vendredi 10 mars 2017

صرخة فزع : بين دولة منسحبة ومجتمع لا يرحم

صرخة فزع :الشباب بين أنياب البوليس وانسحاب الدولة وعنف المجتمع


أيوب المسعودي
10 مارس 2017

ليس صحيحا أن الشباب متواكل وينتظر حلولا تأتيه من السماء، هذه مقولات العنف الليبراليّ الّتي ترمي إلى تجريم الحراك الاجتماعيّ وتحميل الفقراء والمهمّشين ذنب فقرهم لأنّهم لم يكونوا "شرسين" كفاية في غاب الرّأسماليّة الّتي ينتصر فيها المفترسون ولا مكان فيها للوداعة.
ياسين الماجري قبع في السّجن قرابة العام قبل أن يحال على أنظار المحكمة. تحدث إليّ ورأيت فيه نموذجا عن الشباب الكادح الّذي يأبى أن يمدّ يده للعطايا والهدايا، لا يخاف الجمع بين مهنتين، هو نموذج من الشّباب المقدام، وما أكثرهم، ممّن يمكن اعتبار حياتهم حربا يوميّة ضدّ شبكة من العوائق والنّوائب، حياتهم حرب مستمرّة مع التّشغيل الهشّ والزّبونيّة الّتي تحكم علاقات السّلط المحلّيّة مع منظوريهم، وتوتّر العلاقة مع البوليس الّذي تربّى على حفظ النّظام بدل حماية حقوق المواطن... ياسين عيّنة من الشّباب الّذي أرادت دولة البوليس تدميره ومحاصرته وخنقه اجتماعيّا وجزائيّا وحتّى اقتصاديّا بمفهوم سياسة القمع الاقتصاديّة (كما بيّنت ذلك Béatrice Hibou  في كتاب La force de l'obéissance: économie politique de la répression en Tunisie) الّتي ترمي إلى إجبار المواطنين على الرّضوخ لآلةالقمع والانصياع لإكراهاتها وشبكة علاقاتها وهرميّتها الاعتباريّة والاجتماعيّة...



ياسين عانى التّشغيل الهشّ قبل السّجن وهاهو اليوم يعاني النّظرة الدّونيّة لمجتمع تربّى على العنف المادّيّ والرّمزيّ، مجتمع انشطر على نفسه وفقد "نباهته الاجتماعيّة" بمفهوم علي شريعتي ليفقد تضامنه مع أحوج فئة فيه إلى الجماعة والتّضامن والتّآزر. كثير من الشّباب يعاني التّهميش والبطالة قبل السّجن ثمّ بعد الخروج يجد نفسه غارقا في ديون القفّة وإعالة الأهل في غيابه... ويصبح بحثه عن شغل بمثابة عبور للصّحراء وقد التصقت به صفة "صاحب سوابق"؟ إنّها العبثيّة الّتي سقطت فيها دولة الغباء.
ياسين نموذج من الشّباب الكادح الّذي يكذّب مقولة أنّ الشّباب متكاسل ولا يحبّ العمل، هو ضحيّة سياسة اقتصاديّة مبنيّة على هشاشة التّشغيل والنّسيج الاقتصاديّ الّذي يولّد هشاشة في مستوى العلاقات الاجتماعيّة وشبكة العلاقات وبالتّالي ضعفا أمام أجهزة الدّولة الّتي عوض أن تخدمه تحوّلت إلى أداة قمع أو في أحسن الأحوال أداة ابتزاز.
ياسين محاصر، لم يتعافى بعد من الآثار النّفسيّة للسّجن، غارق في الدّيون وفي صخب الحياة المليئة بالنّوائب والمشاكل والتّعقيدات ولكنّ تصميمه على الوقوف والعودة للعمل والنّهوض من رماد الظّلم والقهر درس لنا جميعا وخاصّة تفنيد لخطاب الرّأسماليّة الّتي تريد أن تضع وزر جريمة اغتيال الدّولة الاجتماعيّة  وانسحابها من دورها الاجتماعيّ على ظهر الشّباب المهمّش.

من المستفيد من هذه المأساة الاجتماعيّة والإنسانيّة؟ لا أحد. لقد انتظر الشّباب من يمدّ له يد العون ليخرج من عتمة الحقرة والدّونيّة إلى أفق الانعتاق والتّحرّر والكرامة، وما لم نستفق من غفوتنا ونصغي إلى هذا الاحتقان ففمة من يتربصون بشبابنا شرا بخطاب التطرّف والتّهلكة والدّمار، فأنقذوا شبابنا، أليسوا أولى بالمصالحة من الحيتان الكبيرة وبارونات الفساد؟ لماذا نتسامح مع مجرمي الدّمار الشّامل بل ونعوّض البنوك الّتي أفلسوها بمال الشّعب بينما ننكّل بضعاف الحال ونحشد ماكينات البوليس والقضاء ضدّهم؟

samedi 14 janvier 2017

على عتبات سبع سنوات عجاف : المأزق التونسي

كم راكمت الثّورة من فشل وإخفاق على مر ستة أعوام من التقلبات والمدّ والجزر، وكم كان الجزر غالبا والمدّ متردِّدا خجولا! كم كانت الإخفاقات والانتكاسات كثيرة ككثرة ناسبي أنفسهم إلى الثورة وكم كانت النجاحات محتشمة، كم كان "الثوار" منقلبين على أعقابهم منقسمين قبل الوصول إلى الهدف لا يعون حجم الرهان التاريخي وكم كانت المنظومة القديمة منسجمة واعية بما يمكن أن تخسر، تلك هي المعظلة التونسية وجوهر التناقض المؤدي إلى المأزق.



المأزق السياسي

كلّما ووجه مسؤول سياسيّ من إحدى الحكومات المتعاقبة بأسئلة حول الإنجازات الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلّا ولجأ إلى الحديث عن الإنجازات السّياسيّة وتثبيت الدّيمقراطيّة والتّداول السّلميّ على السّلطة. سأبيّن فيما يلي كيف أنّ طبيعة النّظام السّياسيّ والانتخابيّ تحمل بذور الارتكاس والفشل والعطالة في كلّ المجالات.

لقد اختار المجلس التّأسيسي نظام حكم لا رئاسي-لا برلماني: إنّه نظام حكم لا رئاسي لأنه يوهم بوجود رئيس جمهوريّة صاحب سلطة وصلاحيّات ذات بال ولكن داخل مجالات "تخصّص" محدّدة وكأنّه موظّف عند الدّولة ومُكلّف بمهمّات بعينها. الغريب أنّ هذا النّظام يجرّد الرّئيس واقعيّا ممّا منحه له الانتخاب المباشر، أعني التّفويض الشّعبيّ المباشر، ليجعله مقيّدا بتوافقات الأحزاب الكبرى في البرلمان. من هذا المنظور، يكون الإبقاء على الانتخاب المُباشَر لرئيس الجمهوريّة أقرب إلى مخاتلة الوعي التّونسي الذي كان وما زال يتمثّل الحُكم في وِحدة الحاكم المجسّدة في شخصيّة الرّئيس. وتبقى شخصيّة الرّئيس ذات نفوذ أدبيّ وهيبة، على الأقلّ في المخيال الشّعبيّ، ولكنّ انشطار قرار الدّولة وتنازع مقود السّفينة بين أكثر من ربّان أربك التّونسيّين وضرب صورة الرّئيس ومن خلالها صورة الدّولة. بل إنّ المخاتلة أدهى وأعمق من ذلك لأنّ هذا النّظام الهجين يسمح لأصحاب القرار في الكواليس والمكاتب المغلقة وغرف التّحرير الإعلاميّة برمي جلّ المسؤوليّة السّياسيّة لأيّ فشل على عاتق رئيس الجمهوريّة الّذي ظلّ كما سبق وأن ذكرنا "الرّبّان المفترض" للسّفينة و"القائد" الّذي يتحمّل المسؤوليّة أوّلا وآخرا. ولكنّ هذا النّظام يصبح معتلّا عندما نرى ضآلة الصّلاحيّات الممنوحة للرّئيس وهامش تحرّكه وقراره. وجوهر القول أنّنا بهذا  النّظام نرى مرشّحين للرّئاسة يعدون بما لا يملكون ولا يملكون بعد الفوز إلّا أن ينقادوا لإرادة "أحزاب الأغلبيّة" إن توافقت.

لقد تعلّل مهندسو هذا النّظام بخطر العودة إلى الحكم الفردانيّ الاستبداديّ من باب النّظام الرّئاسيّ وغفلوا أو تغافلوا عن الأنظمة الفاشيّة الّتي أتت من شبّاك البرلمانات كالحكم النّازيّ الّذي أتى عبر نظام "ديمقراطيّ برلمانيّ" في جمهوريّة فايمار بعد أن غرقت في الصّراعات السّياسيّة والأزمات الاقتصاديّة، ربّما يجهلون أو يتجاهلون النّظام البرلمانيّ الّذي وضعه لويس الثّامن عشر في فرنسا إبّان عودة الملكيّة ك"هبة" للشّعب وثمن لإبرام توافقات مع "الثّوّار". لعلّهم تجاهلوا أيضا حقيقة أنّ الأنظمة البرلمانيّة غالبا ما لعبت دورا معطِّلا لحركة التّاريخ والسّياسة على مرّ الأزمنة وهو ما دفع نابوليون بونابارت أو شارل دي غول مثلا للعب أدوار محوريّة في تاريخ فرنسا عندما كانت البرلمانات عوامل شلل وعجز وتقهقر.

وإذا رجعنا إلى الجذور الإيتيمولوجيّة لمفهوم البرلمان (Parlamentum) الحمّالة لمعاني الجدال والتّضادد والتّحاجج، فنحن لن نجد في واقع العمل البرلمانيّ التّونسيّ ما يعكس التّعدّديّة الفكريّة والبرامجيّة. ذلك أنّ النّظام الانتخابيّ والطّفرة الحزبيّة وغلبة المال على السّياسة والأعمال على الأفكار والمصالح على البرامج كرّست مفاهيم جديدة مستحدثة من قبيل التّوافق بين "الأضداد" و"حكومات الوحدة الوطنيّة" و"جبهات الإنقاذ"... للتّغطية على الفقر البرامجيّ والضّمور الفكريّ والغياب الرّهيب للتّضادد في بُعده الإيجابيّ أي كوفرة نوعيّة للأفكار والبرامج. إنّ التّوافقات الحزبيّة حول السّلطة لا البرامج طوّعت السّياسة والنّظام السّياسيّ لخدمة الأحزاب السّياسيّة ومموّليها وحلفائها الدّاخليّين وحتّى الخارجيّين وميّعت السّياسة الحقّة المنبنية على تضارب الرّؤى والبرامج والمحاججة العلميّة المدعّمة بالدّراسات والأبحاث والقراءات الاستشرافيّة المعمّقة.

