dimanche 12 janvier 2014

14 جانفي - ذكرى النكبة

14 جانفي
ذكرى النكبة

أيوب المسعودي
13 جانفي 2014


في الوقت الذي يواجه فيه الشباب الثائر في الجهات الداخلية والأحياء الشعبية آلة القمع في تجلياتها الاقتصادية والاجتماعية، يشيطن الكل الحراك الشعبي وفي أحسن الأحوال يتبرأ منه بتعلة رفض العنف.
بقدرة قادر، أجمع المنتظم السياسي التونسي حكومة ومعارضة على أن من يطالبون اليوم بالتنمية والعدالة الاجتماعية والجهوية هم مأجورون، إرهابيون أو مهربون... فهم بالنسبة للسلطة القائمة مجرد مأجورين يخدمون أجندات الانقلابيين الذين "أربكتهم" استقالة حكومة النهضة ويحاولون، من خلال تعفين الأجواء، تعكير صفو نجاح الانتقال الديمقراطي وفق "النموذج التونسي". في الآن ذاته، هم، في نظر المعارضة، إرهابيون مأجورون ينفذون سياسة الأرض المحروقة التي تريد حركة النهضة من خلالها مزيد إضعاف الدولة وفتح جبهات مواجهة داخلية تنفِّس على الإرهابيين وتفسح لهم مجالا أرحب لتسريب السلاح تأهّبا للحظة الصفر والانقضاض على الدولة المنهكة...
ما نلاحظه ، في كل الحالات، هو أن الشباب اليائس البائس المفقر والمعدم كان ومازال وقود الحروب السياسوية الداخلية منها والخارجية. لا أستغرب، انطلاقا من تجربتي واحتكاكي القصير (والحمد لله) بالطبقة السياسية التونسية المتعفنة، أن تكون التحركات الاجتماعية مخترقة من كلا الطرفين المتنازعين على السلطة... لا يهم في هذه الحالة أن نحلل ونناقش النوايا والمقاصد... ما يهمني في هذا التحليل هو أن الثورة ولدت يتيمة وبقيت كذلك. لقد ركب الأقوياء (الأحزاب السياسية المنظمة والممولة والمدعومة من الخارج) على المد الثوري الذي أجهض ذات 14 جانفي ليروض رويدا رويدا ريثما يستقر النظام العميل الجديد ويضع له حلفاؤه (الناتو والبترودولار القطرائيلي) شروط بقائه وتأمينه (التمويل الحزبي، القواعد العسكرية، الإرهاب الذي يبرر القمع ويؤجل المعركة الاجتماعية الطبقية...).

قد تكون حركة النهضة تخلت، ظاهريا، عن جزء من الحكم أو أداة من أدواته التي أصبحت مكلِفة مع اقتراب موعد الانتخابات وتآكل شعبيتها وانفضاح ضمور برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، ولكن من يظن أن حركة النهضة تخلت عن الحكم فهو واهم، إذ ما تزال حركة النهضة تدير العملية السياسية برمتها وما الأزمات المتتالية التي عاش على وقعها الشارع التونسي في الأيام الأخيرة إلا جزء من استراتيجيتها المعهودة المبنية على خلق الأزمات لتمرير خيارات لا شعبية. ففي الوقت الذي ينقسم فيه الشارع حول مسألة الأتاوات وكليات الطب وإجبارية عمل الأطباء الأخصائيين بالمؤسسات العمومية... تحث حركة النهضة الخطى للانتهاء من كتابة الدستور والناس في غفلة من أمرهم منقسمون متخاصمون. وليس من الصدفة أن يصادق على نظام سياسي برلماني صرف (تم تجريد رئيس الدولة المنتخب مباشرة من صلاحياته لصالح حكم الجماعة أو الهيئة (أو الشيخ من وراء ستار)) في عطلة نهاية الأسبوع ويومين فقط قبل تاريخ الذكرى الثالثة للانقلاب على الثورة والتي من المتوقع أن يصادق فيه على مشروع الدستور برمته.

في الآن ذاته تطل علينا بعض البرامج التلفزية لأصحاب القنوات ورجالات الطرابلسية القدماء الجدد هنا وهناك لإعادة طرح قضية 14 جانفي وهروب المخلوع... الهدف واضح : قصف العقول وتخديرها وتعطيل ملكة النقد فيها مع مزيد إرباك المشهد والمشاهد والمشاركة في جريمة التعتيم الممنهجة للقضايا الحيوية والمصيرية : العدالة الاجتماعية والجهوية، التشغيل، الحرب على الفقر والفساد والمحسوبية والزبونية، محاسبة جلادي الشعب، رد الاعتبار للشهداء والجرحى وكشف الحقيقة كل الحقيقة عن قتلة الشهداء...
بالنسبة للحكومة الجديدة القديمة، هناك من ينسبون نجاحات وإخفاقات للسيد مهدي جمعة، وزير الترويكا ومرشح النهضة، حتى قبل أن يباشر مهامه أو يقدم حكومته، ما أقوله هو أن السيد مهدي جمعة هو رجل الترويكا والنهضة والمحاصصة الحزبية إلى أن يثبت عكس ذلك. ننتظر من الرجل قرارات ثورية، بالرغم من أنه لم يفتح ملفات الطاقة والفساد في الشركة التونسية للصناعات البترولية (كإحدى أكبر المؤسسات التي نخرها الفساد وما يزال) في ظل حكومة العمالة، ما ننتظره هو أن يثبت أنه ليس رجل صندوق النقد الدولي وأن يعلن في أقرب فرصة إلغاء الأتاوات التي علق العريض العمل بها ولم يلغها، ما ننتظره هو أن يفتح ملف الطاقة والثروات الباطنية والسطحية على مصراعيه حتى يتمكن المجتمع المدني من اكتشاف هول الخراب والنزيف الذين لحقا بالثروة الوطنية. 

أخيرا، على الشباب الثائر أن يصبر ويصابر وأن لا يكل وأن يوحد صفوفه ويتنظم ويتحد وأن لا ينساق إلى الانقسامات السياسوية التي لا تخدم إلا الأحزاب السياسية التي أثبتت أنها لا تأبه لمعاناته. الكل يعرف أن النهضة وأذنابها شجعت الشباب ودفعت بهم وألقتهم في أتون الجحيم السوري خدمة للأسياد الأمريكان والقطريين، هاهو المجتمع الدولي والقوى العظمى، المتحكمة والحاكمة الفعلية في أنظمتنا، تقر اليوم ضرورة ضرب داعش بجبهة النصرة كبداية لضرب ما يسمى بالتيارات "الجهادية" قبل أن يأتي الدور على جبهة النصرة... هكذا سيكون مصير كل من اختار خيانة الوطن والدين خدمة لمصالح الامبريالية العالمية.

وجوهر القول أن الشباب مطالب اليوم بالتهيكل والتنظم وتركيز قوته وعنفه الثوري حول مطالب اقتصادية واجتماعية واضحة حتى لا يذهب ريح الثورة ويتوه صوتها داخل السوق السياسية التي تحولت إلى غوغائية مشمئزة لا تمت للثورة بصلة.

البوصلة في العودة إلى شعارات 17 ديسمبر : شغل حرية كرامة وطنية.

vendredi 3 janvier 2014

عندما تختار النهضة سلاح الحرب وساحتها وقواعدها

عندما تختار النهضة سلاح الحرب وساحتها وقواعدها


أيوب المسعودي
04 جانفي 2014





تخطئون حين تنازلون أفشل حكومة عرفها تاريخ تونس، حكومة الارتداد والرداءة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعيش آخر أيام حكمها... إلا إذا كنتم تريدون نفخ روح جديدة في الجسد الميت ومد طوق النجاة إلى حكومة العمالة والخيانة.

فبالرغم من الشعبوية والزيف الذين طبعا عددا من الوعود التي جادت بها قريحة النهضة وتُبَّعُهَا، كمقترح إنشاء كليات طب في عدد من الجهات الداخلية (دون أن ترصد لها الأموال في الميزانية) أو إجبار خريجي الطب على العمل لبضع سنين في مؤسسة عمومية إثر تخرجهم دون سابق تحاور أو تشاور... إلا أنني لا يمكن أن أفهم المعارضة الحادة والقاطعة لدى البعض لهذه المقترحات التي تستجيب، شكلا على الأقل، لانتظارات الجهات المهمشة والمعدمة.

