vendredi 13 septembre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1

في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في "حوار المشرق والمغرب"، وهو كتاب يجمع جملة النقاشات الفكرية والسياسية التي جمعته مع نظيره المصري الدكتور حسن حنفي، قائلا "فنحن أمة واحدة تاريخا، ووطنا، وأرضا، وشعبا، وثقافة، وهمّا، وحاضرا ومستقبلا. تجزئتنا إحدى مآسينا، وتفرقتنا نتيجة لاستعمارنا وأحد أسباب عجزنا عن مقاومة أشكال الاستعمار الجديدة. حدود مصطنعة، ودول مزعومة، ونظم غير مستقرة، ليس لها نظرية أممية أو قومية أو ووطنية. ملكيات وراثية يرضى عنها البعض، ونظم ثورية إثر انقلابات عسكرية يعاني منها الكثير، وكلاهما تنقصه نظرية في العقد الاجتماعي تفسر نشأة السلطة".





ما أحوجنا إلى مثل هذه الحوارات في زمن عسكرة العقول واصطفاف الضمائر

ما لفت انتباهي من جديد إلى هذا الكتاب وجعلني أعود إلى تصفحه، علاوة على ألمعية المتحاورين ، هو اتساق القضايا والأطروحات المتناولة مع حاضرنا العربي حتى ليخيل لك، وأنت تقرأ الكتاب، أن الحوار لم ينته وأن حركة التاريخ قد توقفت، على الأقل في عالمنا العربي. فالفقر والتخلف والتبعية ما يزالون يطبعون حاضرنا حاجبين أي أفق للانعتاق أو التحرر الحقيقي مقابل تأجيج الطائفية والتطرف وما يترتب عن ذلك من تشطير للأمة فكرا وكيانا وجغرافيا من أجل تجزئة المجزء وإحكام هيمنة المستعمر على السياسة ثم الثروة.


لقد رجع المفكران إلى تحديات عصر النهضة العربية، للوقوف على أسباب إخفاق المحاولات الإصلاحية الصادقة لمفكرين عرب بدءا بالأفغاني وصولا إلى محمد عبده والكواكبي وأرسلان وغيرهم كثيرون من أولئك الذين عايشوا بداية انهيار الامبراطورية العثمانية وخوف الأمة من اندثارها ونهاية دورها الحضاري. وفي الحقيقة فقد صاحب هذه الحركة "العربية" اعتقاد راسخ بدور التتريك والإسلام السياسي العثماني في تقهقر الحضارة الإسلامية فكان أن نادى العديد إلى كسر مركزية الدولة وعقلنة السياسة وإرساء الحرية وتحكيم العقل. ومع ظهور القومية التركية و"تركيا الفتاة" ودور إدارة المستعمرات البريطانية في حركة الشريف حسين تحت مسمى "الثورة العربية الكبرى"، تحقق المحتوم أي انفصال الدول العربية عن الامبراطورية العثمانية المنهارة ونشأة الحركات الوطنية المنادية باستقلال "الأقطار" ومقاومة الاستعمار. ومع ميلاد الدول الوطنية القطرية المستقلة، حرصت الدول الاستعمارية أولا على دعم حركات أصولية ستلعب دور الإزعاج والابتزاز لبعض الأنظمة القومية لاحقا أو تنصيب وكلاء محليين يضمنون حماية مصالحها بعد خروجها "جغرافيا" لبقاءها "سياسيا". وستعمل المخابرات الغربية طوال عقود بعد ذلك على حبك المخططات وبث الفتنة داخل الأنظمة العربية أو بينها لدفعها إلى الاحتراب وثنيها عن طريق الوحدة والاتحاد. فكما سعت فرنسا مثلا إلى السيطرة المتواصلة على إفريقيا الغربية عبر ابتزاز الأنظمة بتمويل وتسليح المتمردين أو دعم المعارضين وتأجيج الصراعات العرقية، حرصت المخابرات البريطانية والأمريكية على خلق التوجس والفرقة داخل الجسم العربي وخاصة في دول الخليج التي تسابقت للتسلح وفتح أبوابها أمام القواعد العسكرية الأمريكية لحماية عرش العائلات الحاكمة من الشعب الجائع أو الجيران "المتآمرين".

كما أن الحوارات المنشورة للعابدي وحنفي ناقشت قضايا الثمانينات وبداية التسعينات وما رافق هذه الحقبة من تزايد لشعبية الحركات الإسلامية مع الثورة الإيرانية وفشل الأنظمة "القومية" في تحقيق تطلعات الشعوب من تحرر واستقلال فعليين. الكل يعرف ما آلت إليه محاولات الحركات الإسلامية التي حاولت هنا وهناك المشاركة في العملية السياسية.

لست هنا لتحميل مسؤولية واقعنا الرديء لفصيل سياسي أو أيديولوجي دون آخر، فقد اجتهد المفكرون والسياسيون كل حسب تجربته الذاتية وسياقه التاريخي الموضوعي. فكل المدارس السياسية والفكرية حملت وتحمل جزءا من المسؤولية في ما آل إليه وضعنا العربي، ولعل أخطر إخفاق يكمن في فشل التوافق حول مسألة جوهرية وهي تحكيم العقل وعقلنة السياسة وتعصيرها على أساس الحكم للشعب ومن الشعب وعلى أساس النتائج لا الأيديولوجيا والشوفينية العرقية أو المذهبية.