ثمّ إنّ النّظام البرلمانيّ التّمثيليّ كان فكرة الفلاسفة والمفكّرين في عصور غلبت فيها الأمّيّة والتّوحّش، وهي ظروف انتفت في عصرنا مع دمقرطة التّعليم (على أنّ أزمة التّعليم في تونس تحتاج مجالا أوسع للنّقاش) والطّفرة العلميّة والمعلوماتيّة. إنّ النّظام البرلمانيّ في شكله الحاليّ، أي كمجال لتعطيل سير الدّولة والإصلاحات وبعث المؤسّسات الدّستوريّة والانتخابات المحلّيّة والجهويّة لتعطّل في توافقات الأحزاب وتضارب في مصالحها الآنيّة، هو أقرب إلى الجدار العازل الّذي يريد فصل الإرادة الشّعبيّة المباشرة عن السّياسة وتدبير الشّأن العامّ ممّا فاقم من ظهور ما يمكن تسميته ب"السّياسيّين المحترفين" الّذين جعلوا من السّياسة "مورد رزق" و"عملا قارّا"، وهي ظاهرة خطيرة أسهمت في بروز نوع من "الأرستقراطيّة النّيابيّة" الّتي تدور في فلكها مصالح ولوبيّات حطّت من قيمة العمل السّياسيّ ومعانيه وقيمه.

ولن تعترف الأحزاب السّياسيّة بهذا المأزق لأنّ جلّها يرى في المنظومة الجديدة إطارا مناسبا للعمل والتّموقع والتّواجد في المجال السّياسيّ. والأحزاب الّتي تدافع عن النظام البرلماني من ثلاثة أصناف : أحزاب لا تملك تصوّرات وبرامج وإنّما أرصدة بنكيّة تسمح لها بالتّموقع والتّكيّف مع كلّ الأنظمة الاستبداديّة منها والفاسدة وحتّى "الدّيمقراطيّة الرّخوة" وأخرى ضعيفة ترى في نظام أكبر البقايا فرصة للتّواجد والبقاء ولو في الحدّ الأدنى الّذي يوفّر لها مجرّد وجود صوتيّ وإعلاميّ وأخيرا أحزاب الاستراتيجيا (وهنا أتحدّث عن الحيتان الكبيرة) التي ترى في هذا النّظام الهجين هديّة من السّماء وتتّخذ منه حجابا لتدير من ورائه أعمالها ومصالحها وتثبّت قاعدة حكمها وتوزّع الثّمار على أولياء النّعمة وسط ضبابيّة محسوبة للصّورة جعلت الشّعب لا يعلم من يحكم ومن يقرّر ومن يُحاسب على ذلك؟ ما يزيد الأمر ضبابيّة هو دخول أطراف أساسيّة من السّلطة الحاكمة في ما يشبه تشكيلات معارضة تحت يافطات من قبيل "جبهة إنقاذ" لتضع ساقا في السلطة وأخرى في المعارضة...
نحن إزاء مأزق حقيقيّ علينا أن الاعتراف به: نظام حكم لا رئاسيّ ولا برلمانيّ وسلطة منشطرة فلا هي نجحت في أن تكون ما تريد فعلا، أي أن تكون مركزيّة يعاقبيّة (jacobine)، ولا هي مضت بجدّيّة في اللّامركزيّة الّتي كرّسها الدّستور في أبوابه المتعلّقة بالحكم المحلّيّ والجهويّ. نحن إزاء سلطة سياسيّة تواصل العمل برجالات العهد القديم وقوانينه ومؤسّساته الّتي تتوازى مع "الرّوح الجديدة" الّتي من المفترض أن تبثّها الثّورة والقوانين والمؤسّسات الجديدة أو المُعَطَّلة أو غير المُفَعَّلة بحسب الأهواء والمصالح... وهذا يخلق تضخّما قانونيّا وتضاربا يمسّ من وِحدة الدّولة (Atomicité) الّتي لا تتجزّأ، والدّول والحضارات الّتي تتشعّب فيها القوانين وتتعدّد وتتراكم وتتضارب تسقط كما سقطت الامبراطوريّة الرّومانيّة الّتي تعقّدت تشريعاتها وتعدّدت وصارت غير ملائمة لروح عصرها.


هنا يتّضح نفاق حتّى من ينسبون أنفسهم إلى الثّورة عندما يترشّحون للرّئاسيّة دون الحديث عن هذا المأزق وما ينوون فعله إزاءه: فعندما يترشّح أحدهم زاعما تمثيل "جناح الثّورة" ضدّ الثّورة المضادّة، بعد أن جرّب رئاسة عاجزة عن الدّفاع عن صلاحيّاتها المحدودة، كيف يمكن تفسير ترشّحه لدورة ثانية ضدّ مرشّح النّظام القديم بعد أن فاز حزب هذا الأخير في التّشريعيّة؟ هل كان هذا المرشّح "الثّوريّ" أن يتعايش مع المنظومة القديمة؟ وكيف كان سيتعامل مع "الأعداء" السّياسيّين بعد أن فشل مع "حلفاء الأمس"؟ ألم يكن ليخدم بذلك مصلحة النّظام القديم بسدّ الشّغور في منصب صوريّ بلا صلاحيّات أم أنّه كان ليلعب دور المعارض أو المشاغب من الدّاخل؟

الجواب هو أنّ كلّ مشروع جذريّ يتخلّى عن جزء من الحكم باسم التّوافقات سيتخلّى تدريجيّا عن الجذريّة. إنّ كلّ من يقبل بلعبة التّوافقات مع المنظومة القديمة سيخدم الثّورة المضادّة وإن ادّعى المعارضة من الدّاخل لأنّه بذلك يغذّي وهم الدّيمقراطيّة البرلمانيّة القائمة على التّلاسن والتّضارب الكلاميّ العلنيّ باللتّوازي مع الطّبخ السّياسيّ السّرّيّ.

لست بصدد استعراض تساؤلات وتفاصيل عرضيّة، فالشّيطان يسكن في التّفاصيل وأورام الذّوات الّتي تختزل أحيانا وعيا مأزوما ونفسيّة جمعيّة مهتزّة. وما لم نعالج هذه التّناقضات، وما لم نأت على أصل الدّاء بمشروع متكامل يتجاوز هذه التّناقضات ويلغيها وفق شروط واضحة وأهداف مرسومة ومنهجيّة عمل أخلاقيّة ومبدئيّة لا تجيّر السّياسة لأورام الذّوات والأحزاب واللّوبيّات، لن نخرج من تناقضاتنا وسنظلّ ندور في نفس الحلقة المغلقة.

إنّ أكبر خدمة يمكن أن تقدّم للدّيمقراطيّة هو إضفاء الوضوح على المجال السّياسيّ عبر نظام سياسيّ وانتخابيّ مبسّط يفرز أغلبيّة واضحة منسجمة تحكم وتُساءل وتُحاسب على برامجها ونتائجها. وليس من مصلحة الدّولة، ذات العلويّة على المصالح الذّاتيّة، أن يكون رئيس الدّولة من خارج دائرة الأغلبيّة البرلمانيّة. وإذا ذهبنا في الحفاظ على التّوزيع الحاليّ للصّلاحيّات بين رأسي السّلطة التّنفيذيّة، وبما انّ رئيس الجمهوريّة يتمتّع بالتّفويض الشّعبيّ المباشر على عكس رئيس الحكومة، فلعلّه من الجدير التّدبّر في هذه الاقتراحات والأفكار:

ما لا يتطلّب تعديلا عاجلا للدّستور:
-  تسبقة الانتخابات الرّئاسيّة على الانتخابات التّشريعيّة،
- على كلّ مرشّح للرّئاسيّة تقديم برنامج يتضمن عددا من مشاريع المراسيم (10 على أقصى تقدير) يمكن أن تغطّي كلّ المجالات يصدرها رئيس الجمهوريّة خلال مدّته الرّئاسيّة وتكون ملزمة مهما كانت تركيبة السّلطة التّشريعيّة الّتي تفرزها الانتخابات التشريعيّة، وهذا التزام أخلاقيّ ملزم في المدّة الأولى حتّى تعديل الدّستور،


ما يتطلّب تعديل الدّستور :
- إفراد رئيس الجمهوريّة بصلاحيّة سياسة الدّفاع والتّعيينات في المناصب العليا للجيش ولا يعني ذلك إلغاء الضّرورة الأخلاقيّة والعقلانيّة للتّشاور في الأمر مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان أيضا،
- منح حقّ الفيتو لرئيس الجمهوريّة على مشاريع قوانين الميزانيّة.


المأزق الاقتصاديّ والاجتماعيّ

أما في المسألة الاقتصادية والاجتماعية فقد تم تطويع المال، العصب الثالث للحكم إلى جانب السلاح والإعلام، لصالح تثبيت الحكم وقاعدته الزبائنية عبر اتّخاذ سياسات استرضائيّة للمطلبيّة الاجتماعيّة وذلك بتوفير السّيولة من التّداين واستهلاك المدّخرات أساسا. وإن وجب الاعتراف بمشروعيّة المطالب الاجتماعيّة وطابعها الاستعجاليّ بعد عقود من الكبت السّياسيّ والمعاناة والحيف من جهة وبانسداد البدائل ودقّة الأوضاع في السّنوات الأولى بعد هروب المجرم من جهة أخرى، فإنّ المَعيب هو إمعان كل الحكومات المتعاقبة على اتّخاذ نفس السّياسات دون مراجعة أو أخذ مسافة من مآلات السّياسات المتّبعة واستشراف تأثيراتها على المستويين المتوسّط والبعيد.
هنا أيضا نعود إلى حقيقة أنّ الحكومات والأحزاب كانت ومازالت تعد بما لا تملك، ذلك أنّ الآنيّ والظّرفيّ والانتخابيّ والتّكتيكيّ هيمن على الاستراتيجيّ، وهو ما يفسّر تعدّد الجبهات وتقلّبها وانقساماتها وتغيّرها.
هنا علينا أن نتساءل عن دور السّياسيّ ودور المثقّف أو دور السّياسيّ المثقّف الاستراتيجيّ مقارنة مع المقاول السّياسيّ والمحترف الانتخابيّ الحزبيّ. فالأوّل يواجه الرّأي العامّ بما يحبّ وخاصّة بما يكره وإن كلّفه ذلك انتخابيّا على المدى القصير والمتوسّط بينما لا يراعي الثّاني إلّا التّكتيك الانتخابيّ ولسان حاله يقول "أوصلوني إلى السّلطة وبعدها سأريكم ماذا سأفعل" تماما كما حصل مع حزب الكفاءات الّذي ادّعى قدرته على تشكيل أكثر من حكومة فكان أن انقسم إلى شقوق لا تُعَدّ ولا تحصى.
المأزق هو عندما تعد بعض الأحزاب الجنّة على الأرض دون أن تفصح عن الطّريق إليها، وكلّنا نعلم أنّ الطّريق إلى الجنّة محفوف بالصّعوبات والمنزلقات والتّحدّيات الّتي لا تستثني أحدا. ثمّ إنّ مفهوم الجنّة عند البعض يمكن أن يساوي الجحيم عند الآخرين. إنّ مفهوم السّعادة والرّخاء والتّقدّم  والتّطوّر والعدالة والعدل كلّها مفاهيم شهدت مراجعات وتمحيصا وتدقيقا ودراسات نقديّة  بعد ما بعد حداثيّة زعزعت الوثوقيّات حولها كما زُعزِعت نظريّات أخرى كنهاية التّاريخ وهيمنة الرّأسماليّة وفرضها كنظام حتميّ طبيعيّ لا مناص منه.
المأزق هو أنّ الكلّ يتحدّث عن مفاهيم العدل والعدالة الاجتماعيّة مثلا كمطلب جوهريّ وشرعيّ ولكن لا أحد يفصح بوضوح عن المشروع الاجتماعيّ (لا المجتمعيّ) الّذي يصبو إليه؟ وهو سؤال علينا نحن، من نؤمن ب17 ديسمبر كمسار، أن نطرحه على أنفسنا وأن نتّفق عليه قبل مواجهة الثّورة المضادّة؟ ما هو الأفق الإنسانيّ والمشروع الحضاريّ الّذي نريده لأنفسنا وللآخرين، للعائلة وللجار وللجوارالقريب والبعيد؟ كيف يمكن تعريف خصائص الإنسان التّونسيّ الفرد المشكِّل لهذا المجتمع المنشود؟ وهل يمكن في ظلّ النّظام الاقتصاديّ الحاليّ المنبني على الاستهلاكيّة والفردانيّة والمشهديّة والصّورة والمنافسة في الاستهلاك لإثبات الوجود؟ هل يمكن أن نتحدّث عن هذا المجتمع الإنسانيّ المنشود دون نقد جذريّ للمفاهيم المهيمنة (paradigmes dominants) على المنتظم السّياسيّ؟
لنذهب خطوة إلى الأمام: ألم تُغرق هذه الدّيمقراطيّة البرجوازيّة في تناول موضوعات هي أقرب إلى التّرف الفكريّ منها إلى الحيويّ الضّروريّ بينما قاطعت ما هو مرتبط بالبقاء والضّرورات الدّنيا للحياة لطيف واسع من التّونسيّين الّذين يعيشون في الهامش الجغرافيّ والاقتصاديّ والإعلاميّ، أي سكّان الأرياف والجبال والصّحاري وحتّى الأحياء الشّعبيّة؟ متى نعترف أنّ حسابا انتخابيّا دخل على الخطّ وجعل هؤلاء المُهَمّشين الّذين لا يصوّتون بكثافة يقيمون في أسفل سلّم المعادلات السّياسيّة والحزبيّة؟
وقبل هذا وذاك، سواء تعلّق الأمر بالميسورين أو المعدمين على حدّ سواء، ما هو المشترك الأدنى الّذي يحقّق الاجتماع السّياسيّ القابل للدّيمومة السّلميّة بين الكلّ؟ ألم يهيمن الخطاب الاستهلاكيّ الرّأسماليّ الفردانيّ الّذي بثّ صورة الملكيّة المتاحة للجميع والسّيّارة والهاتف الجوّال والبلازما... كتمثّل أقصى للرّفاه والسّعادة مع تأثيم للمحرومين والمُعَطّلين والمعدمين في استبطان للنّظرة الرّأسماليّة للفقر كإثم يحمل الفقير المسؤوليّة الأولى والأخيرة فيه.
هنا مربط الفرس، هل سنواصل بيع الوهم والوعد بالسّراب في مجتمع ومنتظم سياسيّ يكابر في إعادة إنتاج مآزقه؟ متى نستفيق من هذا الحلم الكاذب؟ هل أنّ المجتمع التّونسيّ قادر ومستعدّ لمواصلة إثراء نفس الكبرادوريّين الطّفيليّين الّذين يجثمون على الطّاقات المكبوتة منذ عقود؟ هل نحن مستعدّون لمواصلة العمل على إثراء أقلّيّات لا أحد يعلم كيف استأثروا بعقود توريد سيّارات وقطع غيار واستغلال مناجم وآبار نفط؟ هل أنّ الكادحين مستعدّون لمواصلة العمل حتّى تتمكّن الدّولة من اقتراض العملة الصّعبة لتوريد الأوهام وما لذّ للكمبرادوريّين من منتوجات ليست في سلّم أولويّات التّونسيّين أصلا؟
ولكنّ السّياسيّ المثقّف والاستشرافيّ يواجه المواطن أيضا بما لا يحبّون، وهنا علينا أن نتساءل معا، هل أعطينا لأنفسنا الوسائل الّتي تتيح تحقيق أحلامنا؟ هل أنّ أحلامنا على قدر إمكانيّاتنا وتضحياتنا ومجهوداتنا؟ إذا كنّا نستورد كلّ ما نستهلك وإذاكان جزء هامّ ممّا نستهلك يتجاوز بكثير احتياجاتنا ذات الأولويّة، أليس حريّا بنا مراجعة تصوّراتنا للعالم وللمادّة والضّرورات وحقيقتها وأحقّية عدد من المنتوجات بالاستهلاك وخاصّة أولويّة احتياجات غيرنا عندما يموت الأطفال بردا مثلا.
كثيرا ما سمعنا "مختصّين" و"خبراء" اقتصاديّين يحدّثوننا عن دفع عجلة الاقتصاد عبر التّشجيع على الاستهلاك. هذاالخطاب، عن وعي أو عن غير وعي،  لا يخدم غير هؤلاء الكمبرادوريّين الاحتكاريّين (وكثير منهم متحالفون مع السّلطة) الّذين لا يرومون أكثر من ضمان انسيابيّة موادّهم المستوردة الّتي تدرّ عليهم ثروات جمّة دون تحقيق عمل إنتاجيّ ذي قيمة مضافة. من هذا المنظور، كلّ ما يهمّهم هو تحقيق الأمن وضمان "السّلم الأهليّ"، أي تحقيق صفر اعتصامات وإضرابات دون اعتبار للتّكاليف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة. ولعلّ الهجمة الشّرسة الّتي تعرّضت لها تجربة جمنة خير دليل على غيرة هؤلاء الكمبرادوريّين وزبانيتهم على احتكارهم للمقدّرات والخيرات ومعاداتهم لكلّ تجرية اقتصاديّة اجتماعيّة تضع الإنسان والبيئة والمشترك في مركز الاهتمامات بعيدا عن النّظرة الانتاجويّة (productiviste) المُتَجاوَزة.

لا خروج من هذا المأزق دون قطيعة جذريّة مع مفاهيم الإنتاج والاستهلاك في آن واحد وذلك عبر عدد من القرارات الجريئة :

- اعتبار تونس في حالة طوارئ اقتصاديّة واجتماعيّة قصوى،
- اعتبار المقرضين الّذين تعاونوا مع نظام المجرم بن علي مسؤولين عن حالة الفساد والأزمة الاقتصاديّة الّتي بلغتها تونس  (dommages colatéraux)،
- تجميد سداد الدّين الخارجيّ لمدّة لا تقلّ عن خمس سنوات يتمّ خلالها التّدقيق في طبيعة الدّيون حالة بحالة، ويعتبر هذا الإجراء تصحيحا لسياسات كانت مفروضة على تونس،
- فتح باب التّفاوض مع المقرضين المعنيّين بالتّجميد لتحويل ديونهم إلى استثمارات في قطاعات تصديريّة تختارها الدّولة التّونسيّة
- تأميم كلّ القطاعات السّياديّة المرتبطة بالطّاقة والمناجم،
- فرض ضريبة استثنائيّة على الثّروات الكبرى،
- وقف كلّ الواردات الغير حيويّة والّتي يكون لها بديل وطنيّ،
- التّخفيض في راتب رئيس الجمهوريّة إلى 5000 دينار في الشّهر،
- التّخفيض في راتب الوزراء إلى 3500 دينار،
- التّخفيض في راتب نوّاب الشّعب وكتّاب الدّولة إلى 2500 دينار،
- إنهاء العمل بمنظومة تقاعد رئيس الجمهوريّة على أساس راتبه الرّئاسيّ وتحتسب جراية تقاعده، هو والوزراء والنّوّاب على أساس راتبهم قبل ولوجهم إلى وظائفهم السّامية.



أيوب المسعودي
14 جانفي 2017
----

samedi 10 décembre 2016

جريصة الجريحة

إلى شهداء ثورة 17 ديسمبر بتاجروين محمد الجبالي وشوقي محفوظي

إلى الشباب الموقوفين في الجريصة منذ 12 فيفري 2016 ياسين ورحومة وسامي وأيمن وشاكر ومهذب وصابر ومنتصر وأمير ولطفي ورشدي وعزوز، إلى الشباب المنتصر في الجريصة، إلى من ردوا لنا الاعتبار.

يطلّ السّجين من شباك الزّنزانة مستنشقا نفحات الحرّيّة الصّامدة العنيدة قائلا: هل من مخلص لكم من جحيم التوافق؟

وأنا أكتب هذا المقال، تعود بي الذّاكرة إلى "كُدْية بُو عِشَّة" حيث وُلدت ونحت الوعي أول المشاهد في مخيّلتي. مازلت أذكر ذاك الحيّ الشّعبيّ الّذي كنت ألعب الكرة في أزقّته حافي القدمين. في رمضان، كنت مع صغار الحيّ نطلّ من أعلى"الكدية" نرقب أفول الشّمس وصوت المدفع لنركض بين المنازل مردّدين "مغرب، مغرب، مغرب...." ولا نعود إلى الثّغور قبل أن نطمئنّ على إفطار كلّ الصّائمين. كبر الأطفال الّذين كانوا يركضون وتبخّرت معهم أحلامهم، عتّم "البوسار" الأفق والمستقبل وهوت الأحلام الورديّة والصّور الرّومنسيّة لطفولة متمرّدة لتستحيل تهميشا وتفقيرا وحيفا.

من لا يعرفون الجريصة لا يعرفون "البوسار"، إنّه المرادف الشّعبيّ لل"poussière"، غبار ينبعث من معمل الإسمنت بأمّ الكليل انجرّ عنه تشبّع الهواء بموادّ سامّة بدّلت ألوان النّبات والأعشاب وقضت على صحّة الألوف ممن قضوا جراء سرطان في الرئتين أو الحنجرة.