كنت قد كتبت في أكثر من مقال حول براعة النهضة في فن إدارة الأزمات بالأزمات، إذ لا تفوت أزمة إلا وتختلق السلطة القائمة أزمة جديدة تلهي بها طيفا من الرأي العام وتشغل بها طيفا آخر... لقد أتت كل هذه الاقتراحات في الربع ساعة الأخير من حياة الحكومة (إن تحقق ذلك أصلا) وتلتها ردود أفعال من هنا وهناك من شأنها أن تعيد الحياة إلى الجسد العليل...

أفسر:

لقد أجادت النهضة إدارة فشلها وحققت مكاسب جمة من ردود أفعال البعض الذين دوختهم استراتيجيتها. لقد أصابت الحركة أكثر من عصفور بحجر:
أولا، نجحت في التسويق لنفسها كنصير وحليف للجهات الداخلية عبر إطلاق مقترحات لا تعدو أن تكون بالونات اختبار أو فخاخ سرعان ما انطبقت على السذج من المعارضة الذين سارعوا بالتكذيب والنقد والمعارضة عندما كان حريا بهم الدفع مثلا لدعم المقترح بل وأكثر من ذلك الضغط لإقراره في الميزانية وإيجاد الموارد اللازمة له أو مطالبة صاحب المقترح بإيجاد التمويل. بدل ذلك تألقت المعارضة بغيابها ليلة المصادقة على الميزانية ليتم تمرير صندوق "الكرامة" خلسة كما يفعل لصوص منتصف الليل وسط تألق المعارضة بغيابها المعتاد،
ثانيا، بدت النقابة العامة للأطباء، في معارضتها المستميتة لقانون خريجي الطب، كمدافع عن مصالح منظوريها من الأطباء وخريجي كليات الطب ال"ميسوري الحال" مقابل رفضها للدفاع عن حق المعدمين والمفقرين من الجهات الداخلية. هكذا ضربت حركة النهضة نقابة الصحة العتية من حيث لا يحتسب،
ثالثا، لقد أعطى هذا اللغط الدائر هامش مناورة لم تكن النهضة لتحلم به لولا سذاجة البعض وانسياقهم وراء مسائل هامشية.

وجوهر القول أن حركة النهضة تدير اللعبة السياسية برمتها وتسوق الطبقة السياسية سوقا وتحدد أجندة "المعارضة" و"الإعلام" وتوجه الرأي العام وفق مصالحها الفئوية والانتخابية. في الأثناء يحث الحزب الحاكم الخطى للمصادقة على دستور العمالة والارتداد يوم 14 جانفي، تاريخ الانقلاب على المد الثوري، كل ذلك ونحن في غفلة من أمرنا نتجادل ونتخاصم.

المعركة الفصل هي معركة الدستور. أنا شخصيا لا أعترف بغير دستور 17 ديسمبر الذي كتبه الشهداء بدمائهم. نعم لدستور يرسم الطريق أمام استكمال مهمات 17 ديسمبر لإسقاط النظام الاستبدادي في كل تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المعركة الفصل هي معركة السيادة الاقتصادية والتحكم الذاتي في المقدرات والثروات. علينا جميعا الضغط من أجل:

- فتح ملفات اتفاقيات الطاقة واستغلال الثروات المنجمية بتونس وتداعياتها الاقتصادية والمالية والصحية،
- دسترة علوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، خاصة عند الأزمات، على الالتزامات والاتفاقيات التي تعقدها الدولة (وهذا من شأنه تمهيد الطريق أمام تجميد تسديد الديون إلى حين التدقيق فيها، الأمر الذي ترفضه الترويكا)،
- دسترة تجريم كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني كعدو قومي يدس الدسائس ويكيد المكائد للحيلولة دون وحدة العرب وتقدمهم،
- إلغاء خطط الوالي والمعتمد والعمدة كامتداد لمنظومة الاستبداد وتعويضها بمجالس قروية ومحلية وجهوية منتخبة،
- تكريس الديمقراطية التشاركية فعلا لا قولا مثلا عبر قانون انتخابي على الأفراد في دوائر صغيرة وإرساء حق 5% من الناخبين في اقتراح مشاريع قوانين...
- منح رئيس الجمهورية سلطتي الاطلاع (حق استدعاء الوزراء للاطلاع على سير أعمال الوزارات) والتحكيم (حق رفض الختم لتعود القوانين إلى المجلس النيابي للمصادقة بأغلبية مدعومة (الثلثين) وإن تعذر ذلك فلرئيس الجمهورية حق الدعوة إلى الاستفتاء الشعبي).

تلك هي البوصلة، تلك هي المعركة.

vendredi 29 novembre 2013

Moncef Marzouki - le minable

Moncef Marzouki - le minable

Ayoub Massoudi
29/11/2013



Il y a quelques mois, j'ai alerté la société civile et plus particulièrement le syndicat national des journalistes tunisiens, dans leur siège central à Belvédère, sur la tentative de la présidence de la république d'opérer une grande manipulation des archives de Abdelwahab Abdallah, cette fameuse "archive noire" en vue de soudoyer, faire taire, ou diffamer des médias ou des journalistes!

Dans un contexte politique, socio-économique et régional explosif, voilà que la présidence de la république nous montre encore une fois non seulement sa déconnexion du vécu tunisien mais aussi une nouvelle facette de cette décadence qui caractérise la politique troïkiste, une politique aux antipodes du respect des institutions, de la déontologie et de la séparation des pouvoirs.

Quand j'ai commencé à découvrir cette archive lors de mon court séjour à Carthage, j'ai très vite compris qu'il s'agit là d'une importante partie de l'histoire de la patrie dont j'étais, avec le cabinet présidentiel dont je faisais partie, un des gardiens et qu'il nous incombait d'en faire le bon usage.

Conscient de cette lourde responsabilité, j'ai alors contacté Mme Najiba Hamrouni, sans revenir au directeur de cabinet, pour partager avec elle une part du fardeau en quelque sorte. Je lui ai expliqué que la question doit être ouvertement débattue, avec tous les corps de métier concernés (magistrature, syndicats, historiens, documentalistes....), et que la présidence de la république pourrait offrir le cadre à ce débat sans essayer de l'orienter ou l'influencer. Je lui ai exposé mon point de vue, le même que j'ai défendu lors d'une réunion avec le président de la république, des représentants du SNJT et de l'association des magistrats tunisiens (Mme Kannou était présente): "L'archive doit être donnée à une partie apolitique, une sorte de commission mixte formée de journalistes syndicalistes, magistrats et académiques".

Quand le directeur de cabinet a su la teneur de mes discussions avec le syndicat des journalistes, il a transféré l'archive noire à un autre membre "plus proche" au sein du cabinet, afin d'en faire le "bon usage". J'ai alors découvert entre autre qu'on a permis à des médias étrangers comme Aljazeera d'utiliser certains documents, les filmer...

On découvre aujourd'hui un "livre noir" produit par la présidence de la République qui bafoue encore une fois les règles de la déontologie et nuit gravement à l'image de cette institution.

Cette affaire est symptomatique d'une mentalité opportuniste et machiavélique, les personnes qui se sont accaparées d'une part de l'histoire, en y voyant une carte politique à jouer, un moyen de pression pour acheter ou soudoyer des journalistes, voyaient en mon approche institutionnaliste de la pure naïveté politique.

Encore une fois, Moncef Marzouki prouve qu'il a vendu son âme au diable. Cet intellectuel qui s'est fait du slogan "la cohabitation entre islamistes modérés et laïques modérés" son cheval de bataille, se voit aujourd'hui en perte de crédit. Les islamistes sont au pouvoir, le CPR étant, avec Ettakattol, les façades laïques de cette troïka en crise de légitimité, tous les moyens sont bons pour bien asseoir son pouvoir et assurer l'allégeance d'une partie des média et des journalistes qui ont peur d'être dévoilés...

Ce ne sont pas les informations dévoilées au grand public qui sont importantes, mais bel et bien ce que cache ce livre noir en vue d'être utilisé comme des cartes d'atout au bon moment.

