات، عنف الدولة
في مجابهتها للتحركات الاجتماعية وآخره، في أبشع صوره، في سليانة، عنف
الدولة في تعاطيها مع إضرابات الجوع في السجون والذي أودى
بحياة شابين تونسيين في مقتبل العمر، العنف المنظم القاتل في
تطاوين والاعتداء على النقابيين أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل،
عنف ساسة تونس الجدد وتهديدهم لكل من ينتقدهم، حتى وإن كان من آل
البيت (رئيسا لجمهورية)، بتصفيته (سياسيا)، العنف في المساجد التي تم
تدنيسها ببعض الخطب التكفيرية المحرضة على الاحتراب وقتل
"الشيوعيين" و"اليساريين" و"الماركسيين"، عنف بعض
القادة النقابيين في خطابهم التخويني الترهيبي الموجه إلى كل من
يمتنع عن الإضراب، وكذلك عنف الجماعات المتطرفة على حدودنا الوطنية حيث
اتخذت التنظيمات الإرهابية مرتعا لها تسفك الدماء وتروع
المواطنين!
تضافر هذا العنف مع الغياب الفادح للسياسة والانكماش الخطير
للاقتصاد والتخوف من المستقبل وخطر مواجهة الكل للكل بالإضافة إلى خطر الإرهاب
الداهم على حدودنا شرقا وغربا وبحرا، كلها عناصر تفرض علينا وقفة
مسؤولة مع الذات ومراجعة مسار الثورة في تونس وتموقعها على رقعة ما يسمى
بالربيع العربي قبل أن تتجاوزنا الأحداث الوطنية والإقليمية ونصل
إلى نقطة اللا عودة، نقطة انتفاء الدولة وحلول الفوضى!
في هذه الظروف يصبح الجواب على السؤال "هل نحن ماضون إلى
المواجهة" بديهيا : نحن ماضون في مواجهة شبح الخراب والدمار المقدم
علينا من الداخل والخارج، فإما أن نولي الأدبار ونسترسل في صراعاتنا
وخلافاتنا ونستسلم لقوى التقسيم والتشطير ومخططات الاستعمار الجديد المتربص
بوطننا (الوطن العربي الكبير) وإما أن نترفع على الأحقاد السياسية
والتاريخ والجغرافيا والواقع المتعين ل"إدراك
ماهية السياسة" كما يرى أفلاطون ونعي بحقيقة المخاطر ونفهم أننا، وإن
اختلفنا على تقسيم فتات الكعكة، سواسية أمام الخطر الداهم الذي
سيقضي على الأخضر واليابس ويلغينا جميعا.
من سيواجه من؟
نحن التونسيون، السلفيون منا والشيوعيون والماركسيون والليبراليون
والإسلاميون والعلمانيون والحداثيون والتقدميون، سنواجه بلا
هوادة سويا الروح الأمارة بالديكتاتورية التي تعشعش في كل واحد منا،
إنها تلك الروح والعقلية المتغلغلة في تقاليدنا المجتمعية من مؤسسة العائلة إلى
المدرسة إلى الجامعة والجمعيات والأحزاب... علينا أن نواجه سويا رواسب الاستبداد
العالقة بأذهاننا وأن نترفع على المعتقد السائد القائل بأن من يتنازل ويذهب
إلى الحوار فهو خائن. الخائن هو من يتلاعب بتضحيات الشهداء واستحقاقات الثورة
لينساق وراء مطامح الأشخاص والأحزاب، وإن بأغطية دينية وأخرى
أيديولوجية، فتذهب أرواح التونسيين ودماؤهم هباء!
إلى أين؟
أرى أنه يمكن للنخبة السياسية (حكومة ومعارضة وفاعلين مدنيين وسياسيين
ونقابيين) الانكباب للتوافق على رسم خارطة طريق واضحة تتمحور حول مبادئ دنيا
مشتركة وأهداف محددة يمكن حوصلتها في النقاط الخمس التالية، حسب
الأولوية والخطورة:
في أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل
لنتفق أن الاتحاد منظمة نقابية وطنية راوحت في
مهماتها وأدوارها، طوال التاريخ، بين السياسي والاجتماعي والوطني، وبين
التماهي والصراع مع الحزب الدستوري، وشكلت في حقبات عديدة
عامل توازن سياسي خاصة في المراحل "الكليانية" للنظام التونسي
مما جعله دائما مستهدفا، ففي الفترة الممتدة
من 1963 إلى 1978 مثلا، وعلى إثر محاولة انقلاب فاشلة
في ديسمبر 1962، لم يفوت بورقيبة الفرصة لحل الأحزاب السياسية وحظر الصحافة
الحزبية كما قرر المجلس القومي للحزب الدستوري (مارس 1963) آنذاك فرض رقابة لصيقة
على كل المنظمات وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل وفرض تصور الحزب (الدولة) لتلك
المنظمات ك"خلايا للحزب الحاكم" تخدم سياساته وتعمل بتوجيهاته.
وبعيدا عن التملق والتزييف، وإذا كانت في مراسلات الشهيد
فرحات حشاد مع الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة دلالات واضحة
على حرص الرجل على استقلالية المنظمة الشغيلة عن الأحزاب السياسية وخاصة الشيوعية
منها، فإن "مقتضيات السياسة" دفعت بعض القادة الرموز، ومنهم المناضل
الحبيب عاشور، لاحقا، إلى الإعلان عن الولاء المطلق لسياسة بورقيبة ونهجه...