أنا هنا للتساؤل معكم، متى نستيقظ من سباتنا نحن العرب؟ ولماذا كتب على كل حركات التنوير والنهضة والتجديد العربية بالفشل؟ لماذا نتغاضى عن أمهات القضايا لنخوض في رؤية الهلال ورضاعة الكبير؟ لماذا تطرح الأحزاب السياسية مثلا، في مزايدة مضحكة، مسألة تعريب التعليم كمسألة ذات أولوية (ولا أقبل مزايدة في العروبة ممن يسترشدون بالفكر القومي العروبي خطابا ويطعنونه وراء جدران السفارات الغربية)، مع يقينهم باستحالة تطبيقه وبأن تطبيقه في ظل تخلفنا العلمي والأدبي والثقافي انتحار حضاري؟

لقد أصيب العقل العربي بشلل نصفي منذ أن أعلن أبو حامد الغزالي (القرن 11 و 12 م)، الأب الروحي للسلفية، الحرب على العلوم العقلانية والنقدية والطبيعية فكفر الفارابي وابن سينا وكتب "تهافت الفلاسفة"... ولم تفلح ألمعية ابن رشد (القرن 12 م) ومحاولاته في إحياء تلك العلوم وإنصافها في "تهافت التهافت" في نفخ روح جديدة في العقل العربي وكان الأوروبيون هم من استفادوا من فلسفة ابن رشد فنهضوا بترجمة توماس الأكويني (Saint Thomas d'Acquin)، في القرن 13 م، لكل ما كتب ابن رشد من تفسير وشرح ونقد، لا نقل، لفلسفة أرسطو. وهكذا ستولد العقلانية الأوروبية فيما بعد مع ديكارت وليبنيتز وسبينوزا (القرن 17 م) ثم لاحقا فلسفة التنوير مع ديكارت وكانط وفولتير... تمهيدا للثورة الفرنسية وما تبعها من ثورات أوروبية في القرن 19.


وهنا علينا أن نتساءل، هل يمكن لثورة لم يسبقها عمل تنويري يؤسس لأرضية فكرية أصيلة وتتوفر على مناصرين من داخل الشعب أن تحقق أهدافها؟ أعرف أن الكثير سيتهم خطابي هذا ب"التعالي" وب"النخبوية"...؟ ولكن أليس من الشعبوية والنفاق بل ومن الإجرام أن تعد الأحزاب الشعب بالجنة على الأرض وهم يفتقرون لبرامج مجددة وناجعة ونابعة من الواقع لا مجرد اجترار لنظريات ونماذج أثبتت فشلها في أكثر من موطن؟
لماذا تحول جوهر الثورة من طبيعته الطبقية كصراع من أجل الوجود والكرامة والحرية إلى صراع فقهي؟ لماذا سكت الفكر ونطق التكفير؟ لماذا اغتيلت الأفكار بسلاح الفتاوى؟ لماذا تحول الصراع من صراع بين أقلية عائلية وإقطاعية موالية من جهة وشباب معدم ومفقر من جهة أخرى إلى حرب بين "إسلاميين ظلاميين" و"علمانيين كفرة"؟ ألم تسبق الثورة الفرنسية فلسفة تنويرية بينما سبقت ثورة 17 ديسمبر حملات دمغجة وقصف للعقول إما عبر قنوات الدعارة الممولة خليجيا أو قنوات بول البعير وحكم إرضاع الكبير الممولة أيضا... خليجيا؟
لماذا نخوض في كل شيء إلا في أصل الداء؟ ألا يضرب بمجتمعاتنا المثل في أقصى درجات الغنى وأشد حالات الفقر كما يقول العابدي؟ كيف حدنا بجوهر الثورة عن أصله ونحن أمة واحدة نعبد إلاها واحدا، قبلتنا واحدة ولغتنا واحدة؟ أما آن الأوان لنا أن نترك الجدل الفقهي المصطنع ونهجره ونتفرغ للعبادة الفعلية، أليس العمل عبادة في ديننا السمح؟ فمتى سنناقش المسائل الرئيسة، أي كيفية توزيع الدخل القومي بطريقة عادلة وناجعة بما يحقق الرخاء والعدل بعيدا عن الهبات والمعونات وما يصاحبها من إذلال وهيمنة؟ لماذا يعد العالم العربي أغنى أغنياء العالم وهم قلة قليلة أمام أفقر فقراء العالم وهم السواد الأعظم؟ لماذا تجتر أحزابنا النماذج الاقتصادية البالية والفاشلة وتنحني لإملاءات المؤسسات المالية العالمية التي لا تبحث إلا عن مزيد تفقير الشعوب وإحكام هيمنة الدول الاستعمارية عليها؟ لماذا التزمت حركة النهضة باتباع سياسات اتفاقية واشنطن وما تمليه من خيارات ليبرالية متوحشة أثبتت فشلها، ألم يكتب ستيغليتز (أمريكي متحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد) ما يثبت فشل هذه الخيارات في كتابه "Le Prix de L'Inégalité" لتصح مقولة "وشهد شاهد من أهلها"؟

نحن أمام نخبة سياسية تسعى أكثر إلى تحصين امتيازاتها وتأبيد سلطتها أكثر من تحصين العقول الذي يمر أولا عبر تحصين القوت وتوفير العمل والعدل في توزيع الثروة. إلا أن جزءا من هذه "النخبة" لا يهمه الانعتاق الاقتصادي للتونسيين، والذي هو أساس الانعتاق الحقيقي، بقدر ما يهمه الإبقاء على العقول في حالة تخدُّر لتمرير الخطابات الأيديولوجية وتجنيد الشباب المعدم في معارك حزبوية انتخابوية وأخرى إقليمية لا تخدم إلا أعداء الأمة. بل يمكن القول أن النخبة السياسية الحالية، سلطة ومعارضة، تريد أن تسجن الشعب في أحقادها الأيديولوجية وتقحمه في استكمال معارك الجامعات التي لن تنتهي إلا بخراب الوطن.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire