Designed by Freepik

mercredi 30 octobre 2013

سيدي بوزيد... والإرهاب



سيدي بوزيد والإرهاب


أيوب المسعودي

29 أكتوبر 2013


انتقلت يوم أمس الثلاثاء إلي سيدي بوزيد وخاصة معتمدية سيدي علي بن عون، مسرح العملية الإرهابية التي أودت مؤخرا بحياة عدد من أبنائنا الأمنيين أثناء قيامهم بالواجب المقدس، ومعتمدية بئر الحفي المحاذية لها فكان لي حديث مطول مع بعض أبناء المنطقة وأحد جرحى الأمنيين. سأحاول في هذا المقال، قدر المستطاع، تناول المسألة من زاوية تحليلية عقلانية اجتماعية وانطلاقا من عقيدة التأسيس التي تحدثت عنها، بعيدا عن الشيطنة أو التمجيد لهذا أو ذاك. كلامي هنا قد لا يعجب البعض ولكنه ينطلق من واجبي الوطني وغيرتي على الأمنيين الذين بعثوا إلى جبهة الموت دون الاستعداد الكافي.


عملية سيدي علي بن عون؟

في مسرح الجريمة : ما بعد العملية

انتقلنا أولا، رفقة بعض الأصدقاء، إلى مسرح المجزرة التي جدت في المنطقة الفاصلة بين المعهد الثانوي بسيدي علي بن عون والسلسلة الجبلية الواقعة وراءه. لم يسهل التعرف على موقع المنزل الذي تحصن به الإرهابيون ولم يتسنى لنا الوصول إلى المكان إلا بمعونة بعض المتساكنين، اكتشفنا حينئذ أن المنزل نسف نسفا فلم يعد يظهر للعيان من بعيد وقد استوى مع الأرض وسط سلسلة من غابات الزيتون والتين الشوكي اتي تشقها طرقات وعرة ومتشعبة.

أول ما يلفت الانتباه عند الوصول هو انتشار عدد من الأغراض الخاصة والملابس والأفرشة على الأرض ووسط الركام المتروك دون حراسة أو مراقبة. عدد كبير من هذه الملابس (أنظر الصور أسفله) لم تطلها النيران وبقيت ملقاة على الأرض وسط الركام، وهنا أتساءل أين الشرطة الفنية وفرقة مكافحة الإرهاب ولماذا لم تجمع تلك الأغراض للقيام بتحاليل فنية ورفع البصمات أو أي آثار للحمض النووي للإرهابيين... ولماذا لم يتم تطويق المكان وحماية المدنيين بمنعهم من الولوج إليه خاصة وأن المنزل كان يستخدم لتوزيع السلاح والمتفجرات وما يستتبعه ذلك من إمكانية وجود مواد متفجرة أو كيميائية خطيرة...


في أطوار العملية وغياب الخطة الأمنية

بعد الحديث إلى عدد من المتساكنين بسيدي على بن عون، انتقلنا إلى منزل أحد الأمنيين الذين أصيبوا في المواجهة للاطمئنان على حالته الصحية والشد على يده. لحسن حظه، تلقى ابراهيم رصاصة جانبية اخترقت فخذه الأيمن دون أن تمس العظم وخاصة دون النيل من معنوياته العالية التي وجدناه عليها، بالرغم من استيائه لعدم زيارته من قبل المسؤولين المحليين والجهويين بالولاية. تحدث إلينا ابراهيم بكثير من الأريحية والصراحة الممتزجة بالانضباط العسكري وقوة العزيمة والرغبة في الحفاظ على قدر عال من المهنية لينقل لنا ما دار أمام أعينه بكل موضوعية وتجرد.

لقد اعترف بكل شجاعة أن عملية سيدي علي بن عون كانت فاشلة بكل المقاييس حيث أشار النقائص التالية:

- غياب المعلومة الضافية والاستعداد الكافي قبل العملية : حيث أورد أن المسؤول الأمني (دون ذكر إسمه أو رتبته) الذي اجتمع بهم للإعداد للعملية اقتصر على الإشارة إلى "وجود معلومات حول تواجد مجموعة إرهابية متحصنة بالمنزل المذكور... ومتوفرة على كمية هامة من الأسلحة والذخيرة ويتراوح عددهم بين 20 و 25..."، دون الإشارة إلى تاريخ ورود المعلومة وتاريخ تحصن الإرهابيين ومدى استعدادهم وماهية نواياهم وخططهم ونوعية السلاح التي يحملونها...
- غياب الخطة الأمنية :  ما زاد الطين بلة هو غياب الخطة الأمنية لكيفية تموقع الأمنيين الذين أتوا على متن سبع سياسات وعدم التفكير في تطويق المكان قبل الهجوم وجس النبض ومحاصرة الإرهابيين من بعيد والتمركز مثلا في غابات الزيتون الخلفية مثلا لمنعهم الهروب إلى المناطق الجبلية... هذا علاوة على الإشارة إلى قدوم التعزيز بعد ساعة من المواجهة وسقوط شهداء مما أتاح الوقت للإرهابيين للهروب والتفرق بل وأيضا إطلاق النار من بعيد على الأمنيين بعد الهروب... ومما لفت انتباهي هو وصف ابراهيم للعملية بأنها كانت أشبه بتلك العمليات الكلاسيكية التي كانوا ينفذونها في جرائم تهريب الوقود أو الخمر... حيث صرح بأنهم كانوا متوقعين الاشتباك مع مجموعة تحمل أسلحة بيضاء لا إرهابيين مدججين بالسلاح والرشاشات وعلى أهبة لإطلاق النار من كل المنافذ والثقب التي أحدثها الإرهابيون في حصنهم وأطلقوا منها النيران قبل الهروب من الخلف، وما أدل على ذلك من وصفه لغياب تأهب الأمنيين لإطلاق النار حيث اصطفوا أمام المنزل متأهبين للموت لا للقتل...
- مبعوثون إلى الموت : صرح ابراهيم أن جل الأعوان الذين كانوا في الجبهة لم يكونوا يرتدون صدريات واقية وأن بعض الأعوان يحملون مسدسات بسيطة ذات مخازن صغيرة لا يتجاوز مداها عشرة أمتار ولاتزن شيئا في معادلة المواجهة مع إرهابيين يتوفرون على رشاشات وأسلحة متطورة،
- اجتماعات تحضيرية للإرهابيين بعلم الداخلية : وحسب نفس المصدر، فقد حضر خميس الماجري إلى سيدي على بن عون في الأيام الأخيرة قبل العملية للاجتماع بال"شباب السلفي" في المنطقة (وأستعمل عبارة "الشباب السلفي" بكثير من الاحتراز) وإمامة صلاة الجمعة...

وجوهر القول في هذا الجزء الأول أنه بعد الثورة لابد لكل مسؤول في الدولة أن يخضع للمساءلة والمحاسبة مهما علا منصبه، وأنا أطالب أن يفتح تحقيق عاجل في أسباب فشل عملية سيدي على بن عون ولاستجلاء الحقيقة في من وضع الخطة الأمنية (إن وجدت) ولماذا تأخر التعزيز بعد المواجهة وما سر الاجتماعات الألفية التي يعقدها "الإرهابيون" بعلم من وزارة الداخلية وهل تم التحري في مضمون هذه الاجتماعات وخلفياتها...؟ أسئلة أسوقها وأرسل بها خاصة إلى نقابات الأمن التي من واجبها التحري في الأمر وحماية مصالح الأمنيين وخاصة الأعوان الذين يواجهون الموت، فهل ستتحمل نقابات الأمن مسؤوليتها وتكشف الحقائق؟ هناك مسؤولون وقادة أمنيون قصروا في أداء مهماتهم بدءا من وزير الداخلية ورئيس الحكومة الذان يتحملان المسؤولية الأكبر في ما حدث في سيدي على بن عون خاصة وأنها لم تكن العملية الأولى من نوعها بعد عملية قبلاط، والسؤال الأهم الذي أطرحه، متى سيحاكم علي العريض على تقصيره في مسألة الإرهاب منذ توليه السلطة كوزير للداخلية، متى ستحاكم كل القيادات السياسية الني شجعت أو حرضت على الإرهاب؟ 

عندما يتحول شباب الثورة إلى حطب محرقة : أصل الداء

هل حدثتكم عن أنيس بڤاندا؟ إنه إسم شهرة لأحد شباب الثورة من سيدي بوزيد، شباب القصبة 1، وكم هم كثيرون أولئك الشباب الذي حرروا التونسيين من ربقة الاستبداد وأخرجوهم من الظلمات إلى النور ليقبعوا هم في عتمة الفقر والبطالة والذل، لم يجنوا من ثورتهم المغدورة سوى الجراح والرش وكل أشكال الإهانة والإذلال بينما يتربع غيرهم على عرش الحكم يتقاضون أجورهم بالأورو وتتجاوز مرتباتهم الشهرية إلى ما يتقاضاه عامل الحضائر سنويا.
هل تعرفون ماذا كان مصير أنيس بڤاندا؟ لقد مات أنيس في المحرقة السورية، مثله مثل الكثير من شباب الثورة الذين اختاروا طريق ليبيا ثم أنطاكيا ثم سوريا. هكذا اختار أنيس طريق الموت ولكنه أبى إلا أن يطبع موته بنوع من القداسة والأسطورة التي يحفظها الآن جزء من شباب سيدي بوزيد وغيرهم من شباب الجهات المنسية كنماذج من الموت البطولي التي انتشلت أنيس من المصير المخزي والموت البطيء لشباب صنع ثورة فكان مصيره النسيان والهوان.
لقد أسرّ لي، منذ أسابيع، أحد الأصدقاء من شباب الثورة في سيدي بوزيد (وأحد وجوه القصبة 1 و 2) عن نيته السفر مع مجموعة من الشباب إلى ليبيا قبل الانتقال بعد ذلك إلى سوريا. كانت صدمتي كبيرة من هول ما سمعت، فلم ألمس منه إلا حب الحياة وقوة الإرادة وصلابة الشخصية وروح الاكتساب والجهد. نجحت بفضل الله وبكثير من الحوار وخاصة الإصغاء في ثنيه عن هذا الطريق، طريق الدمار والموت. لم يتطلب مني ذلك أكثر من جهد الاستماع والإصغاء وعبارات التشجيع والدعوة إلى الرشد والتعقل.
 ما لم نقف وقفة تأمل هنا، في هذه الحالة الشاخصة أمامنا، ونستشعر عمق هذه  الفكرة الفارقة، هذه الأزمة التي هي أصل الداء، فلن نلج إلى الحل وسنظل نحارب السراب. 

عندما كتبت مقال "سيدي بوزيد والمافيا" منذ ما يزيد عن السنة، حذرت مما أسميته "غياب أو انسحاب الدولة" فكتبت :
"لا يمكن أن يفوت كل من يزور سيدي بوزيد أو زارها ملاحظة أمرين مدهشين، أوَلا غياب (أو انسحاب) شبه كلي للدولة اجتماعيا واقتصاديا مع حضور قوي للقمع البوليسي وثانيا استماتة في المطالبة بالكرامة الاجتماعية والحق في الشغل ومقاومة الاستبداد الجديد دون أن يمنع كل ذلك أهالي المنطقة من الأمل وحب العيش."

لم يتغير المشهد كثيرا مذلك الوقت، وكأن عقارب التاريخ توقفت. فقط تم تغيير الأزياء والأسماء، لقد صار شباب الثورة "إرهابيين" والقمع "حربا على الإرهاب". سأتوقف هنا لأفسر الجملة السابقة لخطورة الفكرة، وهي حمالة أوجه ومعاني وتقبل أكثر من تأويل. وحتى لا أتهم بشق صفوف الحرب على الإرهاب، دعوني أفسر:

في نفس المقال المذكور سابقا، كتبت : "انسحبت الدولة من كل المجالات، عدا القمع لحماية النظام من المواطنين متخلية عن حماية المواطنين. فيكفي أن تعلم أن أصدقاءنا في سيدي بوزيد منعونا من العودة إلى العاصمة ليلا خوفا علينا من قطاع الطرق، ولم نر في المقابل أثرا لدوريات حرس طول الطريق الفاصلة بين سيدي بوزيد ومدخل القيروان (طريق نصر الله...) رغم أن الطريق وعرة ومظلمة...".


وهنا من حقنا أن نتساءل، ألم يترك النظام، نظام 07 نوفمبر الذي لم يسقط بعد، الأمور تتعفن في سيدي بوزيد والقصرين والكاف وغيرها من الولايات التي قادت الثورة بالانسحاب وترك المجال ل"العصابات الاقتصادية" المرتبطة بالنظام القديم والجديد؟ ألم تنسحب الدولة من كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية تاركة شباب الثورة يواجه مصيره ليكون خياره في آخر المطاف بين طريقين للموت، لمبدوزا أو سوريا؟ الطبيعة لا تحب الفراغ واليأس يولد الدمار. ألم يرتم الشباب في حضان الإرهابيين والتكفيريين أملا في الآخرة بعد اليأس من الدنيا؟ هل توجه الساسة إلى هذا الشباب "السلفي الجهادي" الذي يدفعه الكل إلى العزلة بقصفه عبر التشويه الإعلامي من جهة والدعاوى التكفيرية الداعية إلى الجهاد باسم نصرة الدين والمشروع الإسلامي...؟ ألا يساهم الإعلام الرسمي وقنوات وصحف حركة النهضة في خلط الأوراق والتشجيع على الإرهاب عندما تكتب جريدة الضمير أن "هناك مؤامرة ضد الشباب السلفي والمشروع الإسلامي"؟ وماذا فعلت حكومتكم المجرمة لانتشال هذا الشباب من عتمة الفقر والبؤس؟

روى لي أكثر من شاب قصته مع والي الجهة وكيف يتم تجاهل مبادراتهم ومشاريعهم ومعاملتهم بازدراء وتعال. لقد توقف سياسيونا عن زرع الأمل وبثه في النفوس، وما السياسة إن لم ترب الأمل؟ نعم نحن أمام سلسلة من الجرائم الاقتصادية والاجتماعية التي لا يتجرأ أحد على الخوض فيها. ألا يعد تهميش تلك الجهات وحرمانها من نصيبها في التنمية واستثمار الدولة فيها منذ عقود جريمة دولة تستوجب المحاكمة؟ ألم يبق مستشفى الكاف مثلا بلا طبيب مولد لأاكثر من عشرة أيام لتموت الرضيعة في بطن أمها وتدخل الأم في غيبوبة؟ ألا يشكل ذلك عوامل ودوافع للتفجير والانتقام والتشفي من دولة نبذت أبناءها وتنكرت لهم؟ ألا يواجه أبناء الجهات الداخلية بعضهم البعض في جبهة القتال، ففريق يحمل جلباب "السلفية الجهادية" وفريق يحمل "بزة الدولة"؟ ألا تبعثهم الدولة إلى الموت المحتوم؟ بينما ينشغل الساسة والقادة الأمنيون بالمنابر الإعلامية والمزايدات الكلامية شغفهم في ذلك حب الأضواء والمناصب والنفوذ؟ رسالة إلى الشباب "السلفي الجهادي"
أيها الشباب السلفي، اهجروا السلاح ولا توجهوا فوهة أسلحتكم إلى أبناء شعبكم، إن الحرب اليوم هي ضد الفقر والجهل والبطالة والظلم والحيف الطبقي والجهوي، ذلك هو الجهاد المقدس الذي كتبه الله علينا اليوم. أنتم تصيبون الثورة في أكثر من مقتل عندما تقتلون شباب تونس، إنهم منكم وإليكم وأنتم إخوتنا في الله والوطن فلماذا لا توجهون بندقيتكم إلى عدوكم الحقيقي، الفقر والجهل. أهجروا دعاة الفتنة فإنهم يدعونكم للشر ونحن ندعوكم للخير.
قبل أن أختم، وأنا في طريقي من سوسة إلي تونس، سمعت عبر الراديو خبر التفجير الذي جد أمام النزل بسوسة، لم يؤسفني الخبر بقدر ما آسفني تعليق المذيع الذي قال "توا كي الإرهاب استهدف جوهرة الساحل سوسة فعلى الدنيا السلام"، وهنا أتساءل : هل يعتبر الإعلاميون والسياسيون مناطق الشمال الغربي والوسط جزءا غريبا عن الوطن؟ نحن نأسف لكل روح تزهق في صفوف الأمنيين أو الشباب المتمرد من بنزرت إلى بن قردان، فتونس أرض واحدة وشعب واحد لا نفرق بين تونسي وتونسي. فلندعو المولى أن يهدينا لما فيه خير توني والتونسيين وأن يؤلف بين قلوبنا وأن ينزع من قلوبنا البغضاء والأحقاد.













أيوب المسعودي
29 أكتوبر 2013

mardi 22 octobre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 2

عامان على 23 أكتوبر

أزمة عقيدة التأسيس وغياب البناء الكلي





أحاول، بكثير من التواضع، في هذه السلسلة من المقالات التي بدأتها بمقال أول بعنوان "أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1" (أنظر الرابط)، أن أخرج من سياق التفكير الملألوف إلى سياق أرحب،  أن أشارك من موقعي المتواضع في بناء عقل مؤسِّس لا يلغي العقل المؤسَّس (1) ولكن يحاول بقدر المستطاع التحرر من أوثاقه وموروثه. وهي مهمة تزداد صعوبة مع اشتداد أزمة الحكم في تونس وانسداد الأفق السياسي مما أدى حتما إلى طغيان الآني على الاستشرافي والترقيعي على التأسيسي.


هكذا مر عامان على استقرار منظومة السلطة الجديدة، منظومة 23 أكتوبر، وبالرغم مما شهدته الساحة السياسية من تموجات وهزات وارتدادات، فقد ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي يراوح بين الجمود والتقهقر يحكمه تغول جماعة على حساب أخرى ورأسمالية المحاسيب والزبونية البغيظة وسياسات التبعية والإذلال في استمرار وتواصل مع سياسات نظام السابع من نوفمبر الذي كان التلميذ النجيب في نظر المنظمات المالية الدولية وما تبعها من وكالات تصنيف وتزويق... هذا واقع مرحلة كان يفترض أن تكون تأسيسية وأن تحدث قطيعة أخلاقية، سياسية ومجتمعية مع السائد قبل 17 ديسمبر، إلا أن السلطة الجديدة اختارت على عكس المنتظر الارتداد إلى الوراء رافضة القطيعة مع القديم والتأسيس للجديد فارتدت وانزوت وانعزلت.