قبل المواجهة التاريخية مع النظام في 26 جانفي 1978... ربما كان ذلك
لغاية في نفس يعقوب أو لتجنب التصادم مع الآلة الدستورية التي كانت في أشدها آنذاك
واقتداء بالمقولة المعروفة في الأوسط النقابية : "نحافظوا على
الشقف"، "الشقف" هنا هو الاتحاد بالطبع.
تعاليا على التاريخ، وحتى لا نسقط في فخ
قراءاته الجزئية، لن أدخل في مقارنة الظرفين، وإن تعددت أوجه التشابه،
فالسياقات وموازين القوى والمشهد السياسي مختلفة. كما آمل في أن يعتبر التونسيون
من دروس التاريخ ليتذكروا أن مواجهات 26 جانفي 1978 اندلعت على إثر طلقة نارية
مجهولة المصدر لتسقط أرواح مآت الشهداء وتسفك دماء الأبرياء.
لا يمكن لأزمة الاتحاد أن تحل كليا في الشارع، ذلك أن مخاطر
الانزلاق نحو الأسوء متعددة وتكاليف الانفلات وخروج التحركات عن سيطرة هذا
الطرف أو ذاك، في ظل الظروف الأمنية الحالية، قد تكون باهظة. هذا إلى جانب
التكلفة السياسية التي يمكن أن يدفعها الاتحاد بكشف أوراقه وقوته الميدانية وقدرته
على الحشد والتحريك. تكتيكيا، أرى أن الاتحاد حقق نصرا كبيرا على واجهتين: الأولى
عندما ساند بلا هوادة أهالي سليانة في مطالبهم المشروعة لإقالة الوالي
والاستجابة لمطالب التنمية العادلة بالجهة، والثانية عندما تحرك
الشارع التونسي بشقيه المدني والسياسي للتنديد بالإعتداء على مقر الاتحاد.
بعد هذا الانتصار، أولى بالإتحاد أن يقوم بتراجع استراتيجي
محسوب، لينظم صفوفه ويحاول استيعاب الدروس من هذه المعركة استعدادا
لمعارك أكبر. أملي أن لا يقترف الاتحاد خطأ الحكومة في سليانة حين
اختارت طريق المكابرة والتعنت فكان مصيرها الخسران. هذا في
اعتقادي، ما تحاول بعض الأطراف جر الاتحاد إليه، لتنسى الشعب هزيمتها في سليانة.
كما لا يمكن لهذه الأزمة أن تحل في أروقة القضاء الذي
لم يهتد بعد إلى طريق حياده، والذي لا تريد له السلطة التنفيذية الحالية ذلك. كما
أن القول بأن القضاء تعهد بالتحقيق في التجاوزات ينم عن إرادة في دفن الأزمة
وإنكار وجودها أصلا وهنا يكمن الداء! فقد تداول على المنابر الإعلامية خطباء
الترويكا ليبرروا العنف ويفندوا الاتهامات... لنعود إلى المشكل
الأصلي المتمثل في غياب السياسة وحضور العنف الذي يستوجب التبرير... وهنا يأتي دور
السياسية وضرورة الاعتراف بالأزمة قبل حلها حل الأزمة السياسية التي
أتحدث عنها لاحقا.
علينا نحن كتونسيين، كل التونسيين، أن "نحافظ على الشقف". كيف لا
نحمي الاتحاد وهو الضامن الوحيد، اليوم، لتوازن المشهد السياسي والقادر الوحيد،
بدفع من قواعده، على حمل لواء الدفاع عن العمال وحقوقهم الاجتماعية؟ وفي ظل المشهد
السياسي الحالي الذي يعرف استقطابا حادا بين حزبين محافظين اقتصاديا
(المحافظة على المنظومة الاقتصادية القديمة ذات التوجه الليبرالي المتوحش)، وعلما
بتوجه الترويكا نحو إقصاء أعمدة نداء تونس (منافسها في استقطاب التجمعين)، فمن
واجبنا جميعا أن نحمي الاتحاد الذي ستوكل له مهمة مواجهة الحزب الواحد والوقوف مع
الشعب في مواجهة الرش والهراوات!
حب الاتحاد لا يجب أن يعمينا عن انخراط بعض القيادات، وإن بدرجات متفاوتة
وفي مراحل معينة، في منظومتي الفساد والاستبداد. ولا أحد أقدر من قواعد الاتحاد
أنفسهم، أولئك الذين فرضوا على المركزية النقابية الالتحاق بركب الثورة في آخر
أيامها، من إصلاح الاتحاد من الداخل بطريقة سلمية وديمقراطية حتى "نحافظ على
الشقف" ونحميه من الهراوات والأحزاب على حد السواء!