Marzouki a trahi la révolution, et par dessus tout il a trahi son slogan:

"الحيلة في ترك الحيلة"

vendredi 15 novembre 2013

في مسألة الأحباس

في مسألة الأحباس


أيوب المسعودي


14 نوفمبر 2013



لم أكن أريد التعليق على مسألة الأحباس التي أثيرت بقوة في الفترة الأخيرة، إلا أنني لم أتمالك نفسي وأحسست بحاجة ملحة لإبداء رأيي المتواضع في هذا الشأن بعد أن قرأت مقالا للسيد محمد مبروك الأستاذ الجامعي في الاقتصاد والمسؤول عن قسم الاقتصاد في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لمؤسسة رئاسة الجمهورية.
وقد كتب السيد مبروك في مقاله (2) : "هكذا تمكّن الفكر المتغرّب المعادي للإسلام بأن يحرم المسلمين من ثواب تحبيس أملاكهم في سبيل فعل الخير. فأوّل فصل من الأمر المذكور نصّه هو “يُمنع التحبيس الخاصّ و التحبيس المشترك و يُعتبر لاغيا كلّ تحبيس من هذا القبيل”. ليس هناك في العالم بلد سنّ مثل هذا القانون. هكذا انفردت تونس من بين جميع دول العالم بمنع مواطنيها عن باب من أبواب فعل الخير!...".

استوقفني هذا المقطع واستثارني لما يحمله من شحنة أيديولوجية أخلاقوية لا تخفي نزوعا ماضويا نحو تصفية حسابات وصراعات ولت وانقضت. إن هذا النوع من التحليل المبتذل الذي يصدر من تقييمات أخلاقية لا علمية، ذات خلفيات سياسوية، هو أبعد ما يكون عما ننتظره من أستاذ جامعي وأحد المتعاونين مع معهد دراسات استراتيجية...
لقد ركز السيد محمد مبروك، أستاذ الاقتصاد، على الجانب الفقهي للمسألة، وهو طرح حمال أوجه يتجاوز اختصاص كاتب المقال المذكور، فغفل عن الاسترشاد بالاستصلاح المالكي والاستحسان الحنفي مثلا كسبب للاجتهاد قصد التيسير في الإسلام وتحقيق المنفعة العامة.

لقد غفل السيد مبروك أيضا، أو تغافل ربما، عن أداء المهمة المنوطة بعهدته، وهو الأستاذ، لتحميص المسألة وتحليلها تحليلا تاريخيا علميا صارما يحتكم إلي الأرقام والتحليل المنطقي، لا الإشراقي الأخلاقي المتسربل بالديني، لتحليل تأثير منع التحبيس على الاقتصاد التونسي وخاصة تأثير التحبيس على أسعار الأراضي والعقارات والاستثمار والإنتاج... ما غفل الأستاذ عن التحليل الاجتماعي والخلفيات العميقة لمنع التحبيس، ذلك أنه من المعلوم مثلا أنه بعيد الاستقلال، وفي مجتمع كان يغلب عليه التفكير الذكوري التقليدي، كثير من التونسيين الذين ليس لهم أبناء ذكور كانوا يعمدون إلي التحبيس مفضلين ذلك على توريث البنات...

إن إثارة هذه المسألة هو حلقة جديدة من حلقات الصراع على الماضي من أجل الحاضر كما فسرته في مقالي (أزمة الثورة التونسية : بين الماضي والحاضر - جزء 2 - (1)، وهي كلها أطروحات تعكس جوهر الأزمة التي نعيشها، أزمة التأسيس العقلاني الذي ينطلق من الواقع ومن الوعي بالذات والحاضر، إنها أزمة العقل السياسي التونسي والعربي المرتبك والممزق فلا هو حسم الماضي ولا هو وعى بالحاضر

لا يهم الموقف من مسألة الأحباس بقدر ما يهم المنهج والبناء الفكري الذي يؤسس للموقف. إن صدور المواقف من قضية الأحباس كرد فعل من سياسة بورقيبة تجاه الزيتونيين والمؤسسة الدينية (إن صح ذلك) لا يخدم المنهج العلمي والأهداف الوطنية بقدر ما هو محاولة لترميم شرعية متهاوية لطرف سياسي بنى مشروعيته على الخطاب الديني الدعوي، ولما انكشف زيف خطابه ومكر سياسته، عاد إلي سالف استراتيجيته عبر إحياء قضايا هامشية آملا التغطية على عجزه في حلحلة أمهات القضايا.

كما أن محاولات تقديم الصراع البورقيبي - اليوسفي على أنه صراع الحداثة الفرونكوفونية مع الأصالة العروبية الإسلامية هو ضرب من التزييف للتاريخ. لقد كان الصراع سياسيا بالأساس، فإذا كان بورقيبة قريبا من الفرنسيين فلقد كان بن يوسف قريبا من الأرستقراطية الدينية المحافظة والمسيطرة على الزيتونة والإتاء والقضاء الشرعي والإدارة وجل مفاصل الدولة والتي كانت تخشى فقدان نفوذها في ظل مشروع الدولة الوطنية البورقيبية الذي عمم التعليم وتونس الإدارة والقضاء ومدنهما. لقد وقف الزيتونيون مع بن يوسف من باب عدو عدوي هو صديقي، وهذه قراءة واقعية للتاريخ والسياسة بعيدا عن العاطفة والديماغوجيا التضليلية لا تنقص شيئا من نضالية الزعيمين بورقيبة وبن يوسف الذين كانا يحملان مشروعين من واجبنا فهمهما فهما تاريخيا نقديا يؤسس للمستقبل ولا يسجننا في الماضي. وجوهر القول أننا نحن العرب والمسلمون لم نخرج بعد من دائرة التشريع في قضية الخلافة منذ الفتنة الأولي، لقد تناوب الفقهاء والمفكرون طوال التاريخ على التشريع للحاكم الجديد بشتى السبل والحيل بينما يراكم غيرنا المعارف وبناء المؤسسات وإنتاج الفكر والتكنولوجيا والأدب

لقد عرض علي منصب مدير المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية إبان استقالتي في جوان 2012 من رئاسة الجمهورية فرفضت لاقتناعي بأنها كانت هدية مسمومة لشراء ذمتي فأبيت وأعرضت غير نادم. الشيء المؤكد هو أنني لو قبلت بذاك المنصب لما قبلت بهذا النوع من المقالات الديماغوجية الفاقدة للصرامة المنهجية والصلابة العلمية.

mercredi 30 octobre 2013

سيدي بوزيد... والإرهاب



سيدي بوزيد والإرهاب


أيوب المسعودي

29 أكتوبر 2013


انتقلت يوم أمس الثلاثاء إلي سيدي بوزيد وخاصة معتمدية سيدي علي بن عون، مسرح العملية الإرهابية التي أودت مؤخرا بحياة عدد من أبنائنا الأمنيين أثناء قيامهم بالواجب المقدس، ومعتمدية بئر الحفي المحاذية لها فكان لي حديث مطول مع بعض أبناء المنطقة وأحد جرحى الأمنيين. سأحاول في هذا المقال، قدر المستطاع، تناول المسألة من زاوية تحليلية عقلانية اجتماعية وانطلاقا من عقيدة التأسيس التي تحدثت عنها، بعيدا عن الشيطنة أو التمجيد لهذا أو ذاك. كلامي هنا قد لا يعجب البعض ولكنه ينطلق من واجبي الوطني وغيرتي على الأمنيين الذين بعثوا إلى جبهة الموت دون الاستعداد الكافي.


عملية سيدي علي بن عون؟

في مسرح الجريمة : ما بعد العملية

انتقلنا أولا، رفقة بعض الأصدقاء، إلى مسرح المجزرة التي جدت في المنطقة الفاصلة بين المعهد الثانوي بسيدي علي بن عون والسلسلة الجبلية الواقعة وراءه. لم يسهل التعرف على موقع المنزل الذي تحصن به الإرهابيون ولم يتسنى لنا الوصول إلى المكان إلا بمعونة بعض المتساكنين، اكتشفنا حينئذ أن المنزل نسف نسفا فلم يعد يظهر للعيان من بعيد وقد استوى مع الأرض وسط سلسلة من غابات الزيتون والتين الشوكي اتي تشقها طرقات وعرة ومتشعبة.

أول ما يلفت الانتباه عند الوصول هو انتشار عدد من الأغراض الخاصة والملابس والأفرشة على الأرض ووسط الركام المتروك دون حراسة أو مراقبة. عدد كبير من هذه الملابس (أنظر الصور أسفله) لم تطلها النيران وبقيت ملقاة على الأرض وسط الركام، وهنا أتساءل أين الشرطة الفنية وفرقة مكافحة الإرهاب ولماذا لم تجمع تلك الأغراض للقيام بتحاليل فنية ورفع البصمات أو أي آثار للحمض النووي للإرهابيين... ولماذا لم يتم تطويق المكان وحماية المدنيين بمنعهم من الولوج إليه خاصة وأن المنزل كان يستخدم لتوزيع السلاح والمتفجرات وما يستتبعه ذلك من إمكانية وجود مواد متفجرة أو كيميائية خطيرة...


في أطوار العملية وغياب الخطة الأمنية

بعد الحديث إلى عدد من المتساكنين بسيدي على بن عون، انتقلنا إلى منزل أحد الأمنيين الذين أصيبوا في المواجهة للاطمئنان على حالته الصحية والشد على يده. لحسن حظه، تلقى ابراهيم رصاصة جانبية اخترقت فخذه الأيمن دون أن تمس العظم وخاصة دون النيل من معنوياته العالية التي وجدناه عليها، بالرغم من استيائه لعدم زيارته من قبل المسؤولين المحليين والجهويين بالولاية. تحدث إلينا ابراهيم بكثير من الأريحية والصراحة الممتزجة بالانضباط العسكري وقوة العزيمة والرغبة في الحفاظ على قدر عال من المهنية لينقل لنا ما دار أمام أعينه بكل موضوعية وتجرد.

لقد اعترف بكل شجاعة أن عملية سيدي علي بن عون كانت فاشلة بكل المقاييس حيث أشار النقائص التالية:

- غياب المعلومة الضافية والاستعداد الكافي قبل العملية : حيث أورد أن المسؤول الأمني (دون ذكر إسمه أو رتبته) الذي اجتمع بهم للإعداد للعملية اقتصر على الإشارة إلى "وجود معلومات حول تواجد مجموعة إرهابية متحصنة بالمنزل المذكور... ومتوفرة على كمية هامة من الأسلحة والذخيرة ويتراوح عددهم بين 20 و 25..."، دون الإشارة إلى تاريخ ورود المعلومة وتاريخ تحصن الإرهابيين ومدى استعدادهم وماهية نواياهم وخططهم ونوعية السلاح التي يحملونها...
- غياب الخطة الأمنية :  ما زاد الطين بلة هو غياب الخطة الأمنية لكيفية تموقع الأمنيين الذين أتوا على متن سبع سياسات وعدم التفكير في تطويق المكان قبل الهجوم وجس النبض ومحاصرة الإرهابيين من بعيد والتمركز مثلا في غابات الزيتون الخلفية مثلا لمنعهم الهروب إلى المناطق الجبلية... هذا علاوة على الإشارة إلى قدوم التعزيز بعد ساعة من المواجهة وسقوط شهداء مما أتاح الوقت للإرهابيين للهروب والتفرق بل وأيضا إطلاق النار من بعيد على الأمنيين بعد الهروب... ومما لفت انتباهي هو وصف ابراهيم للعملية بأنها كانت أشبه بتلك العمليات الكلاسيكية التي كانوا ينفذونها في جرائم تهريب الوقود أو الخمر... حيث صرح بأنهم كانوا متوقعين الاشتباك مع مجموعة تحمل أسلحة بيضاء لا إرهابيين مدججين بالسلاح والرشاشات وعلى أهبة لإطلاق النار من كل المنافذ والثقب التي أحدثها الإرهابيون في حصنهم وأطلقوا منها النيران قبل الهروب من الخلف، وما أدل على ذلك من وصفه لغياب تأهب الأمنيين لإطلاق النار حيث اصطفوا أمام المنزل متأهبين للموت لا للقتل...
- مبعوثون إلى الموت : صرح ابراهيم أن جل الأعوان الذين كانوا في الجبهة لم يكونوا يرتدون صدريات واقية وأن بعض الأعوان يحملون مسدسات بسيطة ذات مخازن صغيرة لا يتجاوز مداها عشرة أمتار ولاتزن شيئا في معادلة المواجهة مع إرهابيين يتوفرون على رشاشات وأسلحة متطورة،
- اجتماعات تحضيرية للإرهابيين بعلم الداخلية : وحسب نفس المصدر، فقد حضر خميس الماجري إلى سيدي على بن عون في الأيام الأخيرة قبل العملية للاجتماع بال"شباب السلفي" في المنطقة (وأستعمل عبارة "الشباب السلفي" بكثير من الاحتراز) وإمامة صلاة الجمعة...

وجوهر القول في هذا الجزء الأول أنه بعد الثورة لابد لكل مسؤول في الدولة أن يخضع للمساءلة والمحاسبة مهما علا منصبه، وأنا أطالب أن يفتح تحقيق عاجل في أسباب فشل عملية سيدي على بن عون ولاستجلاء الحقيقة في من وضع الخطة الأمنية (إن وجدت) ولماذا تأخر التعزيز بعد المواجهة وما سر الاجتماعات الألفية التي يعقدها "الإرهابيون" بعلم من وزارة الداخلية وهل تم التحري في مضمون هذه الاجتماعات وخلفياتها...؟ أسئلة أسوقها وأرسل بها خاصة إلى نقابات الأمن التي من واجبها التحري في الأمر وحماية مصالح الأمنيين وخاصة الأعوان الذين يواجهون الموت، فهل ستتحمل نقابات الأمن مسؤوليتها وتكشف الحقائق؟ هناك مسؤولون وقادة أمنيون قصروا في أداء مهماتهم بدءا من وزير الداخلية ورئيس الحكومة الذان يتحملان المسؤولية الأكبر في ما حدث في سيدي على بن عون خاصة وأنها لم تكن العملية الأولى من نوعها بعد عملية قبلاط، والسؤال الأهم الذي أطرحه، متى سيحاكم علي العريض على تقصيره في مسألة الإرهاب منذ توليه السلطة كوزير للداخلية، متى ستحاكم كل القيادات السياسية الني شجعت أو حرضت على الإرهاب؟ 

عندما يتحول شباب الثورة إلى حطب محرقة : أصل الداء

هل حدثتكم عن أنيس بڤاندا؟ إنه إسم شهرة لأحد شباب الثورة من سيدي بوزيد، شباب القصبة 1، وكم هم كثيرون أولئك الشباب الذي حرروا التونسيين من ربقة الاستبداد وأخرجوهم من الظلمات إلى النور ليقبعوا هم في عتمة الفقر والبطالة والذل، لم يجنوا من ثورتهم المغدورة سوى الجراح والرش وكل أشكال الإهانة والإذلال بينما يتربع غيرهم على عرش الحكم يتقاضون أجورهم بالأورو وتتجاوز مرتباتهم الشهرية إلى ما يتقاضاه عامل الحضائر سنويا.
هل تعرفون ماذا كان مصير أنيس بڤاندا؟ لقد مات أنيس في المحرقة السورية، مثله مثل الكثير من شباب الثورة الذين اختاروا طريق ليبيا ثم أنطاكيا ثم سوريا. هكذا اختار أنيس طريق الموت ولكنه أبى إلا أن يطبع موته بنوع من القداسة والأسطورة التي يحفظها الآن جزء من شباب سيدي بوزيد وغيرهم من شباب الجهات المنسية كنماذج من الموت البطولي التي انتشلت أنيس من المصير المخزي والموت البطيء لشباب صنع ثورة فكان مصيره النسيان والهوان.
لقد أسرّ لي، منذ أسابيع، أحد الأصدقاء من شباب الثورة في سيدي بوزيد (وأحد وجوه القصبة 1 و 2) عن نيته السفر مع مجموعة من الشباب إلى ليبيا قبل الانتقال بعد ذلك إلى سوريا. كانت صدمتي كبيرة من هول ما سمعت، فلم ألمس منه إلا حب الحياة وقوة الإرادة وصلابة الشخصية وروح الاكتساب والجهد. نجحت بفضل الله وبكثير من الحوار وخاصة الإصغاء في ثنيه عن هذا الطريق، طريق الدمار والموت. لم يتطلب مني ذلك أكثر من جهد الاستماع والإصغاء وعبارات التشجيع والدعوة إلى الرشد والتعقل.
 ما لم نقف وقفة تأمل هنا، في هذه الحالة الشاخصة أمامنا، ونستشعر عمق هذه  الفكرة الفارقة، هذه الأزمة التي هي أصل الداء، فلن نلج إلى الحل وسنظل نحارب السراب. 

عندما كتبت مقال "سيدي بوزيد والمافيا" منذ ما يزيد عن السنة، حذرت مما أسميته "غياب أو انسحاب الدولة" فكتبت :
"لا يمكن أن يفوت كل من يزور سيدي بوزيد أو زارها ملاحظة أمرين مدهشين، أوَلا غياب (أو انسحاب) شبه كلي للدولة اجتماعيا واقتصاديا مع حضور قوي للقمع البوليسي وثانيا استماتة في المطالبة بالكرامة الاجتماعية والحق في الشغل ومقاومة الاستبداد الجديد دون أن يمنع كل ذلك أهالي المنطقة من الأمل وحب العيش."

لم يتغير المشهد كثيرا مذلك الوقت، وكأن عقارب التاريخ توقفت. فقط تم تغيير الأزياء والأسماء، لقد صار شباب الثورة "إرهابيين" والقمع "حربا على الإرهاب". سأتوقف هنا لأفسر الجملة السابقة لخطورة الفكرة، وهي حمالة أوجه ومعاني وتقبل أكثر من تأويل. وحتى لا أتهم بشق صفوف الحرب على الإرهاب، دعوني أفسر:

في نفس المقال المذكور سابقا، كتبت : "انسحبت الدولة من كل المجالات، عدا القمع لحماية النظام من المواطنين متخلية عن حماية المواطنين. فيكفي أن تعلم أن أصدقاءنا في سيدي بوزيد منعونا من العودة إلى العاصمة ليلا خوفا علينا من قطاع الطرق، ولم نر في المقابل أثرا لدوريات حرس طول الطريق الفاصلة بين سيدي بوزيد ومدخل القيروان (طريق نصر الله...) رغم أن الطريق وعرة ومظلمة...".


وهنا من حقنا أن نتساءل، ألم يترك النظام، نظام 07 نوفمبر الذي لم يسقط بعد، الأمور تتعفن في سيدي بوزيد والقصرين والكاف وغيرها من الولايات التي قادت الثورة بالانسحاب وترك المجال ل"العصابات الاقتصادية" المرتبطة بالنظام القديم والجديد؟ ألم تنسحب الدولة من كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية تاركة شباب الثورة يواجه مصيره ليكون خياره في آخر المطاف بين طريقين للموت، لمبدوزا أو سوريا؟ الطبيعة لا تحب الفراغ واليأس يولد الدمار. ألم يرتم الشباب في حضان الإرهابيين والتكفيريين أملا في الآخرة بعد اليأس من الدنيا؟ هل توجه الساسة إلى هذا الشباب "السلفي الجهادي" الذي يدفعه الكل إلى العزلة بقصفه عبر التشويه الإعلامي من جهة والدعاوى التكفيرية الداعية إلى الجهاد باسم نصرة الدين والمشروع الإسلامي...؟ ألا يساهم الإعلام الرسمي وقنوات وصحف حركة النهضة في خلط الأوراق والتشجيع على الإرهاب عندما تكتب جريدة الضمير أن "هناك مؤامرة ضد الشباب السلفي والمشروع الإسلامي"؟ وماذا فعلت حكومتكم المجرمة لانتشال هذا الشباب من عتمة الفقر والبؤس؟

روى لي أكثر من شاب قصته مع والي الجهة وكيف يتم تجاهل مبادراتهم ومشاريعهم ومعاملتهم بازدراء وتعال. لقد توقف سياسيونا عن زرع الأمل وبثه في النفوس، وما السياسة إن لم ترب الأمل؟ نعم نحن أمام سلسلة من الجرائم الاقتصادية والاجتماعية التي لا يتجرأ أحد على الخوض فيها. ألا يعد تهميش تلك الجهات وحرمانها من نصيبها في التنمية واستثمار الدولة فيها منذ عقود جريمة دولة تستوجب المحاكمة؟ ألم يبق مستشفى الكاف مثلا بلا طبيب مولد لأاكثر من عشرة أيام لتموت الرضيعة في بطن أمها وتدخل الأم في غيبوبة؟ ألا يشكل ذلك عوامل ودوافع للتفجير والانتقام والتشفي من دولة نبذت أبناءها وتنكرت لهم؟ ألا يواجه أبناء الجهات الداخلية بعضهم البعض في جبهة القتال، ففريق يحمل جلباب "السلفية الجهادية" وفريق يحمل "بزة الدولة"؟ ألا تبعثهم الدولة إلى الموت المحتوم؟ بينما ينشغل الساسة والقادة الأمنيون بالمنابر الإعلامية والمزايدات الكلامية شغفهم في ذلك حب الأضواء والمناصب والنفوذ؟ رسالة إلى الشباب "السلفي الجهادي"
أيها الشباب السلفي، اهجروا السلاح ولا توجهوا فوهة أسلحتكم إلى أبناء شعبكم، إن الحرب اليوم هي ضد الفقر والجهل والبطالة والظلم والحيف الطبقي والجهوي، ذلك هو الجهاد المقدس الذي كتبه الله علينا اليوم. أنتم تصيبون الثورة في أكثر من مقتل عندما تقتلون شباب تونس، إنهم منكم وإليكم وأنتم إخوتنا في الله والوطن فلماذا لا توجهون بندقيتكم إلى عدوكم الحقيقي، الفقر والجهل. أهجروا دعاة الفتنة فإنهم يدعونكم للشر ونحن ندعوكم للخير.
قبل أن أختم، وأنا في طريقي من سوسة إلي تونس، سمعت عبر الراديو خبر التفجير الذي جد أمام النزل بسوسة، لم يؤسفني الخبر بقدر ما آسفني تعليق المذيع الذي قال "توا كي الإرهاب استهدف جوهرة الساحل سوسة فعلى الدنيا السلام"، وهنا أتساءل : هل يعتبر الإعلاميون والسياسيون مناطق الشمال الغربي والوسط جزءا غريبا عن الوطن؟ نحن نأسف لكل روح تزهق في صفوف الأمنيين أو الشباب المتمرد من بنزرت إلى بن قردان، فتونس أرض واحدة وشعب واحد لا نفرق بين تونسي وتونسي. فلندعو المولى أن يهدينا لما فيه خير توني والتونسيين وأن يؤلف بين قلوبنا وأن ينزع من قلوبنا البغضاء والأحقاد.













أيوب المسعودي
29 أكتوبر 2013

mardi 22 octobre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 2

عامان على 23 أكتوبر

أزمة عقيدة التأسيس وغياب البناء الكلي





أحاول، بكثير من التواضع، في هذه السلسلة من المقالات التي بدأتها بمقال أول بعنوان "أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1" (أنظر الرابط)، أن أخرج من سياق التفكير الملألوف إلى سياق أرحب،  أن أشارك من موقعي المتواضع في بناء عقل مؤسِّس لا يلغي العقل المؤسَّس (1) ولكن يحاول بقدر المستطاع التحرر من أوثاقه وموروثه. وهي مهمة تزداد صعوبة مع اشتداد أزمة الحكم في تونس وانسداد الأفق السياسي مما أدى حتما إلى طغيان الآني على الاستشرافي والترقيعي على التأسيسي.


هكذا مر عامان على استقرار منظومة السلطة الجديدة، منظومة 23 أكتوبر، وبالرغم مما شهدته الساحة السياسية من تموجات وهزات وارتدادات، فقد ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي يراوح بين الجمود والتقهقر يحكمه تغول جماعة على حساب أخرى ورأسمالية المحاسيب والزبونية البغيظة وسياسات التبعية والإذلال في استمرار وتواصل مع سياسات نظام السابع من نوفمبر الذي كان التلميذ النجيب في نظر المنظمات المالية الدولية وما تبعها من وكالات تصنيف وتزويق... هذا واقع مرحلة كان يفترض أن تكون تأسيسية وأن تحدث قطيعة أخلاقية، سياسية ومجتمعية مع السائد قبل 17 ديسمبر، إلا أن السلطة الجديدة اختارت على عكس المنتظر الارتداد إلى الوراء رافضة القطيعة مع القديم والتأسيس للجديد فارتدت وانزوت وانعزلت.


أما المجلس التأسيسي فقد تحول إلى مجرد أداة تزكية في يد الأغلبية يشرع لها ويراقبها في آن، هذا علاوة على وهن الأداء وتدني مستوى الخطاب السياسي والعجز عن التعبير، بالوضوح الكافي،على تطلعات الجماهير والشباب الثائر بصفة خاصة. كل ذلك حول جلسات التأسيسي وحواراته إلى مشهد هو أقرب إلى صراع ديكة ومشهد مستفز للذكاء والحياء الشعبيين تطغى عليه المزايدات الكلامية التي لا ترتقي إلى الفعل السياسي المؤسس...

لسنا هنا بصدد تجريح نواب الشعب المنتخبين أو تقزيمهم، إلا أن دقة المرحلة وجسامة التحديات المطروحة وطنيا وإقليميا تستوجب وقفة فكرية نقدية تتجاوز العاطفي والمرحلي على حد السواء. وفي الحقيقة يعود هذا الانحراف إلى أزمة عميقة في التأسيس، أزمة ضاربة في عمق التاريخ وتطور أو بناء العقل العربي الإسلامي كما شخصه الفيلسوف الألمعي محمد عابر الجابري في سلسلة كتاباته النقدية عن العقل العربي...


نعم، لقد تميزالعقل العربي منذ "ترسيمه" في بداية الخلافة العباسية ومنذ عصر التدوين، في عهد الخليفة المنصور، بطغيان اللّغويّ الكلاميّ الشِّعري على المعنى والمنطق. وهو ما يشير إليه الجاحظ وكذلك الشهرستاني مثلا في كتاباتهم عندما يقارنون بين العقل العجمي (الفارسي واليوناني) والعربي واصفين الأول بأنه يتميز بالاجتهاد والاكتساب مقابل الحدس والارتجال عند الثاني. وليس غريبا أن يتزامن عصر التدوين هذا مع أول الإبداعات العلمية وربما أخطرها في التاريخ المعرفي العربي، إنه علم اللغة والنحو الذي وضع أسسه الخليل الفراهيدي ثم تلميذه سيبويه (وهو عمل جبار وذو قيمة وصلابة علمية مشهودة)... لا تكمن الخطورة في تقعيد اللغة، فقد استجاب هذا العمل إلى ضرورة تاريخية وإرادة سياسية في تعريب الإدارة والقطع مع هيمنة الفرس والرومان عليها، وإنما تكمن في الخلط بين المنطق واللغة. وسيحل النحو بالنسبة للعقل العربي محل المنطق بالنسبة للفلسفة الإغريقية. هكذا بنى الإمام الشافعي، في كتابه "الرسالة"، أصول الفقه وقنن عمل العقل وشرّع له متوخيا علوم اللغة والنحو مرجعا لاستنباط الأحكام من قوانين اللغة وآليات إفصاحها وتعبيرها عن المعاني... من الناحية السياسية كذلك، كان التدوين في مطلع الخلافة العباسية أكبر عملية لجمع العلوم وتبوبها وتصنيفها تحت إدارة الدولة مع ما شاب هذا المشروع من انتقاء وتوجيه لإضفاء الشرعية على الخلافة الوليدة بعد القضاء على الأمويين مع ما سيستتبعه ذلك من طمس للمنتوج العلمي والمعرفي والثقافي الأموي...  لقد كان ذلك عملية "ترسيم" للعقل العربي وتقنينا للرأي وتشريعا للإنتاج الفكري والمعرفي العربي. لا أريد أن أطيل في إعادة تفسير ما برع الجابري في بيانه والتدليل عليه في كتابه "تكوين العقل العربي" (2)، ولننصرف إلى محاولة قراءة تداعيات هذه الحقيقة التاريخية على واقعنا السياسي والاجتماعي الراهن.


أما على مستوى الخطاب السياسي الرسمي (سلطة ومعارضة)، فلا يختلف اثنان في كلل التونسيين ومللهم من المناكفات السياسوية التي تأخذ شكل مزايدات شعاراتية وطابعا كلاميا يفيض فيها اللفظ على المعنى والمنطق، وكأن فائض اللفظ على المعنى في العربية وجد امتدادا له عبر التاريخ فلم نخرج من لسان العرب لابن منظور وعروض الفراهيدي وإيقاع العربية ونغمتها "مما يجعل الأذن والحس والعاطفة تنوب عن العقل والمنطق في الرفض والقبول" (2).

وأما على مستوى "ترسيم الثورة" وتأميمها وخوصصتها وتحزيبها، فإذا أخذنا منظومة 23 أكتوبر وطبيعة تعاطيها مع الماضي القريب منه والقديم (التاريخ العربي والإسلامي وتاريخ تونس الوطني الحديث...)، وجدنا نزوعا مرضيا لإعادة إحياء معارك الماضي وتأجيجها، وهو ما عبر عنه الجابري ب"التنافس على الماضي" من أجل الهيمنة على الحاضر والاستحواذ عليه، وهو ما نراه بوضوح في محاولة فريق إحياء مسائل هوياتية مصطنعة والطعن في الموروث البورقيبي وما قامت عليه الدولة الوطنية الحديثة من مكاسب من أجل هدم الحاضر وإعادة بناءه على أساس رؤية فئوية للماضي. نحن لسنا هنا بصدد تمجيد الموروث البورقيبي، فلنا عليه مآخذات عديدة منها مسؤولية التصحر السياسي الذي أدى إلى أكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد، بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول أن النظام البورقيبي نفسه قام ب"ترسيم الحركة الوطنية" وإعادة كتابتها على مقاس حكمه وأيديولوجيته بإقضاء كل المخالفين باغتيالهم أوقبر تاريخهم ونضالاتهم... نحن هنا أمام ظاهرة "عربية" لم تستثن أحدا قوامها التنافس على الماضي من أجل إعادة كتابة الحاضر والاستحواذ عليه وإعادة بناءه وفق مصلحة الجماعة أو الحزب أو الأيديولوجيا.
إعادة البناء هذه ترافقها اليوم عملية هدم لمؤسسات الدولة وقيم المجتمع التونسي المعتدل المتلاحم المتجانس قصد تشطيره وإضعاف وحدته قبل إحكام القبضة عليه باسم العودة للأصول والهوية وعبر إذكاء صراعات الماضي وتحويل وجهة الثورة من صراع طبقي على الوجود والتوزيع العادل للثورة والكرامة إلى خلاف فقهي وصراع هويات وهمية.

البناء الكلي بدل البناء الكلياني

إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا هو متى بناء العقل العربي تاريخي الوعي كوني المنبع؟ ذلك العقل الذي يتنافس على المستقبل انطلاقا من الحاضر وما راكمته حضارتنا العربية الإسلامية العظيمة وسائر الحضارات التي استفادت من أعمال الفارابي وابن سيناء وابن رشد، أليس ابن رشد هو الذي سهل على أوروبا الحديثة فهم أرسطو منذ توماس الأكويني مما قادها إلى إحداث قطيعة معرفية وفلسفية وعلمية؟

سأسوق مثالين في التعاطي العاطفي المتشنج للعقل العربي مع إحدى أخطر القضايا الراهنة لأبين فشل هذا النوع من التعاطي وقصوره في تأدية المهمات المنوطة به.

فعلى صعيد مسألة التعريب، وإن كنت أعتبر نفسي من المتعصبين للغة العربية، فإنني أعتبر أن مسألة التعريب لم تطرح بالطريقة السليمة والعلمية والعقلانية التي تفضي بالفعل إلى انتشال اللغة الشريفة من حالة الهوان والفقر والانحطاط التي تتخبط فيها. إن تخلف اللغة العربية عن ركب الاكتشتفات العلمية والثورة الابستيمولوجية التي عرفها الغرب منذ عصر النهضة الأوروبية وانزواءها وانحصار الأخذ بها في مجال علوم الفقه (ومن ذلك قول الجابري أن الحضارة العربية هي حضارة فقه بامتياز(2))، كل ذلك أدى إلى تحولها إلى لغة جامدة لا تاريخية لم تتطورمنذ لسان العرب لابن منظور (القرن السابع هجري). إن تعريب الإدارة والتعليم، فرنسيّي النشأة، لا يكفي لإحياء اللغة العربية وإعادة بعثها كلغة "للعصر" ما لم تتحول إلى لغة لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا والصناعة والمعرفة والثقافة والفن. وإذا نظرنا إلى هيمنة الغرب على صعيد المعرفة وصناعة المعرفة والكم الهائل من الحواجز الاقتصادية والقانونية وخاصة السياسية التي تحول دون ولوج العرب إلى عالم صناعة المعرفة (منظومة حماية الاختراعات وما يتكلفه ذلك من تمويل وموارد...) ومحاصرة تجارب التصنيع والتسلح الوطنية... سنجد أنفسنا أمام استنتاج واحد وهو ضرورة العمل على مستويين: مستوى أول يدعم اللغة العربية كلغة وطنية للإدارة وكذلك وخاصة العمل على إقليمي ودولي ودبلوماسي (كمكمل ضروري) من أجل مجابهة الحواجز المعرفية التي تحدثنا عنها سابقا على مستوى دولي وفي شكل جبهات دلبوماسية إقليمية، ومستوى ثان لدفع تعلم لغات المعرفة المعاصرة والتمكن منها ودعم البحث العلمي للحاق بركب الأمم بعد طول تأخر. إن الترجمة والتعريب لن يجديا نفعا قبل أن نتحول إلى قوى منتجة للفكر والمعرفة، وإن كان ذلك بلغة أجنبية، فيسهل بعد ذلك كسر الجمود الذي يعاني منه لسان العرب منذ قرابة السبعة قرون.

أما على صعيد السياسة الخارجية واستراتيجية العرب (إن وجدت) في مواجهة التحديات الإقليمية والقومية، فمن الوجاهة استحضار ما كتبه الشهرستاني في " العقلانية الفارسية الإيرانية مقابل القبلية والحدس العربي"،... وإن كنت أمقت فكرة العداوة الوهمية بين إيران 'الفارسية الشيعية" والعرب "السنة"، فإنه من الجدير، من الناحية التحليلية البحتة، دراسة ردود فعل الحكومات العربية بعد بوادر التقارب الأمريكي الإيراني حول الملف السوري... لم يجن العرب شيئا من سياسة الولاء الأعمى للأمريكان وهم يرون اليوم أن التقارب الإيراني الأمريكي يسقط في الماء كل طموحاتهم لضرب إيران، القوة العظمى الصاعدة، عن طريق أمريكا... ذلك لأن العرب (الحكام العرب) لطالما تفاوضوا مع الأمريكان فرادى ولم يؤسسوا أبدا لدور استراتيجي موحد، بل يمكن القول أنهم كانوا دوما يتآمرون مع الأمريكان ضد بعضهم البعض في سباق لاسترضاء سيد البيت الأبيض الذي كان، من جهته، حريصا على بث الفوضى والفتنة في جسد الأمة العربية قصد دفعها إلى سباق التسلح ضد الشعوب المقهورة، وضد بعضهم البعض وضد العدو الإيراني الوهمي لغاية إحكام القبضة على مواردنا وثرواتنا لنزيد تخلفا وفقرا وانقساما.


إن السبيل الوحيد للقطع مع هذا السائد البغيض القبيح هو استيعاب الماضي برمته  في ما يسمى بالعقل العربي الكلي كنقيض للكليانية. فإذا كانت الكليانية تقصي كل ما يتعارض وسلطة الحاكم المشرِّع، فإن العقل الكلي الكوني يشرِّع لوجود الكل داخل منظومة قوامها العقلانية والاستصلاح والاستحسان والاجتهاد من أجل بناء المستقبل، ووحده تشبيب الطبقة السياسية وتجديد فكرها ووعيها قادر على كسر هذا السائد والخروج بالواقع الضيق إلى مستقبل أرحب. ولن يتم هذا إلا باقتلاع النظام القائم الذي لا يثير الماضي إلا من أجل إعادة كتابته على هواه وترسيم نظريته في الماضي حاضرا ليظل العقل العربي سجين الماضي والشعب التونسي أسير الخلافات المذهبية ومعارك الجامعات وأحقاد الأحزاب وضغائن "الشخصيات الوطنية"؟ في الأثناء يواجه شباب الثورة اليأس والإحباط وذل البطالة ويلقى به في غياهب السجون أو في محارق الماضي كوقود حرب في معارك لا ناقة له ولا جمل فيها.

فليسقط النظام ولتحيى تونس.


أيوب المسعودي
22 أكتوبر 2013


المراجع

(1) - A. Lalande, "La raison et la Norme", pp 16 - 17, 1963
(2) - محمد عابد الجابري، "نقد العقل العربي"



vendredi 13 septembre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1

في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري في "حوار المشرق والمغرب"، وهو كتاب يجمع جملة النقاشات الفكرية والسياسية التي جمعته مع نظيره المصري الدكتور حسن حنفي، قائلا "فنحن أمة واحدة تاريخا، ووطنا، وأرضا، وشعبا، وثقافة، وهمّا، وحاضرا ومستقبلا. تجزئتنا إحدى مآسينا، وتفرقتنا نتيجة لاستعمارنا وأحد أسباب عجزنا عن مقاومة أشكال الاستعمار الجديدة. حدود مصطنعة، ودول مزعومة، ونظم غير مستقرة، ليس لها نظرية أممية أو قومية أو ووطنية. ملكيات وراثية يرضى عنها البعض، ونظم ثورية إثر انقلابات عسكرية يعاني منها الكثير، وكلاهما تنقصه نظرية في العقد الاجتماعي تفسر نشأة السلطة".





ما أحوجنا إلى مثل هذه الحوارات في زمن عسكرة العقول واصطفاف الضمائر

ما لفت انتباهي من جديد إلى هذا الكتاب وجعلني أعود إلى تصفحه، علاوة على ألمعية المتحاورين ، هو اتساق القضايا والأطروحات المتناولة مع حاضرنا العربي حتى ليخيل لك، وأنت تقرأ الكتاب، أن الحوار لم ينته وأن حركة التاريخ قد توقفت، على الأقل في عالمنا العربي. فالفقر والتخلف والتبعية ما يزالون يطبعون حاضرنا حاجبين أي أفق للانعتاق أو التحرر الحقيقي مقابل تأجيج الطائفية والتطرف وما يترتب عن ذلك من تشطير للأمة فكرا وكيانا وجغرافيا من أجل تجزئة المجزء وإحكام هيمنة المستعمر على السياسة ثم الثروة.


لقد رجع المفكران إلى تحديات عصر النهضة العربية، للوقوف على أسباب إخفاق المحاولات الإصلاحية الصادقة لمفكرين عرب بدءا بالأفغاني وصولا إلى محمد عبده والكواكبي وأرسلان وغيرهم كثيرون من أولئك الذين عايشوا بداية انهيار الامبراطورية العثمانية وخوف الأمة من اندثارها ونهاية دورها الحضاري. وفي الحقيقة فقد صاحب هذه الحركة "العربية" اعتقاد راسخ بدور التتريك والإسلام السياسي العثماني في تقهقر الحضارة الإسلامية فكان أن نادى العديد إلى كسر مركزية الدولة وعقلنة السياسة وإرساء الحرية وتحكيم العقل. ومع ظهور القومية التركية و"تركيا الفتاة" ودور إدارة المستعمرات البريطانية في حركة الشريف حسين تحت مسمى "الثورة العربية الكبرى"، تحقق المحتوم أي انفصال الدول العربية عن الامبراطورية العثمانية المنهارة ونشأة الحركات الوطنية المنادية باستقلال "الأقطار" ومقاومة الاستعمار. ومع ميلاد الدول الوطنية القطرية المستقلة، حرصت الدول الاستعمارية أولا على دعم حركات أصولية ستلعب دور الإزعاج والابتزاز لبعض الأنظمة القومية لاحقا أو تنصيب وكلاء محليين يضمنون حماية مصالحها بعد خروجها "جغرافيا" لبقاءها "سياسيا". وستعمل المخابرات الغربية طوال عقود بعد ذلك على حبك المخططات وبث الفتنة داخل الأنظمة العربية أو بينها لدفعها إلى الاحتراب وثنيها عن طريق الوحدة والاتحاد. فكما سعت فرنسا مثلا إلى السيطرة المتواصلة على إفريقيا الغربية عبر ابتزاز الأنظمة بتمويل وتسليح المتمردين أو دعم المعارضين وتأجيج الصراعات العرقية، حرصت المخابرات البريطانية والأمريكية على خلق التوجس والفرقة داخل الجسم العربي وخاصة في دول الخليج التي تسابقت للتسلح وفتح أبوابها أمام القواعد العسكرية الأمريكية لحماية عرش العائلات الحاكمة من الشعب الجائع أو الجيران "المتآمرين".

كما أن الحوارات المنشورة للعابدي وحنفي ناقشت قضايا الثمانينات وبداية التسعينات وما رافق هذه الحقبة من تزايد لشعبية الحركات الإسلامية مع الثورة الإيرانية وفشل الأنظمة "القومية" في تحقيق تطلعات الشعوب من تحرر واستقلال فعليين. الكل يعرف ما آلت إليه محاولات الحركات الإسلامية التي حاولت هنا وهناك المشاركة في العملية السياسية.

لست هنا لتحميل مسؤولية واقعنا الرديء لفصيل سياسي أو أيديولوجي دون آخر، فقد اجتهد المفكرون والسياسيون كل حسب تجربته الذاتية وسياقه التاريخي الموضوعي. فكل المدارس السياسية والفكرية حملت وتحمل جزءا من المسؤولية في ما آل إليه وضعنا العربي، ولعل أخطر إخفاق يكمن في فشل التوافق حول مسألة جوهرية وهي تحكيم العقل وعقلنة السياسة وتعصيرها على أساس الحكم للشعب ومن الشعب وعلى أساس النتائج لا الأيديولوجيا والشوفينية العرقية أو المذهبية.

أنا هنا للتساؤل معكم، متى نستيقظ من سباتنا نحن العرب؟ ولماذا كتب على كل حركات التنوير والنهضة والتجديد العربية بالفشل؟ لماذا نتغاضى عن أمهات القضايا لنخوض في رؤية الهلال ورضاعة الكبير؟ لماذا تطرح الأحزاب السياسية مثلا، في مزايدة مضحكة، مسألة تعريب التعليم كمسألة ذات أولوية (ولا أقبل مزايدة في العروبة ممن يسترشدون بالفكر القومي العروبي خطابا ويطعنونه وراء جدران السفارات الغربية)، مع يقينهم باستحالة تطبيقه وبأن تطبيقه في ظل تخلفنا العلمي والأدبي والثقافي انتحار حضاري؟

لقد أصيب العقل العربي بشلل نصفي منذ أن أعلن أبو حامد الغزالي (القرن 11 و 12 م)، الأب الروحي للسلفية، الحرب على العلوم العقلانية والنقدية والطبيعية فكفر الفارابي وابن سينا وكتب "تهافت الفلاسفة"... ولم تفلح ألمعية ابن رشد (القرن 12 م) ومحاولاته في إحياء تلك العلوم وإنصافها في "تهافت التهافت" في نفخ روح جديدة في العقل العربي وكان الأوروبيون هم من استفادوا من فلسفة ابن رشد فنهضوا بترجمة توماس الأكويني (Saint Thomas d'Acquin)، في القرن 13 م، لكل ما كتب ابن رشد من تفسير وشرح ونقد، لا نقل، لفلسفة أرسطو. وهكذا ستولد العقلانية الأوروبية فيما بعد مع ديكارت وليبنيتز وسبينوزا (القرن 17 م) ثم لاحقا فلسفة التنوير مع ديكارت وكانط وفولتير... تمهيدا للثورة الفرنسية وما تبعها من ثورات أوروبية في القرن 19.


وهنا علينا أن نتساءل، هل يمكن لثورة لم يسبقها عمل تنويري يؤسس لأرضية فكرية أصيلة وتتوفر على مناصرين من داخل الشعب أن تحقق أهدافها؟ أعرف أن الكثير سيتهم خطابي هذا ب"التعالي" وب"النخبوية"...؟ ولكن أليس من الشعبوية والنفاق بل ومن الإجرام أن تعد الأحزاب الشعب بالجنة على الأرض وهم يفتقرون لبرامج مجددة وناجعة ونابعة من الواقع لا مجرد اجترار لنظريات ونماذج أثبتت فشلها في أكثر من موطن؟
لماذا تحول جوهر الثورة من طبيعته الطبقية كصراع من أجل الوجود والكرامة والحرية إلى صراع فقهي؟ لماذا سكت الفكر ونطق التكفير؟ لماذا اغتيلت الأفكار بسلاح الفتاوى؟ لماذا تحول الصراع من صراع بين أقلية عائلية وإقطاعية موالية من جهة وشباب معدم ومفقر من جهة أخرى إلى حرب بين "إسلاميين ظلاميين" و"علمانيين كفرة"؟ ألم تسبق الثورة الفرنسية فلسفة تنويرية بينما سبقت ثورة 17 ديسمبر حملات دمغجة وقصف للعقول إما عبر قنوات الدعارة الممولة خليجيا أو قنوات بول البعير وحكم إرضاع الكبير الممولة أيضا... خليجيا؟
لماذا نخوض في كل شيء إلا في أصل الداء؟ ألا يضرب بمجتمعاتنا المثل في أقصى درجات الغنى وأشد حالات الفقر كما يقول العابدي؟ كيف حدنا بجوهر الثورة عن أصله ونحن أمة واحدة نعبد إلاها واحدا، قبلتنا واحدة ولغتنا واحدة؟ أما آن الأوان لنا أن نترك الجدل الفقهي المصطنع ونهجره ونتفرغ للعبادة الفعلية، أليس العمل عبادة في ديننا السمح؟ فمتى سنناقش المسائل الرئيسة، أي كيفية توزيع الدخل القومي بطريقة عادلة وناجعة بما يحقق الرخاء والعدل بعيدا عن الهبات والمعونات وما يصاحبها من إذلال وهيمنة؟ لماذا يعد العالم العربي أغنى أغنياء العالم وهم قلة قليلة أمام أفقر فقراء العالم وهم السواد الأعظم؟ لماذا تجتر أحزابنا النماذج الاقتصادية البالية والفاشلة وتنحني لإملاءات المؤسسات المالية العالمية التي لا تبحث إلا عن مزيد تفقير الشعوب وإحكام هيمنة الدول الاستعمارية عليها؟ لماذا التزمت حركة النهضة باتباع سياسات اتفاقية واشنطن وما تمليه من خيارات ليبرالية متوحشة أثبتت فشلها، ألم يكتب ستيغليتز (أمريكي متحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد) ما يثبت فشل هذه الخيارات في كتابه "Le Prix de L'Inégalité" لتصح مقولة "وشهد شاهد من أهلها"؟

نحن أمام نخبة سياسية تسعى أكثر إلى تحصين امتيازاتها وتأبيد سلطتها أكثر من تحصين العقول الذي يمر أولا عبر تحصين القوت وتوفير العمل والعدل في توزيع الثروة. إلا أن جزءا من هذه "النخبة" لا يهمه الانعتاق الاقتصادي للتونسيين، والذي هو أساس الانعتاق الحقيقي، بقدر ما يهمه الإبقاء على العقول في حالة تخدُّر لتمرير الخطابات الأيديولوجية وتجنيد الشباب المعدم في معارك حزبوية انتخابوية وأخرى إقليمية لا تخدم إلا أعداء الأمة. بل يمكن القول أن النخبة السياسية الحالية، سلطة ومعارضة، تريد أن تسجن الشعب في أحقادها الأيديولوجية وتقحمه في استكمال معارك الجامعات التي لن تنتهي إلا بخراب الوطن.