أما المجلس التأسيسي فقد تحول إلى مجرد أداة تزكية في يد الأغلبية يشرع لها ويراقبها في آن، هذا علاوة على وهن الأداء وتدني مستوى الخطاب السياسي والعجز عن التعبير، بالوضوح الكافي،على تطلعات الجماهير والشباب الثائر بصفة خاصة. كل ذلك حول جلسات التأسيسي وحواراته إلى مشهد هو أقرب إلى صراع ديكة ومشهد مستفز للذكاء والحياء الشعبيين تطغى عليه المزايدات الكلامية التي لا ترتقي إلى الفعل السياسي المؤسس...

لسنا هنا بصدد تجريح نواب الشعب المنتخبين أو تقزيمهم، إلا أن دقة المرحلة وجسامة التحديات المطروحة وطنيا وإقليميا تستوجب وقفة فكرية نقدية تتجاوز العاطفي والمرحلي على حد السواء. وفي الحقيقة يعود هذا الانحراف إلى أزمة عميقة في التأسيس، أزمة ضاربة في عمق التاريخ وتطور أو بناء العقل العربي الإسلامي كما شخصه الفيلسوف الألمعي محمد عابر الجابري في سلسلة كتاباته النقدية عن العقل العربي...


نعم، لقد تميزالعقل العربي منذ "ترسيمه" في بداية الخلافة العباسية ومنذ عصر التدوين، في عهد الخليفة المنصور، بطغيان اللّغويّ الكلاميّ الشِّعري على المعنى والمنطق. وهو ما يشير إليه الجاحظ وكذلك الشهرستاني مثلا في كتاباتهم عندما يقارنون بين العقل العجمي (الفارسي واليوناني) والعربي واصفين الأول بأنه يتميز بالاجتهاد والاكتساب مقابل الحدس والارتجال عند الثاني. وليس غريبا أن يتزامن عصر التدوين هذا مع أول الإبداعات العلمية وربما أخطرها في التاريخ المعرفي العربي، إنه علم اللغة والنحو الذي وضع أسسه الخليل الفراهيدي ثم تلميذه سيبويه (وهو عمل جبار وذو قيمة وصلابة علمية مشهودة)... لا تكمن الخطورة في تقعيد اللغة، فقد استجاب هذا العمل إلى ضرورة تاريخية وإرادة سياسية في تعريب الإدارة والقطع مع هيمنة الفرس والرومان عليها، وإنما تكمن في الخلط بين المنطق واللغة. وسيحل النحو بالنسبة للعقل العربي محل المنطق بالنسبة للفلسفة الإغريقية. هكذا بنى الإمام الشافعي، في كتابه "الرسالة"، أصول الفقه وقنن عمل العقل وشرّع له متوخيا علوم اللغة والنحو مرجعا لاستنباط الأحكام من قوانين اللغة وآليات إفصاحها وتعبيرها عن المعاني... من الناحية السياسية كذلك، كان التدوين في مطلع الخلافة العباسية أكبر عملية لجمع العلوم وتبوبها وتصنيفها تحت إدارة الدولة مع ما شاب هذا المشروع من انتقاء وتوجيه لإضفاء الشرعية على الخلافة الوليدة بعد القضاء على الأمويين مع ما سيستتبعه ذلك من طمس للمنتوج العلمي والمعرفي والثقافي الأموي...  لقد كان ذلك عملية "ترسيم" للعقل العربي وتقنينا للرأي وتشريعا للإنتاج الفكري والمعرفي العربي. لا أريد أن أطيل في إعادة تفسير ما برع الجابري في بيانه والتدليل عليه في كتابه "تكوين العقل العربي" (2)، ولننصرف إلى محاولة قراءة تداعيات هذه الحقيقة التاريخية على واقعنا السياسي والاجتماعي الراهن.


أما على مستوى الخطاب السياسي الرسمي (سلطة ومعارضة)، فلا يختلف اثنان في كلل التونسيين ومللهم من المناكفات السياسوية التي تأخذ شكل مزايدات شعاراتية وطابعا كلاميا يفيض فيها اللفظ على المعنى والمنطق، وكأن فائض اللفظ على المعنى في العربية وجد امتدادا له عبر التاريخ فلم نخرج من لسان العرب لابن منظور وعروض الفراهيدي وإيقاع العربية ونغمتها "مما يجعل الأذن والحس والعاطفة تنوب عن العقل والمنطق في الرفض والقبول" (2).

وأما على مستوى "ترسيم الثورة" وتأميمها وخوصصتها وتحزيبها، فإذا أخذنا منظومة 23 أكتوبر وطبيعة تعاطيها مع الماضي القريب منه والقديم (التاريخ العربي والإسلامي وتاريخ تونس الوطني الحديث...)، وجدنا نزوعا مرضيا لإعادة إحياء معارك الماضي وتأجيجها، وهو ما عبر عنه الجابري ب"التنافس على الماضي" من أجل الهيمنة على الحاضر والاستحواذ عليه، وهو ما نراه بوضوح في محاولة فريق إحياء مسائل هوياتية مصطنعة والطعن في الموروث البورقيبي وما قامت عليه الدولة الوطنية الحديثة من مكاسب من أجل هدم الحاضر وإعادة بناءه على أساس رؤية فئوية للماضي. نحن لسنا هنا بصدد تمجيد الموروث البورقيبي، فلنا عليه مآخذات عديدة منها مسؤولية التصحر السياسي الذي أدى إلى أكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد، بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول أن النظام البورقيبي نفسه قام ب"ترسيم الحركة الوطنية" وإعادة كتابتها على مقاس حكمه وأيديولوجيته بإقضاء كل المخالفين باغتيالهم أوقبر تاريخهم ونضالاتهم... نحن هنا أمام ظاهرة "عربية" لم تستثن أحدا قوامها التنافس على الماضي من أجل إعادة كتابة الحاضر والاستحواذ عليه وإعادة بناءه وفق مصلحة الجماعة أو الحزب أو الأيديولوجيا.
إعادة البناء هذه ترافقها اليوم عملية هدم لمؤسسات الدولة وقيم المجتمع التونسي المعتدل المتلاحم المتجانس قصد تشطيره وإضعاف وحدته قبل إحكام القبضة عليه باسم العودة للأصول والهوية وعبر إذكاء صراعات الماضي وتحويل وجهة الثورة من صراع طبقي على الوجود والتوزيع العادل للثورة والكرامة إلى خلاف فقهي وصراع هويات وهمية.

البناء الكلي بدل البناء الكلياني

إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا هو متى بناء العقل العربي تاريخي الوعي كوني المنبع؟ ذلك العقل الذي يتنافس على المستقبل انطلاقا من الحاضر وما راكمته حضارتنا العربية الإسلامية العظيمة وسائر الحضارات التي استفادت من أعمال الفارابي وابن سيناء وابن رشد، أليس ابن رشد هو الذي سهل على أوروبا الحديثة فهم أرسطو منذ توماس الأكويني مما قادها إلى إحداث قطيعة معرفية وفلسفية وعلمية؟

سأسوق مثالين في التعاطي العاطفي المتشنج للعقل العربي مع إحدى أخطر القضايا الراهنة لأبين فشل هذا النوع من التعاطي وقصوره في تأدية المهمات المنوطة به.

فعلى صعيد مسألة التعريب، وإن كنت أعتبر نفسي من المتعصبين للغة العربية، فإنني أعتبر أن مسألة التعريب لم تطرح بالطريقة السليمة والعلمية والعقلانية التي تفضي بالفعل إلى انتشال اللغة الشريفة من حالة الهوان والفقر والانحطاط التي تتخبط فيها. إن تخلف اللغة العربية عن ركب الاكتشتفات العلمية والثورة الابستيمولوجية التي عرفها الغرب منذ عصر النهضة الأوروبية وانزواءها وانحصار الأخذ بها في مجال علوم الفقه (ومن ذلك قول الجابري أن الحضارة العربية هي حضارة فقه بامتياز(2))، كل ذلك أدى إلى تحولها إلى لغة جامدة لا تاريخية لم تتطورمنذ لسان العرب لابن منظور (القرن السابع هجري). إن تعريب الإدارة والتعليم، فرنسيّي النشأة، لا يكفي لإحياء اللغة العربية وإعادة بعثها كلغة "للعصر" ما لم تتحول إلى لغة لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا والصناعة والمعرفة والثقافة والفن. وإذا نظرنا إلى هيمنة الغرب على صعيد المعرفة وصناعة المعرفة والكم الهائل من الحواجز الاقتصادية والقانونية وخاصة السياسية التي تحول دون ولوج العرب إلى عالم صناعة المعرفة (منظومة حماية الاختراعات وما يتكلفه ذلك من تمويل وموارد...) ومحاصرة تجارب التصنيع والتسلح الوطنية... سنجد أنفسنا أمام استنتاج واحد وهو ضرورة العمل على مستويين: مستوى أول يدعم اللغة العربية كلغة وطنية للإدارة وكذلك وخاصة العمل على إقليمي ودولي ودبلوماسي (كمكمل ضروري) من أجل مجابهة الحواجز المعرفية التي تحدثنا عنها سابقا على مستوى دولي وفي شكل جبهات دلبوماسية إقليمية، ومستوى ثان لدفع تعلم لغات المعرفة المعاصرة والتمكن منها ودعم البحث العلمي للحاق بركب الأمم بعد طول تأخر. إن الترجمة والتعريب لن يجديا نفعا قبل أن نتحول إلى قوى منتجة للفكر والمعرفة، وإن كان ذلك بلغة أجنبية، فيسهل بعد ذلك كسر الجمود الذي يعاني منه لسان العرب منذ قرابة السبعة قرون.

أما على صعيد السياسة الخارجية واستراتيجية العرب (إن وجدت) في مواجهة التحديات الإقليمية والقومية، فمن الوجاهة استحضار ما كتبه الشهرستاني في " العقلانية الفارسية الإيرانية مقابل القبلية والحدس العربي"،... وإن كنت أمقت فكرة العداوة الوهمية بين إيران 'الفارسية الشيعية" والعرب "السنة"، فإنه من الجدير، من الناحية التحليلية البحتة، دراسة ردود فعل الحكومات العربية بعد بوادر التقارب الأمريكي الإيراني حول الملف السوري... لم يجن العرب شيئا من سياسة الولاء الأعمى للأمريكان وهم يرون اليوم أن التقارب الإيراني الأمريكي يسقط في الماء كل طموحاتهم لضرب إيران، القوة العظمى الصاعدة، عن طريق أمريكا... ذلك لأن العرب (الحكام العرب) لطالما تفاوضوا مع الأمريكان فرادى ولم يؤسسوا أبدا لدور استراتيجي موحد، بل يمكن القول أنهم كانوا دوما يتآمرون مع الأمريكان ضد بعضهم البعض في سباق لاسترضاء سيد البيت الأبيض الذي كان، من جهته، حريصا على بث الفوضى والفتنة في جسد الأمة العربية قصد دفعها إلى سباق التسلح ضد الشعوب المقهورة، وضد بعضهم البعض وضد العدو الإيراني الوهمي لغاية إحكام القبضة على مواردنا وثرواتنا لنزيد تخلفا وفقرا وانقساما.


إن السبيل الوحيد للقطع مع هذا السائد البغيض القبيح هو استيعاب الماضي برمته  في ما يسمى بالعقل العربي الكلي كنقيض للكليانية. فإذا كانت الكليانية تقصي كل ما يتعارض وسلطة الحاكم المشرِّع، فإن العقل الكلي الكوني يشرِّع لوجود الكل داخل منظومة قوامها العقلانية والاستصلاح والاستحسان والاجتهاد من أجل بناء المستقبل، ووحده تشبيب الطبقة السياسية وتجديد فكرها ووعيها قادر على كسر هذا السائد والخروج بالواقع الضيق إلى مستقبل أرحب. ولن يتم هذا إلا باقتلاع النظام القائم الذي لا يثير الماضي إلا من أجل إعادة كتابته على هواه وترسيم نظريته في الماضي حاضرا ليظل العقل العربي سجين الماضي والشعب التونسي أسير الخلافات المذهبية ومعارك الجامعات وأحقاد الأحزاب وضغائن "الشخصيات الوطنية"؟ في الأثناء يواجه شباب الثورة اليأس والإحباط وذل البطالة ويلقى به في غياهب السجون أو في محارق الماضي كوقود حرب في معارك لا ناقة له ولا جمل فيها.

فليسقط النظام ولتحيى تونس.


أيوب المسعودي
22 أكتوبر 2013


المراجع

(1) - A. Lalande, "La raison et la Norme", pp 16 - 17, 1963
(2) - محمد عابد الجابري، "نقد العقل العربي"



vendredi 13 septembre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1

في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في "حوار المشرق والمغرب"، وهو كتاب يجمع جملة النقاشات الفكرية والسياسية التي جمعته مع نظيره المصري الدكتور حسن حنفي، قائلا "فنحن أمة واحدة تاريخا، ووطنا، وأرضا، وشعبا، وثقافة، وهمّا، وحاضرا ومستقبلا. تجزئتنا إحدى مآسينا، وتفرقتنا نتيجة لاستعمارنا وأحد أسباب عجزنا عن مقاومة أشكال الاستعمار الجديدة. حدود مصطنعة، ودول مزعومة، ونظم غير مستقرة، ليس لها نظرية أممية أو قومية أو ووطنية. ملكيات وراثية يرضى عنها البعض، ونظم ثورية إثر انقلابات عسكرية يعاني منها الكثير، وكلاهما تنقصه نظرية في العقد الاجتماعي تفسر نشأة السلطة".





ما أحوجنا إلى مثل هذه الحوارات في زمن عسكرة العقول واصطفاف الضمائر

ما لفت انتباهي من جديد إلى هذا الكتاب وجعلني أعود إلى تصفحه، علاوة على ألمعية المتحاورين ، هو اتساق القضايا والأطروحات المتناولة مع حاضرنا العربي حتى ليخيل لك، وأنت تقرأ الكتاب، أن الحوار لم ينته وأن حركة التاريخ قد توقفت، على الأقل في عالمنا العربي. فالفقر والتخلف والتبعية ما يزالون يطبعون حاضرنا حاجبين أي أفق للانعتاق أو التحرر الحقيقي مقابل تأجيج الطائفية والتطرف وما يترتب عن ذلك من تشطير للأمة فكرا وكيانا وجغرافيا من أجل تجزئة المجزء وإحكام هيمنة المستعمر على السياسة ثم الثروة.


لقد رجع المفكران إلى تحديات عصر النهضة العربية، للوقوف على أسباب إخفاق المحاولات الإصلاحية الصادقة لمفكرين عرب بدءا بالأفغاني وصولا إلى محمد عبده والكواكبي وأرسلان وغيرهم كثيرون من أولئك الذين عايشوا بداية انهيار الامبراطورية العثمانية وخوف الأمة من اندثارها ونهاية دورها الحضاري. وفي الحقيقة فقد صاحب هذه الحركة "العربية" اعتقاد راسخ بدور التتريك والإسلام السياسي العثماني في تقهقر الحضارة الإسلامية فكان أن نادى العديد إلى كسر مركزية الدولة وعقلنة السياسة وإرساء الحرية وتحكيم العقل. ومع ظهور القومية التركية و"تركيا الفتاة" ودور إدارة المستعمرات البريطانية في حركة الشريف حسين تحت مسمى "الثورة العربية الكبرى"، تحقق المحتوم أي انفصال الدول العربية عن الامبراطورية العثمانية المنهارة ونشأة الحركات الوطنية المنادية باستقلال "الأقطار" ومقاومة الاستعمار. ومع ميلاد الدول الوطنية القطرية المستقلة، حرصت الدول الاستعمارية أولا على دعم حركات أصولية ستلعب دور الإزعاج والابتزاز لبعض الأنظمة القومية لاحقا أو تنصيب وكلاء محليين يضمنون حماية مصالحها بعد خروجها "جغرافيا" لبقاءها "سياسيا". وستعمل المخابرات الغربية طوال عقود بعد ذلك على حبك المخططات وبث الفتنة داخل الأنظمة العربية أو بينها لدفعها إلى الاحتراب وثنيها عن طريق الوحدة والاتحاد. فكما سعت فرنسا مثلا إلى السيطرة المتواصلة على إفريقيا الغربية عبر ابتزاز الأنظمة بتمويل وتسليح المتمردين أو دعم المعارضين وتأجيج الصراعات العرقية، حرصت المخابرات البريطانية والأمريكية على خلق التوجس والفرقة داخل الجسم العربي وخاصة في دول الخليج التي تسابقت للتسلح وفتح أبوابها أمام القواعد العسكرية الأمريكية لحماية عرش العائلات الحاكمة من الشعب الجائع أو الجيران "المتآمرين".

كما أن الحوارات المنشورة للعابدي وحنفي ناقشت قضايا الثمانينات وبداية التسعينات وما رافق هذه الحقبة من تزايد لشعبية الحركات الإسلامية مع الثورة الإيرانية وفشل الأنظمة "القومية" في تحقيق تطلعات الشعوب من تحرر واستقلال فعليين. الكل يعرف ما آلت إليه محاولات الحركات الإسلامية التي حاولت هنا وهناك المشاركة في العملية السياسية.

لست هنا لتحميل مسؤولية واقعنا الرديء لفصيل سياسي أو أيديولوجي دون آخر، فقد اجتهد المفكرون والسياسيون كل حسب تجربته الذاتية وسياقه التاريخي الموضوعي. فكل المدارس السياسية والفكرية حملت وتحمل جزءا من المسؤولية في ما آل إليه وضعنا العربي، ولعل أخطر إخفاق يكمن في فشل التوافق حول مسألة جوهرية وهي تحكيم العقل وعقلنة السياسة وتعصيرها على أساس الحكم للشعب ومن الشعب وعلى أساس النتائج لا الأيديولوجيا والشوفينية العرقية أو المذهبية.

أنا هنا للتساؤل معكم، متى نستيقظ من سباتنا نحن العرب؟ ولماذا كتب على كل حركات التنوير والنهضة والتجديد العربية بالفشل؟ لماذا نتغاضى عن أمهات القضايا لنخوض في رؤية الهلال ورضاعة الكبير؟ لماذا تطرح الأحزاب السياسية مثلا، في مزايدة مضحكة، مسألة تعريب التعليم كمسألة ذات أولوية (ولا أقبل مزايدة في العروبة ممن يسترشدون بالفكر القومي العروبي خطابا ويطعنونه وراء جدران السفارات الغربية)، مع يقينهم باستحالة تطبيقه وبأن تطبيقه في ظل تخلفنا العلمي والأدبي والثقافي انتحار حضاري؟

لقد أصيب العقل العربي بشلل نصفي منذ أن أعلن أبو حامد الغزالي (القرن 11 و 12 م)، الأب الروحي للسلفية، الحرب على العلوم العقلانية والنقدية والطبيعية فكفر الفارابي وابن سينا وكتب "تهافت الفلاسفة"... ولم تفلح ألمعية ابن رشد (القرن 12 م) ومحاولاته في إحياء تلك العلوم وإنصافها في "تهافت التهافت" في نفخ روح جديدة في العقل العربي وكان الأوروبيون هم من استفادوا من فلسفة ابن رشد فنهضوا بترجمة توماس الأكويني (Saint Thomas d'Acquin)، في القرن 13 م، لكل ما كتب ابن رشد من تفسير وشرح ونقد، لا نقل، لفلسفة أرسطو. وهكذا ستولد العقلانية الأوروبية فيما بعد مع ديكارت وليبنيتز وسبينوزا (القرن 17 م) ثم لاحقا فلسفة التنوير مع ديكارت وكانط وفولتير... تمهيدا للثورة الفرنسية وما تبعها من ثورات أوروبية في القرن 19.


وهنا علينا أن نتساءل، هل يمكن لثورة لم يسبقها عمل تنويري يؤسس لأرضية فكرية أصيلة وتتوفر على مناصرين من داخل الشعب أن تحقق أهدافها؟ أعرف أن الكثير سيتهم خطابي هذا ب"التعالي" وب"النخبوية"...؟ ولكن أليس من الشعبوية والنفاق بل ومن الإجرام أن تعد الأحزاب الشعب بالجنة على الأرض وهم يفتقرون لبرامج مجددة وناجعة ونابعة من الواقع لا مجرد اجترار لنظريات ونماذج أثبتت فشلها في أكثر من موطن؟
لماذا تحول جوهر الثورة من طبيعته الطبقية كصراع من أجل الوجود والكرامة والحرية إلى صراع فقهي؟ لماذا سكت الفكر ونطق التكفير؟ لماذا اغتيلت الأفكار بسلاح الفتاوى؟ لماذا تحول الصراع من صراع بين أقلية عائلية وإقطاعية موالية من جهة وشباب معدم ومفقر من جهة أخرى إلى حرب بين "إسلاميين ظلاميين" و"علمانيين كفرة"؟ ألم تسبق الثورة الفرنسية فلسفة تنويرية بينما سبقت ثورة 17 ديسمبر حملات دمغجة وقصف للعقول إما عبر قنوات الدعارة الممولة خليجيا أو قنوات بول البعير وحكم إرضاع الكبير الممولة أيضا... خليجيا؟
لماذا نخوض في كل شيء إلا في أصل الداء؟ ألا يضرب بمجتمعاتنا المثل في أقصى درجات الغنى وأشد حالات الفقر كما يقول العابدي؟ كيف حدنا بجوهر الثورة عن أصله ونحن أمة واحدة نعبد إلاها واحدا، قبلتنا واحدة ولغتنا واحدة؟ أما آن الأوان لنا أن نترك الجدل الفقهي المصطنع ونهجره ونتفرغ للعبادة الفعلية، أليس العمل عبادة في ديننا السمح؟ فمتى سنناقش المسائل الرئيسة، أي كيفية توزيع الدخل القومي بطريقة عادلة وناجعة بما يحقق الرخاء والعدل بعيدا عن الهبات والمعونات وما يصاحبها من إذلال وهيمنة؟ لماذا يعد العالم العربي أغنى أغنياء العالم وهم قلة قليلة أمام أفقر فقراء العالم وهم السواد الأعظم؟ لماذا تجتر أحزابنا النماذج الاقتصادية البالية والفاشلة وتنحني لإملاءات المؤسسات المالية العالمية التي لا تبحث إلا عن مزيد تفقير الشعوب وإحكام هيمنة الدول الاستعمارية عليها؟ لماذا التزمت حركة النهضة باتباع سياسات اتفاقية واشنطن وما تمليه من خيارات ليبرالية متوحشة أثبتت فشلها، ألم يكتب ستيغليتز (أمريكي متحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد) ما يثبت فشل هذه الخيارات في كتابه "Le Prix de L'Inégalité" لتصح مقولة "وشهد شاهد من أهلها"؟

نحن أمام نخبة سياسية تسعى أكثر إلى تحصين امتيازاتها وتأبيد سلطتها أكثر من تحصين العقول الذي يمر أولا عبر تحصين القوت وتوفير العمل والعدل في توزيع الثروة. إلا أن جزءا من هذه "النخبة" لا يهمه الانعتاق الاقتصادي للتونسيين، والذي هو أساس الانعتاق الحقيقي، بقدر ما يهمه الإبقاء على العقول في حالة تخدُّر لتمرير الخطابات الأيديولوجية وتجنيد الشباب المعدم في معارك حزبوية انتخابوية وأخرى إقليمية لا تخدم إلا أعداء الأمة. بل يمكن القول أن النخبة السياسية الحالية، سلطة ومعارضة، تريد أن تسجن الشعب في أحقادها الأيديولوجية وتقحمه في استكمال معارك الجامعات التي لن تنتهي إلا بخراب الوطن.

lundi 9 septembre 2013

لماذا يُحاكم وليد؟ لماذا تُحاكم الثورة؟

لماذا يُحاكم وليد؟
لماذا تُحاكم الثورة؟





وأنا أستمع، بكثير من الانتباه، إلى الندوة الصحفية التي عقدها اتحاد نقابات الأمن التونسي، تلقيت خبر إيقاف أخي وصديقي وليد زروق كاتب عام نقابة السجون والإصلاح مع دخوله في إضراب جوع وذلك على خلفية كشفه عن قائمة إسمية لأعضاء الأمن الموازي. لم أتفاجأ كثيرا وذلك لعدة أسباب، أولها هو ما دار من حديث بيني وبينه منذ يومين حول التهم الموجهة إليه وعزمه على المضي قدما في الدفاع عن مواقفه وآرائه لا يخاف في ذلك لومة لائم. وقد تيقنت من نبرات صوته أن لا شيء سيزحزحه عن طريق الصدح بالحق وفضح الفساد الذي استشرى في مؤسسة الأمن وتفرعاتها وأجهزتها بما في ذلك السجون والإصلاح الخاضعة لوزارة العدل.

ليست هذه المرة الأولى التي يقاضَى فيها وليد على معنى الفصل 128 من المجلة الجزائية (نسب أمور غير قانونية لموظف عمومي دون الإدلاء بما يثبت) رغم تقديمه لقرائن ووثائق وأسانيد تؤسس لما يقدمه من ملفات فساد مستشر في السجون والإصلاح. وفي الحقيقة، أشرت أعلاه لندوة اتحاد نقابات الأمن التونسي التي عقدت يوم 06 سبتمبر 2013 حتى أمهد لجملة من الملاحظات ذات صلة بقضية وليد زروق أسوقها بالتوالي:

- جاءت تصريحات النقابيين في الندوة المذكورة ملتبسة وقد اختار المتدخلون من أعضاء اتحاد نقابات الأمن الداخلي عدم الكشف عن الأسماء في العديد من المسائل الحيوية، وقد يعود ذلك إلى الخوف من التتبعات القضائية على معنى الفصل 128 من المجلة الجزائية على عكس وليد زروق الذي اختار الوضوح والشجاعة في الصدح بالحقيقة في ملف لم يعد يحتمل المواربة والمراوغة،
- أقر الأمنيون بعلمهم بوجود أبي عياض في جامع الفتح منذ الثامنة صباحا إلا أن التعليمات أمرت بالانسحاب وبعدم الالتحام، ولم يذكر النقابيون مصدر هذه التعليمات وخلفياتها؟ في تقديري، النهضة سعت إلى أن يظل أبو عياض طليقا لتُلبسَه كل الجرائم التي سترتكب لاحقا وتعلق على تنظيمه مسؤولية الجرائم الإرهابية اللاحقة وتبرير القمع تحت مسمى الحرب المقدسة على الإرهاب... إذ كيف نبرر غياب تبني أنصار الشريعة للاغتيالات وأحداث الشعانبي؟
- أقر الأمنيون بوجود ولاءات سياسية داخل الجسم الأمني مع تورط قياديين سامين في الإرهاب؟ وهنا نطالب بالكشف عن طبيعة هذه الولاءات ومدى تنظمها والتنسيق بينها؟ ولماذا لم يكشف عن أهم القيادات الأمنية المتورطة في ما يسمى بالأمن الموازي الذي فضحه وليد زروق وغيره من الصحفيين الاستقصائيين؟ وأين وصلت قضية فتحي دمق زما مدى ارتباطها بقضية الاغتيالات؟
- لماذا تم التغاضي عن آخر المستجدات في قضية الاغتيالات وإقرار كل المحالين في هذه القضايا بعدم مقابلتهم مع أبي عياض ووساطة أبي بكر الحكيم في بيعة أبي عياض باليمن؟ أليس من تقاليد التنظيمات الإرهابية تبني أعمالها والتسويق لها إعلاميا؟ فما سبب غياب أي تبن من قبل تنظيم  أنصار الشريعة للأعمال الإرهابية؟ ومتى كانت صفحات التواصل الاجتماعي مصدرا موثوقا تعتمد عليه الأجهزة الأمنية؟
- ما هو موقف هذه النقابات من استدعاء محققين من ال ف.بي.آي لحضور جلسات استماع لمتهمين تونسيين في تعد سافر على السيادة الوطنية وما هو رأي الأمنيين في جدوى إحداث منطقة عسكرية مغلقة في الجنوب وعلى الحدود الغربية؟
- تحدث النقابيون عن غياب استقلالية النيابة العمومية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولم يتحدثوا عن تداخل السياسي بالقضائي بالمالي. فمن أذن بالتحقيق في حق وليد زروق هو السيد طارق شكيوة، زوج السيدة وداد بوشماوي، الذي عينه السيد نور الدين البحيري كوكيل للجمهوية بمحكمة تونس، وهو منصب شبه سياسي في إحدى أكبر محاكم الجمهورية التي احتضنت تاريخيا كل قضايا الرأي،
- لماذا لم يتم التطرق إلى هوية مسرِّب محاضر التحقيقات إلى الإرهابيين؟
- لماذا تم التغاضي عن ترقية السيد محرز الزواري (الذي لم يذكر إسمه البتة في الندوة الصحفية)، زعيم الأمن الموازي والذي تم إبعاده، تحت الضغط الإعلامي، عن إدارة المصالح المختصة إلى المدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي التي تكوِّن الإطارات والضباط السامين في الأمن الداخلي مما سيمكنه من بث سمومه والتأسيس، منذ المهد، للولاء لحركة النهضة وخدمة أجندتها الحزبية؟ (لا أحتاج هنا إلى التذكير بدور السيد محرز الزواري في إفشال عمليات مطاردة الإرهابيين)،
- ماهي المعلومات المتوفرة لدى استعلامات الأمن الداخلي حول هوية الأطراف التي كانت وراء تسريح رجل الأعمال الذي كان يدفع كراء وكر أبي بكر الحكيم والذي تجمعه علاقة قرابة بالسيد الطاهر العياري المنتمي لحركة النهضة والمسؤول عن أمن مقرها؟
- لماذا لم يتم الكشف عن إحدى أهم الملفات وهو ملف الجمعيات الداعمة للإرهاب، الممولة خليجيا، والتي كشفت عنها خلية الأزمات التي تم وضعها إبان مقتل الشهيد شكري بلعيد؟ لماذا تتستر وزارة الداخلية عن الأسماء؟ هل أن وجود جمعيات عنيفة موالية للنهضة وراء هذا التستر والخوف؟
- لماذا تم السكوت عن الإخلالات التي شابت عمل خلية الأزمة الخاصة بالشعانبي والمتكونة من أمنيين وعسكريين، تحت مسؤولية وحيد التوجاني؟ وهل كان التوجاني حريصا على نقل المعلومة والتنسيق مع العسكريين؟

كل هذه الأسئلة أسوقها أمام الرأي العام حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته وحتى لا يكون وليد زروق كبش فداء على مائدة الصفقات السياسية القذرة تحت مسمى الحرب على الإرهاب. فلنساند وليد زروق ولندفع كلنا نحو كشف أرشيف البوليس السياسي وكشف كل الحقيقة حول جرائم الدولة التي ترتكب كل يوم في حق تونس وفي حق الثورة.


عاشت تونس حرة أبية
عاشت الثورة
أيوب المسعودي

09 سبتمبر 2013

jeudi 5 septembre 2013

عندما تتحول الجمعيات إلى حصان طروادة للنهب والسلب

عندما تتحول الجمعيات إلى حصان طروادة للنهب والسلب

أيوب المسعودي
05 سبتمبر 2013






انحصرت جل المبادرات التي تقدمت بها الأطراف السياسية والاجتماعية على الجانب الفني الإجرائي الإداري للخروج من الأزمة مع الحد من خطر ما يسمى "الفراغ"، وقد كانت كلها تتمحور حول كيفية تحييد الجهاز التنفيذي في إدارة المرحلة المتبقية والتي تفصلنا عن الانتخابات التي تريد كل القوى السياسية لها أن تأتي في أقرب الآجال. وإن كان مطلب تحييد السلطة التنفيذية والتسريع في الانتخابات مطلبا مشروعا بالنظر لانسداد الأفق السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فإن ما يسمى بالحوار الوطني وجملة القضايا المطروحة على الساحة السياسية حاليا أغفلت إحدى أوكد المسائل وهي مسألة تمويل الجمعيات. ولما كان المجتمع المدني أداة لدى نظام 07 نوفمبر لتطويق المجتمع وابتزاز الفئات المفقرة والمعدمة، توجب الانتباه إلى استنساخ حكومة الترويكا لهذه السياسات الإجرامية بتفريخ عدد من الجمعيات الموالية التي أغدقتها الحكومة بالدعم المالي واللوجستي مقابل محاصرة جمعيات وطنية تأبى أن تُطوع وأن تتحول إلى أداة في يد السلطان.

العمادات وسياسة التطويق الاجتماعي

وصلتني البارحة رسالة من صديق يقطن بإحدى عمادات الشمال الغربي يشتكي فيها من سياسة المحاباة التي يعاني منها الأهالي وآخر تجلياتها توزيع الهدايا على نوابغ الحزب الحاكم دون غيرهم واستئثار العائلات "الموالية" بالمساعدات الاجتماعية (آخرها منحة ب450 دينار) على حساب العائلات المعوزة التي هي في حاجة ماسة إليها... هذه قطرة من بحر من الممارسات التجمعية التي تطال الوظائف العمومية والتشغيل في الحضائر ومنح رخص المشاريع والقروض...


الولايات : وكر التمويلات على أساس الولاءات

في أواخر ماي من هذه السنة، نظمت رابطة الحريات والتنمية البشرية (الجمعية التي أرأسها) وقفة احتجاجية تعبيرا عن رفض مشروع برنامج لإعادة هيكلة جامعة جندوبة... على إثر هذا التحرك الناجح، استقبلنا المعتمد الأول نيابة عن الوالي للتحادث في موضوع الهيكلة وتداعياته على الجهة والمؤسسات التعليمية وسبل الضغط من أجل التراجع عن مشروع سيضر بالولاية على أكثر من صعيد.
في الحقيقة، لم يكن ذلك أكبر همنا في اجتماعنا ذاك، ذلك أن الحشد الشعبي والضغط الإعلامي الذي نجحنا في تحقيقهما دفعا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى التبرؤ من المشروع وربما تأجيل النظر فيه إلى أجل غير معلوم... ولم نكن ننتظر من الإدارة الضعيفة لولاية الكاف أن تكون طرفا فاعلا في هذا الملف.
كان القصد في اجتماعنا بالمسؤولين في الولاية التأكيد على ضرورة التجاوب مع مطالبنا الملحة والمتكررة بمدنا بجرد كامل ومفصل في التمويلات التي منحت، من قبل الولاية، للجمعيات في ولاية الكاف منذ أكتوبر 2011 مع بيان قائمة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة لها والإطار الذي تم فيه توزيع تلك الأموال... وقد راجت في تلك الفترة أنباء عن توزيع ما يقارب ال 500 ألف دينار على الجمعيات في ظروف من التعتيم والضبابية التي حتمت علينا، كجمعية وطنية ومسؤولة، استقصاء الأمر وتجليه مباشرة لدى المسؤولين.
بعد استقبالنا بحفاوة منقطعة النظير من قبل المعتمد الأول وخوض سطحي في مسألة الجامعة، كان الحرج واضحا على ملامحه حالما وجهت عتابي إلى الولاية على تراخيها وتقصيرها في التفاعل مع مراسلتنا الرسمية بتاريخ 16 أفريل 2013 (أي منذ ما يقارب الشهر ونيف قبل اجتماعنا هذا). بعد الثناء على الرابطة كجمعية تحظى بالاحترام والتقدير على العمل الجاد الذي تقدمه.... ومحاولات يائسة لتبرير التأخير والمماطلة لم تنل من عزمنا وإصرارنا على المطالبة بحقنا كمجتمع مدني في مراقبة حسن استغلال ثروات المجموعة الوطنية الموضوعة تحت تصرف الولاية، انتهى السيد المعتمد الأول، في محاولة أخيرة لإسكاتنا، إلى وعدنا بتخصيص جزء من "تفتوفة" (هكذا قال) من المال ستوزع قريبا على الجمعيات وكأننا جئناه استعطاء أو طمعا في نصيب من الكعكة. أوفياء كعادتنا للقيم والأهداف التي تأسست عليها الرابطة، لم نتردد في وضع النقاط على الحروف مع السيد المسؤول معربين عن رفضنا لأي تمويل من الولاية لا يحترم مبدأي الشفافية والعدل في التصرف في الأموال المخصصة للجمعيات مؤكدين في نفس الصدد على ضرورة مدنا، في أقرب الآجال، بجرد في تمويل الجمعيات لسنتي 2012 و 2013 وذلك تفعيلا للمرسوم عدد 41 مؤرخ في 26 ماي 2011 والمتعلق بحق النفاذ إلى الوثائق الإدارية.
إلى يوم كتابة هذه الأسطر، أي بعد مرور أربعة أشهر كاملة، لم تتلق الرابطة أي رد من الولاية على هذا المطلب الهام!


من الولايات إلى الوزارات

علما منا برصد وزارة المرأة لتمويلات موجهة للمشاريع التشغيلية التي تقترحها الجمعيات لفائدة المرأة الريفية، انكبت مجموعة من أعضاء الرابطة على إعداد أكثر من مقترح لمشاريع صغرى لصالح المرأة الريفية، وقد تم ذلك بالتعاون مع أخصائيين في التنمية والفلاحة لاستيفاء المعايير العلمية والعملية للدراسات المقدمة، كما كان لأعضاء الرابطة زيارات ميدانية ومعاينات لظروف عيش بعض العائلات المعوزة لتحديد قائمة من المرشحين للتمتع بالتمويل.
وقد راهنت الرابطة على هذه المشاريع إيمانا منها بدور المجتمع المدني كرافعة للتنمية المحلية والجهوية وانطلاقا من حسها الوطني بالمسؤولية وعملا على تحقيق أحد أهم أهداف الرابطة وهو التنمية البشرية في كل أبعادها وأولها البعد الاقتصادي، ذلك أن الرابطة تؤمن بأنه لا انعتاق ولا تحرر ولا حرية إلا بالانعتاق الاقتصادي والاجتماعي الذي يحرر المواطن من أسر الخوف والقمع الاقتصادي الذي هو أداة الاستبداد الأولى.

وقد قدمت الرابطة ملفات الدراسات المفصلة إلى وزارة المرأة منذ ديسمبر 2013 لتبدأ منذ ذلك الوقت سلسلة من التسويف والمماطلة والتجاهل لم تنقطع إلى يوم كتابة هذه الأسطر. وقد تعاملت الرابطة بكامل الحرفية والإيجابية مع الوزارة وأبدت استعدادا للقيام بأي إجراءات من شأنها أن تسرع وتسهل التعاطي مع هذه المشاريع التي تصل طاقة تشغيلها إلى قرابة الخمسين مرأة ريفية (هذا دون احتساب المنتفعين غير المباشرين المقدر عددهم بالمآت).
ما زاد الطين بلة هو رفض وزارة المرأة ومماطلتها في عقد اتفاقية شراكة مع الرابطة مفضلة محاباة الجمعيات الموالية كتونس الخيرية التي يترأسها شقيق الأمين العام لحزب السيدة الوزيرة (وهي فرع لمؤسسة قطر الخيرية التي تغدق عليها ملايين الدينارات). وقد علمنا لاحقا أن نفس هذه الجمعية أطلقت في أكتوبر 2012، تحت إشراف وزارة المرأة، حملة توزيع دراجات هوائية رفيعة النوع لفائدة عدد من الأطفال في مناطق داخلية... (المصدر 1).

إن رفض تمويل مشاريع مشغلة تحقق الانعتاق الاقتصادي لعدد من العائلات بتوفير دخل قار مع إنتاج الثروة وتبجيل الهبات والعطاءات في حملات دعائية ذات خلفيات سياسوية ترمي إلى الإبقاء على حالة التبعية الاقتصادية للفئات المعدمة لينم عن عقلية استعبادية لفظتها ثورة 17 ديسمبر. ذلك أنه في نظر الرابطة، من الأجدر تحقيق الاستقلالية الاقتصادية عبر توفير مورد رزق قار لهذه العائلات لتمكينها من شراء الكتاب والقلم والدراجة والمأكل والمشرب... بعيدا عن أي ابتزاز سياسي. ذلك هو السبيل الأوحد للتحرر الحقيقي.

وفي إحدى الاجتماعات الفلكلورية التي عقدتها الترويكا مع جمعيات بالجهة، حضر وفد من الرابطة لغايتين لا ثالث لهما: أولا تعبيرنا عن رفضنا لسياسات تدجين المجتمع المدني بعد ثورة 17 ديسمبر، وثانيا، حتى نكون إيجابيين وعمليين كعادتنا، اقترحنا سن قانون يفرض على الوزارات والجماعات المحلية والجهوية، إعطاء الأولوية للمشاريع المشغلة عند توزيع التمويلات على الجمعيات وذلك في إطار الشفافية التامة...

من الوزارات إلى الرئاسة

من مصادر من صلب رئاسة الجمهورية، وصلتني معلومات بوجود انتقائية واضحة في اختيار الجمعيات التي تتمتع بمساعدات وتمويلات وذلك على أساس الانتماء والولاء السياسين في تعد صارخ لمبدأ حياد مؤسسة الرئاسة وهو ما يتطلب فتح تحقيق عاجل في كيفية التصرف في المال العام المرصود للمجتمع المدني وذلك من أدنى السلم على مستوى العمادات إلى المعتمديات فالولايات والوزارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية.


إنني على يقين بأنه، وسط الإفلاس السياسي لنخبة سياسية مهترئة ومتهرمة، على المجتمع المدني أن يضع كل ثقله لفضح الجرائم التي ترتكب في حق الشعب والثورة من أجل مغانم شخصية وفئوية لا تخدم المفقرين والمعدمين الذين ثاروا من أجل الخبز والحرية والكرامة الوطنية.

lundi 2 septembre 2013

صفقة الشيخين - وما وراء الأكمة؟

صفقة الشيخينوما وراء الأكمة؟


02 سبتمبر 2013
أيوب المسعودي






تذكير

منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر، نشرت مقالا تحت عنوان "صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي" (1) تحدثت فيه عن ما يحاك من مخططات تهدف إلى إعطاء هامش من المناورة السياسية لحركة النهضة، مناورات وفرقعات غطت على عملية سطو على الثورة دار رحاها في دار الضيافة بعيدا عن الأضواء لتسوية "الخلافات السياسية" وتمرير دستور الجماعة مقابل مشاركة جزء من "النخبة" في السلطة والامتيازات. وهي صفقة تم تمريرها تحت غطاء الوفاق الوطني الكاذب بمشاركة أحزاب و"شخصيات وطنية" وأخرى تجمعية وأخرى انتهازية لا وزن واقعي لها باسم الوحدة المقدسة ضد خطر الإرهاب الداهم... لم يتغير شيء منذ ذلك التاريخ مقابل تمادي الحزب الحاكم في تشجيع العنف المادي والمعنوي والترهيب والإرهاب بما يسمح له بالتموقع في الوسط كحزب يميني "معتدل محافظ" وكخيار ضد التطرف والغلو.

الحوار من أجل الحوار

بعد الاغتيال الجبان للشهيد محمد البراهمي، قررت حركة النهضة تغييرا طفيفا في الشخوص والأدوار والديكور، دون المساس بالسيناريو، لتسحب البساط من تحت أحمد نجيب الشابي وتجعل من الباجي قائد السبسي رجل المرحلة ومن نداء تونس شريكا ممكنا. حركة النهضة لم تقتصر على ذلك بل سحبت البساط من تحت حليفها العضوي، المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي كان من أشرس المدافعين عن قانون تحصين الثورة ليعلن شيخ مونبليزير عن تخليه عن هذا القانون ودعوته رئيس الجمهورية إلى الاستقالة في حال وجود نية للترشح إلى الرئاسيات القادمة. أما بالنسبة للديكور، فقد اختارت النهضة، بعد طول جفاء، القبول باتحاد الشغل إطارا للتفاوض كبديل عن قرطاج، هذا على الأقل على مستوى الظاهر، قبل أن ينكشف الإطار الحقيقي للمفاوضات الفعلية، تلك التي جمعت شيخي السياسة التونسية في باريس... التفاوض؟ على ماذا؟ وما الذي تخفيه صفقة الشيخين؟
في الحقيقة، لدي قناعة راسخة، عبرت عنها مرارا ومنذ زمن بعيد، بحتمية تقارب حركة النهضة وحركة نداء تونس كحزبين رجعيين (بالمفهوم السياسي والاقتصادي) تجمعيين، الأول تحت غطاء ديني والثاني تحت غطاء بورقيبي حداثوي. حركة النهضة، كما نداء تونس، كانا يتحينان التوقيت الأنسب للإعلان عن هذه التقاربات، في انتظار ذلك، عمل الطرفان على تأجيج الاستقطاب الثنائي من أجل تشطير المجتمع وتقسيم الناخبين تمهيدا لتقسيم كعكة السلطة، وقد استنجدوا في ذلك بترساناتهم المالية والإعلامية وتحالفاتهم الأجنبية المشبوهة، لا تغركم في ذلك الخطابات الأيديولوجية المنمقة الزائفة التي تبدي في ظاهرها اختلافا جوهريا والرامية في باطنها إلى تهييج الشارع ودغدغة مشاعر الخوف عند شق من الشعب والانزواء الهوياتي عند الشق المقابل.
لن أتحدث عن الحوار الذي احتضنه اتحاد الشغل، وإن كنت لا أشكك في صدق الاتحاد في محاولة الولوج إلى حل للأزمة، فهو في تقديري يخدم بصفة غير مباشرة حركة النهضة ويعطي غطاء للمفاوضات الحقيقية التي تدور تحت رعاية سفارات أجنبية وفي فضاءات مغلقة بين مونبليزير وقرطاج. وإذا نظرنا بتبصر وتمعن في ما رشح من مفاوضات باريس، نجد أن الشيخين "تفاهما على كل شيء" حسب قول راشد الغنوشي الذي لم يترك للاتحاد وأحزاب المعارضة إلا التزكية والمباركة.
لتلخيص ما جاد به الشيخان من معلومات حول تفاهمات باريس، يمكن القول أن النهضة والنداء اتفقا على طي صفحة الماضي والانتقال من التجاذب إلى التوادد مع ما يستتبعه ذلك من تنازلات من قبل حركة النهضة كإسقاط مشروع قانون تحصين الثورة وعدم تقديم مرشح للرئاسيات القادمة واتفاق الرجلين على عدم "فتح الملفات" وتجاوز الماضي... علاوة على ما يجب أن نقرأه بين ثنايا الكلام والمصطلحات المستخدمة خاصة في كلام الباجي قائد السبسي وحديثه عن تقاطع التوجهات الاقتصادية للحزبين وتذكيره بقمة الثمانية في دوفيل ومخطط الياسمين الذي أعدته حكومته والتي واصلت حكومة الجبالي في العمل به قبل أن تأتي حكومة العريض وتشرع في تنفيذه فعليا (مشروع الإصلاح الهيكلي، الزيادة في سعر المحروقات ومواد أساسية أخرى...).

ما وراء الأكمة؟

طبيعة التفاهمات التي أفرزها لقاء باريس يطرح جملة من التساؤلات أهمها مدى اتساق هذه الصفقة مع استحقاقات الثورة وانتظارات الجماهير. ألم يكن المراد من وراء تعفين المناخ السياسي والاقتصادي والترهيب والإرهاب ودفع الاستقطاب الأيديولوجي إلى أشده هو تهيئة الرأي العام وأنصار القطبين للقبول بالتقارب كضرورة مرحلية لإزاحة خطر الإرهاب الداهم والتأزم الاقتصادي وانهيار الدولة؟
ثم ما معنى أن يتفق رجلان على إغلاق ملفات الماضي وتبادل التطمينات بعدم التتبع وإثارة القضايا والمحاسبة؟ أليس ذلك تفصيا من المسؤولية واغتيالا للثورة واعتداء على الذاكرة الوطنية وحق الشعب في محاسبة جلاديه القدامى والجدد؟ هل سيوافق الشعب الثائر على إسقاط حق أجيال من المعارضين والمناضلين الوطنيين من اليساريين والشيوعيين إلى القوميين إلى اليوسفيين إلى الإسلاميين في القصاص ممن عذّبهم واغتالهم وأذلّهم؟ من له المصلحة في قبر أرشيف البوليس السياسي ولماذا التستر على أعمدة الفساد المالي والسياسي في العهد البائد لولا تورط الرجلين؟ هل فوض شباب الثورة والشهداء والجرحى هذه الديناصورات السياسية للتفاوض على حقهم في محاسبة القتلة وكشف حقيقة القناصة واسترداد الكرامة والاعتبار؟ هل فوض شباب سليانة الشيخين للتفاوض على غلق ملف الرش؟ هل فوضت عائلات العسكريين وأعوان الحرس البواسل الذين ابتلوا في فلذات أكبادهم هاذين المجرمين لغض الطرف عن حقيقة جرائم الشعانبي وتشعباتها ودور قوى سياسية فيها؟ هل تخلت "المعارضة" عن حق القصاص من الشهيدين بلعيد والبراهمي؟
هذا على مستوى المعلن، أما المضمر فهو في رأيي أدهى وأمر. إذ أن سكوت الرجلين عن مسألة الدستور والانتخابات يشي بحقيقة الصفقة التي قد يكون جوهرها مباركة الدستور والنظام السياسي والانتخابي (وهو ما بدأ في دار الضيافة أيضا) مقابل المشاركة في السلطة وقبر الملفات الحارقة كمحاسبة المسؤولين السياسيين عن جرائمهم قبل وبعد 14 جانفي، لتكون الضحية الأولى في كل ذلك هو الشعب الذي تم تهميش دوره في تحديد مصيره ودستوره ونظام حكمه وأولويات المرحلة.
كما أن جل المبادرات التي تقدمت بها الأطراف السياسية والاجتماعية اقتصرت على الجانب الفني الإجرائي الإداري للخروج من الأزمة مع الحد من خطر ما يسمى "الفراغ"، وقد كانت كلها تتمحور حول كيفية تحييد الجهاز التنفيذي في إدارة المرحلة المتبقية والتي تفصلنا عن الانتخابات التي تريد كل القوى السياسية أن تأتي في أقرب الآجال. وإن كان مطلب تحييد السلطة التنفيذية والتسريع في الانتخابات مطلبا مشروعا بالنظر لانسداد الأفق السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن حصر الصراع الحالي في إطار التسابق على السلطة بتوفير شروط المشاركة السياسية لنخبة سياسية جديدة، بل يجب أن يكون الصراع صراع أفكار واقتراحات تلبي المطابل الحقيقية لثورة 17 ديسمبر، ولا يمكن تنظيم انتخابات قبل حلحلة الملفات التالية:


- ملف تمويل الجمعيات : لقد شهدت تونس، بفعل ثورة 17 ديسمبر، انفجارا لعدد الجمعيات المدنية. وإن كان ذلك مؤشرا لديناميكية المجتمع التونسي وإرادة استرداد المواطنة المسلوبة، فلا يمكن تجاهل العدد الهائل للجمعيات التي تعمل وفق أجندات حزبية وتحظى بتمويلات حكومية مشبوهة مقابل محاصرة جمعيات وطنية تأبى أن تطوع وأن تتحول إلى أداة في يد السلطانأن. ولما كان المجتمع المدني أداة لدى نظام 07 نوفمبر لتطويق المجتمع وابتزاز الفئات المفقرة والمعدمة، توجب مطالبة كل مؤسسات الدولة من العمادات إلى المعتمديات إلى الولايات إلى الوزارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية بنشر جرد كامل ومفصل في التمويلات التي منحت للجمعيات مع بيان قائمة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة لها والإطار الذي تم فيه توزيع تلك الأموال منذ 23 أكتوبر 2011،
- النظام الانتخابي : كنت نبهت وأشرت إلى خطورة تفويض مسألة وضع النظام الانتخابي إلى المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه الأحزاب السياسية. ما أقترحه هو تكليف لجنة خبراء دستوريين مصغرة بوضع قانون انتخابي يرتكز على مبدأ قرب الناخب من المترشح ولعل نظام الانتخاب على الأفراد وفي دوائر صغيرة هو الأمثل والأكثر ديمقراطية وتمثيلا والأنسب للأحزاب والأشخاص ذوي الإمكانيات المادية المحدودة، ذلك أن تكاليف الحملات الانتخابية في دوائر صغيرة (بحجم المعتمديات) هي أقل تكلفة وأكثر نجاعة من حيث القرب والتواصل. إن توافق "النخبة" حول قانون انتخابي مبني على نظام النسبية مع أكبر البقايا إنما يرمي إلى حفاظ هذه "الأوليغارشية السياسية الحزبية" على امتيازاتها مع تهميش الشباب والكفاءات الغير متحزبة،
- منح حكومة الكفاءات صلاحية التدقيق في كل التعيينات التي طالت الإعلام والإدارة والوزارات والولايات والمعتمديات على أساس الولاء الحزبي منذ 23 أكتوبر 2011 ومراجعتها قبل الانتخابات،
- كشف أرشيف البوليس السياسي وهو ما من شأنه تحصين الثورة وكشف حجم الجرائم التي اقترفها النظام المخلوع وحلفاؤه في الداخل والخارج،
- رد الاعتبار لشهداء وجرحى الثورة وإكرامهم بحلحلة مشاكلهم الصحية والاجتماعية وحسم قضايا القتل والقنص وكشف كل ملابساتها عبر إحالة ملفات قتل الشهداء على القضاء العدلي المدني،
- التطبيع مع الصهيونية : ضرورة المطالبة بدسترة التجريم الصريح لكل أشكال التطبيع مع الصهيونية والكيان الصهيوني،
- تعديل الفصول الخاصة بالرقابة اللاحقة لقرارات الجماعات المحلية والجهوية والتي تفرغ مبدأ الانتخاب من مضمونه،
- إلغاء خطتي الوالي والمعتمد وتعويضهما بمجالس جهوية ومحلية منتخبة،
- إقرار مبدأ الديمقراطية التشاركية كمكمل للديمقراطية المحلية مع ضرورة تشريك المجتمع المدني في المجالس المحلية والجهوية،
- إقرار آلية دستورية لتفعيل الديمقراطية التشاركية المباشرة كمنح 5% من الناخبين حق اقتراح مشاريع القوانين على المجلس التشريعي أو مساءلة الوزراء.