في الأمن القومي
أنا لا أؤمن بالصدفة، خاصة في السياسة، ولا أعتبر الهجمات الإرهابية
الأخيرة التي استهدفت حدودنا الغربية حادثة تاريخية عابرة وإنما حدثا جللا وجب
الوقوف على دلالاته والتفكر في تداعياته: عندما تقدم الجهات الرسمية هذه
الجماعات المتطرفة على أنها تتمتع بتجهيز وتدريب جيدين، وأن لها قواعد تدريب
في مناطق وعرة وصعبة الوصول، فأول تساؤل يساورني هو هل لقواتنا المسلحة
علم بمكان هذه القواعد؟ هل يتواجد هؤلاء المارقون على التراب التونسي أم
الجزائري؟ وإذا كانت السلطات تجهل مكانهم، ما مدى تنسيق قواتنا المسلحة
مع نظيرتها في الشقيقة الجزائر؟ ثم ما مدى استعداد الدولة الجزائرية للتنسيق
بعد أن شهدت علاقاتنا بالجارة الكبرى فتورا لم تعرفه من قبل حالت دون
انعقاد القمة المغاربية التي كانت مبرمجة في أواسط أكتوبر الفارط؟
وكيف لا تتدهور العلاقة مع الشقيقة الجزائر بعد سيل التصريحات اللا مسؤولة
لمسؤولينا السياسيين سواء تعلق الأمر بالسياسة الداخلية الجزائرية مرورا
بالانتخابات التشريعية إلى العلاقة مع المملكة المغربية وقضية الصحراء الكبرى؟ ثم
كيف للأشقاء الجزائريين أن يطمئنوا إلى حكومة تونسية أعلنت الولاء والطاعة لحاكم
قطر والراعي الأول للإرهاب في منطقة الساحل وخاصة شمال مالي التي تتقاسم
حوالي ألف كيلومتر من الحدود مع الجزائر والتي شكل تحالف الإنفصاليين من الطوارق
مع الإرهابيين من القاعدة فيها بؤرة توتر أرقت الجيش الجزائري؟ أليست تونس
والشقيقة الجزائر بأحوج إلى لجيش التونسي لتأمين حدودهما المشتركة من
دولة قطر التي تبعدنا آلاف الكيلومترات؟ كيف للجزائر أن تطمئن والخطر
يتهددها من كل حدب وصوب، مطامع غربية في بلقنة المنطقة وتطييفها على شاكلة
العراق وسوريا قبل الانقضاض على النفط والغاز الجزائريين، علاقات توجس
وريبة مع المملكة غربا، وأسلحة متدفقة من الحدود الليبية في الجنوب الشرقي...
كلها عوامل توتر لا تسهم في تصفية الاجواء وبناء علاقة ثقة بين الدولتين.
إلا أنه، ورغم قتامة الواقع، فإن بواعث الأمل والتفاؤل عديدة،
أولها أن بين البلدين علاقات ضاربة في القدم سجلت التحام الدولتين في
أكثر من مناسبة وملحمة، ولا أحد سينسى اختلاط دماء الشعبين في معركة
التحرير الوطني، هذا إلى جانب التحديات الأمنية والإقليمية المشتركة التي لابد أن
تدفع البلدين إلى مزيد التنسيق والعمل المشترك. وهنا يأتي دور السياسيين
والسياسة، وأرى أن تتمحور السياسة الخارجية الجديدة في تونس، في تلازم
مع متطلبات أمننا القومي، حول أربع نقاط أساسية:
- الخروج من وصاية المحور القطري الأمريكي الذي يهدد أمن الدول
المغاربية ووحدتها وتماسكها ويحول دون الارتقاء بعلاقاتها إلى
مستوى بناء الاتحاد المغاربي،
- تركيز الجهود على المدى المتوسط على بناء علاقة
شراكة إستراتيجية مع الشقيقة الجزائر على المستويين الأمني الاستخباراتي
والعسكري والاقتصادي بتركيز مراكز استعلام مشتركة على الشريط الحدودي
وخاصة المضي قدما نحو شراكة اقتصادية فعلية وسوق حرة على الشريط الحدودي مما
من شأنه التنفيس على الجهات الداخلية المهمشة وامتصاص البطالة وإخراج الشباب
المهمش من دوامة الإرهاب والعنف،
- التنسيق مع دول المغرب العربي، ككتلة إقليمية، في بناء تصور
مشترك لمفهوم الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وشروطه ومضمونه للتحاور من
موقع القوة لا الضعف والتبعية،
- تركيز قوات الجيش الوطني على الشريط الحدودي برا وبحرا ليلعب دوره
الطبيعي في حراسة الحدود، وهو ما يتطلب السحب التدريجي للقوات
العسكرية المرابطة داخل تراب الجمهورية وإعادة قوات الأمن الداخلي
لتلعب دورها في تأمين الداخل، كل ذلك يتطلب مجهودا على المستوى التشريعي يبدأ
بدسترة جمهورية وحيادية القوات المسلحة.
سليانة كمؤشر على الأزمة السياسية
بعد زيارتي إلى سليانة يوم 01 ديسمبر الفارط وتحادثي مع النقابيين في
مقر الاتحاد الجهوي للشغل بالجهة والعائلات في الأحياء الشعبية وعدد من
الشباب المحتج وبعض المسؤولين الأمنيين السامين الذين أتحفظ على ذكر مناصبهم
وأسمائهم احتراما لطبيعة وظيفهم، تأكدت من أن الحكومة لم تستوعب الدروس من
التجارب السابقة في سيدي بوزيد وقفصة والحنشة وقابس وجربة وغيرها من الجهات التي
انتفضت على مماطلة الترويكا في الإستجابة لمطالبهم التنموية والاجتماعية. ولعل
أزمة سليانة تحيلنا هي بدورها على أزمة سياسية وفلسفة في العمل مبنية
على إنكار الأزمات والفشل الذي ميز ومازال تعاطي الحكومة مع الملفات
الاجتماعية والتي تميزت ب:
- فرض مسؤولين محليين على أساس الولاء الحزبي والتعنت في الإبقاء عليهم رغم
رفض الجهات لهم وفشلهم في إرساء الحوار مع المواطنين،
- غياب الدولة (السياسة) وحضور العنف والقمع،
- تجريم التحركات الاجتماعية السلمية،
- القمع الشرس للتحركات بنسق متصاعد وصل إلى إستخدام الأسلحة
المحظورة،
- إنكار الأزمة، إلى حد التزييف والكذب أحيانا، وإنكار الفشل في إدارة
الأزمة واتهام المعارضة والاتحاد بالتحريض والتسييس.
أولا، لا يخفى على كل من يسلك الطريق المؤدية إلى سليانة أن المشاريع التي
رصدتها الحكومة للجهة إنما هي من قبيل الأوهام التي لم وربما لن تر النور،
هذا على الأقل الانطباع السائد لدى أبناء الولاية. أما عن المسؤولين
المحليين، فكل الشهادات التي وثقتها (www.facebook.com/lldh.kef) مع العائلات في
الأحياء الشعبية تدل على المسؤولية الكبرى للممثلين المحليين للسلطة
التنفيذية في تغذية الاحتقان وإذكاء نار الفتنة والغضب بتعاملهم الفظ مع
المواطنين وطغيان المحاباة والتمييز في منح فرص العمل والتشغيل والمساعدات. كما أن
المسوغات الواهية التي تداول خطباء الترويكا بها علينا لتبرير القمع والعنف
الذين سلطا على أهالي المنطقة في تعد صارخ على حرمات الأجساد
والمنازل والعائلات.
كما أن إنكار الأزمة والمكابرة والتعنت وسياسة الهروب إلى الأمام التي
وضع من خلالها رئيس الحكومة نفسه في مواجهة مباشرة مع أهالي سليانة، كلها
في المقابل، لم أر في نقاشات أعضاء الاتحاد ومداولاتهم وتعاطيهم معالأزمة
إلا إرادة صادقة في تجاوز التحدي المتمثل في تهدئة الأوضاع
وحلحلة الأزمة بعيدا عن العنف ودون خذلان المطلب الشعبي والمشروع بإقالة
الوالي.
أما الأمنيون، فقد عبروا لي كلهم عن عجزهم عن تطويق الأزمة التي لا يمكن
حلها إلى سياسيا عبر الحوار والتشاور مع جميع الأطراف. ذلك أنهم سئموا أن
يلقى بهم في كل أزمة لمواجهة الجماهير بالرش والقنابل المسيلة للدموع دون أن يسبق
ذلك مجهود حكومي للتحاور مع المواطنين الغاضبين ومحاولة الخروج بحلول إجتماعية
وسياسية!
في هذا الإطار لابد من وقفة جدية على خلفيات هذه الأزمة واستيعاب دروسها
وأرى أنه لا يمكن التعاطي مع الملفات الاجتماعية إلا بالاتفاق على
مبادئ وآليات ديمقراطية تتمحور حول:
- دور الأمن :لا بد من تركيز العمل الأمني على أولويات المرحلة من
مقاومة لتجارة الأسلحة والمخدرات إلى تهريب البضائع التي تهدد السلم
الاجتماعية والأمن الاقتصادي،
- لتحقيق الهدف الأول وتمكين الأمن من التفرغ إلى المهمات الوطنية ذات
الأولوية، لابد من تخفيف الضغط على الجهاز الأمني وهنا يأتي دور السياسة
والحوار لتفادي تعفن الوضع في الجهات الداخلية،
- إعداد مشروع ميزانية 2013 يعطي الأولوية القصوى لتلبية مطالب الجهات الداخلية المهمشة
وبعث لجنة تنمية تضم ممثلين عن الحكومة والمجلس التأسيسي ومكونات الطيفين السياسي
والمدني بالجهات للوقوف على الصعوبات التشريعية والهيكلية التي
حالت دون تفعيل ميزانية 2012 وسبل تجاوزها في 2013.
في أزمة الدستور
في ظل تفاقم مظاهر العنف السياسي الذي طال المجلس
التأسيسي واكتسح المجال العام من جامعات ومدارس ومساجد ومؤسسات عمومية
وحكومية مما يهدد مدنية الدولة والسلم الاجتماعية، وفي ظل غياب خارطة طريق
واضحة تحدد تاريخ الإنتهاء من كتابة الدستور وأهم المحطات التي ستفصلنا عن
الانتخابات القادمة، والتي لا نعلم حتى كتابة هذه الأسطر تاريخها، وأمام غياب
إشارات إيجابية تطمئن المواطن التونسي على مستقبل الاقتصاد الوطني وترسم
ملامح مؤسسات الديمقراطية المنشودة من إعلام وقضاء مستقلين وهيئة انتخابات
بمنأى عن التجاذبات والمحاصصات الحزبية... وأمام تضافر هذه العوامل مع غياب ظروف
توازن المشهد السياسي وبناء المجال السياسي والمدني على أسس تعددية حقيقية تحقق
التوافق حول المسائل الوطنية بعيدا عن منطق "الأغلبية" مقابل
"المعارضة".
في ظل هذه الظروف، على المجلس التأسيسي الإسراع في سن الدستور والاعتبار
من دروس المرحلة الفارطة والتركيز أساسا على:
الإعلان يوم 14 جانفي 2013 عن :
نظام سياسي، متوافق عليه، يحقق التوازن بين
السلطات ويمنح رئيس الجمهورية إمكانية حل البرلمان وقت الأزمات
ويجعل من السياسة الخارجية والدفاع من تخصصه المطلق،
تركيبة هيئة الانتخابات بالتوافق وبعيدا عن
المحاصصة الحزبية،
تركيبة الهيئة العليا المستقلة للإتصال
السمعي البصري بالتوافق،
التنصيص صراحة على الطبيعة المدنية للدولة،
التنصيص صراحة على جمهورية القوات المسلحة التي من
دورها حماية الدستور،
التنصيص صراحة على ضمان حق العمل النقابي
والتظاهر السلمي دون قيد أو شرط،
في الانتخابات وقانون تحصين الثورة
وإن كنت أعتبر أن عزل أعمدة التجمع المنحل، الذين ساهموا مباشرة في منظمة
الفساد والاستبداد، واستبعادهم من المجال السياسي لعقد من الزمن، أو
أكثر، هو الحد الأدنى والضروري وأحد المحاذير اللازمة، وليس
أهمها، لحماية الثورة من الارتداد، فإن العديد من الأحزاب والتنظيمات تتعامل
بكثير من النفاق وازدواجية الخطاب مع هذا المشروع، الذي لم ير النور بعد!
للمجلس التأسيسي، صاحب السلطة الأصلية، أن يصدر القوانين التي يراها مناسبة
لحماية الثورة وتحصينها، شريطة أن لا يتحول إلى غرفة خلفية للسلطة التنفيذية
والترويكا ومطية لتمرير القوانين المحصنة لسلطتها والضامنة لفوزها في الانتخابات
المقبلة. لا نعرف بعد إن كان هذا القانون سيرى النور يوما أم أنه مجرد
أداة مناورة ومزايدة سياسية تقف خلفها نية لتطويع جهاز التجمع القديم
ورجالاته عبر استقطاب أكبر عدد منهم إلى أحضان الأحزاب الحاكمة ودواوين
وزرائها لتحييدهم أو استغلال نفوذهم في الجهات والإدارات...
لهذه الأسباب، أرى أنه بالإمكان الإعلان يوم 20 مارس 2013 عن:
المجلة الانتخابية الجديدة،
تاريخ الانتخابات التشريعية والرئاسية على أن تفصل
بين التاريخين فترة لا تقل عن الشهر،
تركيبة هيئة إصلاح القضاء بالتوافق،
الإعلان على المصادقة على قانون العزل، على أن
تضطلع هيئة قضائية بإعداد قائمة العزل للنأي بهيئة الانتخابات عن
التجاذبات السياسية وتوفير المناخ الملائم لإعداد الانتخابات.
لم يهتد، في رأيي، المتابعون والمحللون للشأن السياسي التونسي إلى غور ما تعيشه تونس منذ اندلاع ثورة 17 كانون/ديسمبر 2010 وتجلياته في ما جد منذ أيام في تطاوين وحديثا في دوار هيشر. إن دوامة العنف التي نعيشها بكل تمظهراتها المادية والسياسية والمعنوية، في كامل تراب الجمهورية دون إستثناء، هي في حقيقة الأمر نتاج خطاب ماضوي يؤثث الفراغ الفكري والسياسي والتنظيمي الذي طبع ومازال سيرورة الثورة المتأثرة بتحرك النخب وخطابها المفتقر إلى الوعي القيادي والرؤية الاستراتيجية (وأقصد هنا ب"النخب" الحكام الجدد والمعارضة الجديدة). حالة "الفراغ الثوري" هذه ميزت مرحلة ما بعد الثورة وأدت إلى التباين والتمايز بالعنف بكل أشكاله حسب مقولة "التدافع" المقيتة التي أدخلها شيخنا المبجل قسرا على تاريخ وطننا العظيم، ذلك التاريخ الذي لمع لقرون بالإسلام المتنور والفكر والانفتاح والإبداع. فمن المسؤول عن هذا العنف؟ وهل نحن ماضون إلى مواجهة؟ وإن كنا كذلك فمن سيواجه من؟ وهل نملك وسائل توجيه المواجهة لصالح الثورة؟
1- من المسؤول عن هذا العنف؟ : التهميش، الخطاب التحريضي، خراب العقليات وتدجين المؤسستين الأمنية والقضائية
اعتادت "النخب" والشارع التونسي معها نسب العنف "الظاهر" إلى الشباب "السلفي" المنساق وراء المد الوهابي أو التحريض "التجمعي" الخفي أو، في أحسن الحالات، إلى "تجاوزات" من رجال الأمن. لا يخلو هذا الخطاب، وإن حمل في طياته جزءا من الحقيقة، من الإجحاف المضمر لنوايا التلاعب بالعقول عند البعض والكسل الفكري عند البعض الآخر. ذلك أن الشباب السلفي كما رجال الأمن هم ضحايا سياسة المناورة والخداع التي تنتهجها حكومة الترويكا بكل براعة. المناورة والخداع هو كل ما تبقى لحزب أفلس سياسيا بعد أن راهن على أعداء الثورة من بارونات التجمعيين الانتهازيين وقوى المال الداخلي الفاسد والقوى الخارجية المتربصة بالثروات والديمقراطيات العربية.
الشباب "السلفي" المهمش
فأما عن الشباب "السلفي"، وبعيدا عن خطاب الشيطنة الذي تنتهجه بعض النخب في توصيفها لهذا التيار ناعتة إياه بالظلامية والرجعية والعمالة، وبمنأى عن خطاب المغازلة والمهادنة لبعض من يتوددون للسلفيين خوفا أو طمعا استعدادا لاستحقاقات انتخابية مقبلة، أرى أن الشباب السلفي هو من ضحايا فشل الأنظمة المتعاقبة، بما فيها حكومة الترويكا، في إخراج هذا الشباب (وجله من الأحياء الشعبية المهمشة) من بؤرة الفقر والبطالة والتهميش. الشباب السلفي لم يأت من المريخ بل هو نتاج فشلنا الجماعي (حكومة ومعارضة وشعبا) في احتضان هذا الشباب التائه وتشريكه في بناء الوطن على أساس إعادة توزيع الاعتبار والثروة والسلطة ويقتضي ذلك أيضا إقحامه في مرحلة التأسيس من كتابة الدستور إلى وضع مؤسسات الديمقراطية التشاركية جهويا ومحليا.
وبدل أن تتحول الأحياء الشعبية إلى خلايا نحل للعمل والبناء والإصغاء، انسحبت الدولة فاسحة المجال للمال والعصابات الوهابية التكفيرية لمزيد عزل الشباب وترسيخ عقلية الحاكمية التي تعمق عزلة الشباب "الثائر" على مجتمع "كافر" أقصاه وهمشه.
من جانب آخر، استغلت قيادات النهضة بؤس ويأس هذا الشباب "الثائر" لتغطية عجزها عن حلحلة مشاكل الشباب من السلفيين وغيرهم بمزيد تأليبهم على جزء من المجتمع وإيهامهم بأن "الحداثيين" و"اليساريين" و"العلمانيين" في الإعلام والأمن والجيش والمعارضة هم الأعداء وأصل الداء. هذه الاستراتيجيا العرجاء أثبتت نجاعة نسبية في طور أول لما سمحت باختلاق قضايا ثانوية حادت بالثورة ونخبها عن الاستحقاقات الأصلية. إلا أن تضافر الخطاب التكفيري التحريضي لقيادات النهضة وفشل الحكومة في معالجة أصل الداء من فقر وبطالة وتهميش للأحياء الشعبية والمناطق الداخلية زاد في تعميق الصدام وتفجير أزمات اجتماعية على أكثر من جبهة انطلاقا من سيدي بوزيد وصولا إلى قابس والقصرين وجربة وسليانة... كما أن ازدواجية خطاب الحركة ونفاقها السياسي (بخصوص مسألة التنصيص على الشريعة كمصدر أساسي للتشريع مثلا) سرعان ما أفقدها مصداقيتها وشروط تحالفها مع طيف من السلفيين الذين أعلنوا العصيان والخروج عن طاعتها.
تلاعب النهضة بعقول هذا الشباب التائه بوضعه في أكثر من مناسبة في واجهة معاركها مع خصومها دون نية صادقة للاستجابة لمطالبهم المكلفة سياسيا أدى إلى خروج هذه التيارات عن حيز الفعل المتاح لها بالهجوم على سفارة أعتى الدول في تونس (سنأتي إلى المسألة الأمنية وتواطؤ بعض القيادات الأمنية في هذه القضية لاحقا). هذا الانفلات أفقد الحركة مصداقيتها أمام الحلفاء الخارجيين وعلى رأسهم أمريكا التي بدأت تبحث عن بدائل ما جعل الحركة تدخل في تململ وصراعات داخلية وتخبط يائس للبحث عن حلفاء جدد يوفرون لها الدعم المالي من سيولة لازمة لتنفيذ ميزانية بقيت حبرا على ورق. لقد أدخلت النهضة البلاد في مأزق جعلها مستعدة، من أجل الحصول على بعض السيولة، لتحويل تونس إلى مخبر تجارب لاستخراج واستغلال الغاز الصخري الذي أجمع العلماء والسياسيون على مخاطره في تعد سافر على سيادة البلاد وسلامة العباد. هذه حقيقة قذارة سياسات النهضة ولا يمكن فهم ديناميكية علاقة الحركة بالتيارات السلفية دون التطرق إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي وحقيقة المشروع النهضوي، مشروع سلطوي تسلطي لا يمت للثورة والإسلام بصلة. مشروع يبيح التلاعب بالعباد والبلاد، مشروع يبرر كل الوسائل للوصول إلى المبتغى: تأبيد الحكم والتفرد بالثروة.
الخطاب التحريضي
المسؤولون عن العنف هم قادة أحزاب عميلة تهيمن على المشهد السياسي والإعلامي، وهما نداء تونس وحركة النهضة وأتباعها في الحكم بالأساس، بقوة المال والحلفاء الداخليين والخارجيين المعادين للثورة، دون أن تكون لهم مشاريع اقتصادية أو اجتماعية لتونس وللتونسيين. إذ لا معنى ل"الاستقطاب الثنائي" الذي صدعوا به رؤوسنا ليوهمونا بتنافس مزعوم هو في حقيقة الأمر "تدافع" على الكرسي بين حزبين محافظين اقتصاديا. النداء والنهضة حزبان ينزعان إلى الحفاظ على مصالح الحلفاء (الداخليين والخارجيين) والإبقاء على نفس المنظومة الاقتصادية التابعة والعميلة التي لا تتوانى عن بيع مقدرات الوطن وثرواته بأبخس الأثمان ولو على حساب السيادة والأمن وصحة وسلامة التونسيين... لا لشيء إلا لتأبيد الحكم بالنسبة لحركة النهضة أو لعودة التجمعيين إلى السلطة من الشباك، بعد أن كنسهم الشعب من الباب، بالنسبة للنداء.
غياب المشاريع والبرامج لدى هذه الأحزاب (أحزاب الترويكا والنداء) أدى إلى طغيان العنف بكل أشكاله خطابا وفعلا وتحويل التباين والتمايز السياسيين والجدل الفكري إلى الشوارع لتتحول إلى ساحات وغى وإلى المنابر الإعلامية للاحتراب أو التراشق بالسباب والتكفير المتبادل استعراضا للقوة والقدرة على التعبئة. إذ ما الفرق بين تكفير بعض المحسوبين على التيار السلفي لقيادات سياسية وتشكيك السيد الباجي قايد السبسي في إسلام راشد الغنوشي؟ ما الفرق بين عنف ما نسب لكمال لطيف مع زمرة من الخونة في بعض أجهزة الدولة وما يخطط له راشد الغنوشي ضد الدولة وأركانها من أمن وعسكر وإعلام كما صرح به هو بنفسه في إحدى التسجيلات المسربة؟ ألا يحمل كلام السيد محمد عبو ، أمين عام أحد أحزاب الترويكا الحاكمة، المتوعد بنصب المشانق لكل من تخول له نفسه محاولة إسقاط الحكومة يوم 23 أكتوبر 2012 عنفا وتحريضا خطيرين؟ كيف تعاملت الحكومة مع أحد قياديي حركة النهضة الذي دعا في أحد الاجتماعات التعبوية إلى ضرب "الإعلام" مع كل ما يحتمله هذا الخطاب المبهم من إمكانيات التأويل ليصل إلى حد التحريض على الاعتداء المادي للإعلاميين؟ ثم ما الفرق بين عنف مضمون التسجيل المسرب للسبسي في اجتماعه بالجبالي وخصوصا في جزءه المتعلق بالسيدة سهام بن سدرين وعنف ما جاء في الكلام المسرب للشيخ الغنوشي والذي يشكك في ولاء المؤسستين الأمنية والعسكرية ويقسم فيه المجتمع إلى إسلاميين "مسلمين" وعلمانيين قبلوا "على مضض" التنصيص على الإسلام كدين للدولة (مع أن هذا التنصيص موروث عن دستور 1959)؟ ألا تكمن ذروة العنف في منح تأشيرة العمل السياسي لحزب النداء التجمعي من طرف حكومة "الثورة" ليتسنى لمنخرطيه الاجتماع والتجمع ويسهل بذلك لميليشيات الترويكا تحديد هوية قيادات المنافس ومكانها والانقضاض عليها وتصفيتها؟ ليس أعنف من القتل إلا هول ما قرأناه على الشبكات الاجتماعية من شماتة بمصيبة مقتل أحد أبناء الوطن سواء كان من السلفيين أو من حزب النداء؟
لا يصح للسبسي إذا أن يتهم غيره بالعنف والتكفير وهو ينتهج نفس الأساليب وقد يخطط أو خطط لما هو أدهى وأشنع في اجتماعاته مع السفراء الأجانب وخلال صولاته وجولاته في العواصم الغربية، كما لا يصح للشيخ أن يتحدث عن الاعتدال ومدنية الدولة جهرا وهو يطعنها سرا عندما يلقي الخطب الدينية يكفر "العلمانيين" تارة ويحرض الشباب على "الإعلام" طورا.
خراب العقليات
ولكن جانبا كبيرا من هذا العنف يجد بذورا وأرضية خصبة في عقلياتنا (سلفيين أو غيرهم) المفتقرة للثقافة الديمقراطية التي تتطلب أولا وقبل كل شيء الوعي بالآخر وقبوله في علاقة جدلية تفرض أن الآخر ذات واعية ومفكرة لها الحق في الوجود والتعبير والرأي المخالف الذي يحتمل الصواب. من هذا المنطلق، على الشباب السلفي أن يبتعد عن العنف الذي يؤسس للخراب والدمار فلا يكون بعد ذلك دين ولا عمران. على الشباب السلفي كما النخب السياسية أن تدرك وتعترف بالديمقراطية كسقف موحد لكافة أبناء الوطن الواحد دون أي نوع من الإقصاء، تونس الدولة المسلمة العربية. وهذا يتطلب الابتعاد عن التقاذف بتهم العمالة والخيانة وشجب العنف المادي والمعنوي مهما كان مصدره. وعلى الدولة محاربة خراب العقليات وتصحر الفكر أولا برد الاعتبار وتعصير المؤسسة التعليمية العمومية والمجانية المكرسة لقيمة العلم والعمل والمثبتة للهوية العربية الإسلامية المنفتحة، وثانيا استخدام العنف المشروع بلا هوادة لضمان علوية القانون وحماية سقف الديمقراطية وسلمية التعايش والتباين والتمايز السياسيين على أساس المجادلة الفكرية لا العنف، وهذا يتطلب مؤسسات أمنية صلبة ومتينة تعمل بمنأى عن كل التجاذبات السياسية المحيطة.
هشاشة المؤسستين الأمنية والقضائية
لقد ورثت الترويكا نظاما سياسيا قمعيا استبداديا قائما على الزبونية وتدجين مؤسسات الدولة لإخضاعها لإرادة الحاكم ومصالحه ومصالح ذويه والمقربين منه، ولم تسع يوما إلى كسر تلك المنظومة أو إصلاحها أو تغييرها وإنما حرصت على استغلالها وتوجيهها لصالحها لتأبيد حكمها وضم أكبر عدد من رجالات العهد البائد إلى العهد الجديد، عهد حكم النهضة.
لم تستثن المؤسسات الأمنية (الداخلية والعسكرية) من سياسة التدجين هذه ولنا في قضايا تسليم البغدادي المحمودي وتداعياتها (تلويح رئيس الجمهورية بالاستقالة ثم قضية رشيد عمار ضدي شخصيا ثم حكم المحكمة الابتدائية ببطلان إجراءات التسليم بعد أن سبق السيف العذل) وقضية كل من وليد زروق (كاتب عام نقابة أعوان السجون والإصلاح) وعصام الدردوري (كاتب عام نقابة أمن المطار) خير دليل على حالة الانحطاط المؤسساتي الذي تشهده المؤسستان.
فأما بخصوص المؤسسة العسكرية، فقد خذلت القيادة العليا لهذه المؤسسة الوطنية (مع تنزيهنا للمؤسسة) العقيدة التي تحكم المؤسسة العسكرية والقيم العليا التي تقود عملها وفلسفتها مما هز ثقة الجماهير في هذه المؤسسة العريقة. ففي موقع أول، مثلت طريقة تسليم البغدادي المحمودي خيانة للدولة من طرف كل من رشيد عمار وعبد الكريم الزبيدي ومن وراءهم أعضاء الحكومة (وزير العدل ووزير الداخلية ووزير الخارجية) الذين نظموا التسليم وشاركوا في إخفاء العملية عن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ورأس السلطة وممثل الدولة. وفي موقع ثان، مثلت طريقة إدارة القضاء العسكري لملفات شهداء الثورة وما اكتنف المحاكمات من غموض وتعتيم ومحاولات لتدجين القضية وإعدام للحقيقة عامل سخط وغضب لدى الشارع التونسي المغدور في ثورته ورموزها. أخيرا، لم تفلح دعواتي المتواضعة والمتكررة (http://jadal.tn/6524) للقضاء العسكري إلى النأي بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية والسقوط في الدور الرديء الذي تريد النهضة أن تلبسها إياه بتشريكها في تصفية الخصوم السياسيين. ولا مناص في هذا الإطار من ضرورة إلغاء القوانين الاستبدادية كالفصل 91 من مجلة المرافعات العسكرية الذي يكرس قداسة القيادات العسكرية ويضعها فوق طائلة المحاسبة والمساءلة والشفافية. ولعل خير دليل على الفساد الذي طال المؤسسة العسكرية كغيرها من المؤسسات ما جاء في تقرير المجلس الوطني للحريات بتونس حول التجاوزات التي اقترفها القاضي حسني العبروقي (الذي حقق معي في المرحلة الابتدائية)، حيث ورد في تقرير المجلس الوطني للحريات عن الفترة الممتدة من أفريل 2000 إلى ديسمبر 2001 ما يلي :
"في 18 أوت 2000، وبعد تعذيب تواصل عدة أيام بوزارة الداخلية، نُقل لطفي فرحات إلى ثكنة باردو حيث عرض على الملازم أوّل حسني العبروقي بمكتب التحقيق الذي لم يعلمه بأنّه يمثل أمام قاضي تحقيق عسكري و لم يبلغه بالتهم الموجّهة إليه و بحقه في تكليف محام، مثلما يقتضيه القانون، بل قدّم له محضرا جاهزا وطالبه بالإمضاء عليه دون إطلاع، و أمام تردّد المتّهم هدّده جهرا بإرجاعه إلى جحيم حصص التعذيب بوزارة الداخلية.
و رفضت هيئة المحكمة العسكرية بتونس طعون الدفاع المقدمة بجلسة يوم 31 جانفي 2001 حيث جاء بنص الحكم : "و حيث أنّ ما أثاره المتهم لطفي فرحات و سانده فيه لسان الدفاع بشأن تعرّض الأوّل في الذكر للتعذيب من طرف الباحث مردود عليهما إذ أنّه لم يسبق للمتهم أن أثار ذلك عند مثوله أمام قاضي التحقيق فضلا عن عدم معاينة ذلك عليه من طرف هذا الأخير خاصة و قد مكنه المشرع صلب مجلة الإجراءات الجزائية من حق طلب العرض على الفحص الطبي لإثبات تعرضه للعنف من قبل الباحث في صورة حصول ذلك غير أنّ المتهم لم يطلب ذلك""
وأما بخصوص قوات الأمن الداخلي، فقد حرصت الحكومة على استعمال نفس رجالات العهد البائد الذين امتهنوا التجسس على التونسيين في الشارع والمنازل والسجون، فقامت بترقية مديري السجون ممن أشرفوا على تعذيب المساجين السياسيين (كشاكر العاشوري مثلا، مدير سجن الكاف في عهد المخلوع والذي تم تعيينه من طرف الترويكا مديرا لسجن المرناقية، والذي أشرف شخصيا على تعذيب المناضل عبد الرؤوف العيادي بين 2005 و2007).
تدجين وزارة الداخلية يمر كذلك، في عهد النهضة، عبر الاختراق الأيديولوجي، حيث أن آلاف التعيينات في سلك الأمن تتم على أساس الولاء الحزبي ولعل من أخطر هذه التعيينات هو تعيين وجوه معروفة بولاءها للحزب الحاكم على رأس مراكز تكوين الإطارات الأمنية وما يعنيه ذلك من مخاطر الأدلجة والتوجيه لعمل رجل الأمن مما يحيد بالمؤسسة الأمنية عن طريق المأسسة الجمهورية.
هذا التدجين يمر أيضا بالتضييق على النقابات الأمنية إما بالترغيب عبر الإغراءات والترقيات لإخضاع بعض النقابيين أو محاصرة العمل النقابي وضربه عبر التتبعات العدلية والعقوبات الإدارية التعسفية لكل من تخول له نفسه الصدح بالحقيقة وانتقاد عمل الوزارة وكشف مواطن الخلل.
يمر التدجين أيضا عبر الإبقاء المتعمد لحالة الفراغ القانوني الذي يشكو منه عمل أعوان الأمن الذين غالبا ما يخضعون للتعليمات الغامضة في أحسن الأحوال والمتضاربة والاعتباطية في أسوءها، مما يجرهم إلى الاجتهاد والارتجال في التدخلات وفي حماية المواطنين والممتلكات الخاصة والعامة وخاصة في حماية أنفسهم. هذا الفراغ القانوني وما ينجر عنه هو مصدر التجاوزات التي غالبا ما يقدم فيها رجل الأمن ككبش فداء في آخر المطاف. كما أن الإبقاء على سياسة الفراغ القانوني والتعليمات هي التي سمحت في الماضي ومازالت للسلطة التنفيذية باستغلال رجل الأمن وتطويع وزارة الداخلية لخدمة المآرب السياسوية للحزب الحاكم.