من لا يعرفون الجريصة لم يروا آلاف الشّاحنات تخرج يوميّا محمّلة بآلاف الأكياس من الإسمنت دون أن يلج شيء من الثّروة المكدّسة هناك في المركز والسّاحل إلى الجريصة الجريحة، هذه المعتمديّة الأكثر ثراء باطنيّا ومنجميّا وأكثرها فقرا وتهميشا.

من لا يعرف بلدية الجريصة لا يعرف أنّها من أقلّ البلديّات ملاءة (Solvabilité) وأكثرها تداينا؟ لقد اعتمد نظام بورقيبة سياسات جهويّة مقيتة حتّى في التّقسيم التّرابيّ والإداريّ قصد عزل مناطق بعينها وتهميشها. هل يعقل مثلا أنّ ولاية كالمنستير الّتي أحبّها ككلّ ولايات الجمهوريّة (مساحتها 1024 كم²) تعدّ 31 بلديّة بينما لا تعدّ ولاية الكاف الّتي تعادل مساحتها خمس مرّات مساحة ولاية المنستير (5081 كم²) سوى 12 بلديّة؟ أترك لكم مقارنة ما ترصده الدّولة بهكذا تقسيم من ميزانيّات ودعم للبلديّات وبالتّالي للولاية ككلّ. هذا ناهيك عن خلل خطير حتّى في نظامنا السّياسيّ والانتخابيّ الّذي يعطي أكثر مقاعد للولايات ذات الكثافة السّكّانيّة الأكبر دون الأخذ بعين الاعتبار ظواهر النّزوح الّتي صحّرت مجالات شاسعة من البلد ممّا يعمّق الحيف الاجتماعيّ والاقتصاديّ المتردّي.

من لا يعرف بلدية الجريصة لا يعرف أنّها تفتقر حتّى لمستشفى يليق بمرتبة الإنسان ويمكن أن يضطلع بحالات المعاناة الّتي يتسبّب فيها البوسار...

هذه هي الجريصة الجريحة، أخذ الاستعمار حديدها ودم أبنائها وعرقهم لتواصل دولة "الاستقلال" أخذ ثرواتها دون استثمار يذكر فيها. وعندما يخرج أبناؤها للمطالبة بنصيب من الخبز الذي منّت به عليهم يُسامون التّنكيل والقنابل المسيلة للدّموع والإيقافات العشوائيّة وكيل التّهم القروسطيّة الّتي تذكّرنا بعهد خلناه انقضى وولّى "تكوين وفاق"، "منع الجولان" وغيرها من المفردات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ولكن جحيم التوافق له حراسه وعبدته. ومن اللافت، لو عدنا إلى قضية أبناء ساقية سيدي يوسف الّتي كنت من بين أكثر المدافعين عنهم في شتاء 2012 عندما كان الصراع بين حلفاء اليوم محتدما، كيف أنّ نداء تونس، في موقف المعارض زمنذاك، كان حاضرا بقوّة للاستثمار السّياسيّ معتبرا القضيّة سياسيّة والإيقافات مظلمة وكيف كان الإعلام يقوم بعمله، وأنا لا ألومه هنا بل بالعكس، للتّنبيه من خطر عودة الاستبداد والانتكاس.... ولكنّنا نلومه اليوم جزءا كبيرا منه على فقدان شرفه وغياب الحياد والمبدئيّة والوقوف مع القويّ على حساب الضّعيف والمسكين والمظلوم.

لو تعلم يا إعلام أنّ عدنان وإيلين ووجد محرومون من أحضان أبيهم منذ 303 يوما؟ لو تعلم ما تقاسيه أمّهم بين عناء القفّة ومصاريف  إعالة 3  أبناء في بلد صارت فيه الحياة جحيما أرضيّا للزّوّالي؟ ما الّذي فعلته مؤتمراتكم واجتماعاتكم وحواركم الوطنيّ وبلاتوهاتكم لهؤلاء الأطفال؟ أي دولة هذه التي تسجن من لم يمد يده ولم يسرق وإنما طالب بأن يكد ويعمل يرتزق بعرق جبينه؟ أي دولة هذه التي ترمي بأبنائها في مقتبل العمر وراء قضبان الجحيم بدل الإصاء والتحاور؟ أي دولة هذه التي توقف الشباب لأكثر من 11 شهرا دزن تحديد موعد للجلسة، أليسو بشرا لهم كرامتهم وحرمتهم وعائلاتهم وأبناؤهم؟ أي دولة هذه التي تزرع الشوك والأحقاد والكراهية؟ أي جحود هذا وأي تكبّر؟؟

أطلقوا سراح شباب الجريصة الجريحة، ارفعوا أيديكم عن ثروات الجهة، لأبناء الجريصة الحق في الاستفادة من ثروات الجريصة، من حقهم الارتزاق بعرق جبينهم فهم ليسو من عائلات المماليك والانكشاريين، لا قرابة لهم برئيس ولا وزير ولا مدير تنفيذي لحزب نافذ.

ألا تسمعون لهم؟ هل من مخلص لكم من جحيم التوافق؟

dimanche 14 août 2016

فصل المقال في حكومة المال والأعمال

فصل المقال

                        في حكومة المال والأعمال            


12 أوت 2016
د. أيوب المسعودي


نشر في موقع نواة (أنظر الرابط هنا)

بعد المقال الأخير الّذي نشرته على موقع نواة[1] حول سجلّ رئيس الحكومة الجديد، السّيّد يوسف الشّاهد، وخطورة ما تفضحه مراسلة داخليّة للسّفارة الأمريكيّة[2] (قسم الفلاحة تحديدا) من خدمات أسداها رئيس حكومة تونس الجديد للخارجيّة الأمريكيّة واستراتيجيّاتها في التّحكّم في الاقتصاديّات العالميّة ومجالي الزّراعة والتّغذية تحديدا، وبالنّظر لحيويّة هاذين القطاعين المرتبطين بالأمن القوميّ لأيّ دولة، ارتأيت أن أعمّق البحث أكثر في الأعمال البحثيّة والمهنيّة لرئيس الحكومة المكلَّف، وهي أعمال تطرح أسئلة محيِّرة ومحرجة سأتناولها تباعا في هذا المقال، أسئلة لم تتطارحها "المعارضة الوطنيّة" قبل أن تتسابق إلى إمضاء وثيقة قرطاج يتيمة المضامين. أتمنّى من هذه "المعارضة الوطنيّة" أن تستعمل هذا المقال كعمل جاهز لا يحتاج منها جهدا كبيرا لطرح عدد من الأسئلة على رئيس الحكومة المكلّف قبل أن ينال ثقة الأغلبيّة المتَّفِقة مسبقا عسى أن تضعه وأعضاده أمام مسؤولياّتهم التّاريخيّة وحتّى يكون الرّأي العامّ على بيّنة من الأمر.

لن أعود في هذا المقال على الخلفيّات الحزبيّة والطّبقيّة وحتّى العائليّة لرئيس الحكومة فهي كلّها تقييمات ذاتيّة وجزء من تكتيك تعويم وتمييع لقضيّة هي أخطر وأجلّ من ذلك بكثير، سأحاول قدر المستطاع أن ألتزم بصرامة التّحليل العلميّ والمنطقيّ انطلاقا من أبحاث علميّة ووثائق رسميّة منشورة للعموم خُطَّت بأيدي رئيس الحكومة نفسه لإثارة عدد من التّساؤلات والأسئلة. وهي أسئلة لا أوجِّهها إلى مجرّد موظَّف سابق في السّفارة الأمريكيّة كما يقول البعض تبريرا وتهوينا من المسؤوليّة الأخلاقيّة والسّياسيّة لمواطن تونسيّ يفترض أن يعلي مصالح تونس ويحميها مهما كان موقعه، أنا أوجّه هذه الأسئلة إلى رئيس حكومة تونس المكلّف الّذي سيمسك مقاليد السّلطة ومصائر البلاد والعباد وسيتّخذ قرارات ستؤثّر حتما في حاضر ومستقبل الشّعب التّونسيّ. هذا هو المنهج الّذي سأتّبعه، أسئلة موجّهة إلى رئيس حكومة انطلاقا من وثائق "علميّة" و"رسميّة" خطّها بنفسه منذ ما لا يزيد عن خمس سنوات وهي بذلك ملزمة له فكريّا وأخلاقيّا، أقول هذا حتّى لا يعود المبرِّرون إلى تعليلاتهم الواهية المتهافتة وحتّى يفهموا أنّنا إزاء أحد أضلع مثلّث السّلطة في تونس لا مجرّد "موظّف" سابق في السّفارة الأمريكيّة وهي صفة لا تبرِّر لأحد خدمة مصالح تتناقض مع مصلحة الوطن.

المراجع، المصطلحات والمنهجيّة

المراجع
لن أقتصر في هذا المقال على الوثيقة الّتي تناولتها في المقال السّابق[3]  والّتي كانت عبارة عن مراسلة داخليّة للسّفارة الأمريكيّة بتونس بل سأتجاوزها لنركّز على جملة من الوثائق المنشورة والمتاحة للعموم وهي:
-          الوثيقة أ : تقرير عدد TS 1101 بتاريخ 25 فيفري 2011 لصالح الشّبكة العالميّة للمعلومات الفلاحيّة GAIN (Global Agricultural Information Network)[4]، وهي وثيقة من إعداد السّيّد يوسف الشّاهد:


-          الوثيقة ب : تقرير عدد TN 1414  بتاريخ07  جويلية 2014 لصالح الشّبكة العالميّة للمعلومات الفلاحيّة GAIN (Global Agricultural Information Network)[5]، وهي أيضا وثيقة من إعداد السّيّد يوسف الشّاهد:


وهما تقريران حديثان للشّبكة العالميّة للمعلومات الفلاحيّة GAIN (Global Agricultural Information Network)  التّابعة لوزارة الفلاحة الأمريكيّة أُعِدَّتا من قبل عدد من موظّفي قسم الخدمات الخارجيّة للفلاحة الأمريكيّة FAS (Foreign Agricultural Service)، من بينهم السّيّد يوسف الشّاهد (أنظر الوفيقتين أ و ب ص 1). وتتعهّد هذه الشّبكة برصد وتجميع المعلومات في كلّ العالم حول قطاعات الفلاحة والتّغذية والسّلوكات الاستهلاكيّة من أجل رسم استراتيجيّات وخطط ترمي إلى تدعيم تفوّق الفلاحة والصّناعات الغذائيّة الأمريكيّة ونجاعة اكتساحها للأسواق الدّوليّة[6].


المنهجيّة
سأحاول اتّباع منهجيّة بسيطة وواضحة وهي كالآتي : بعيدا عن التّشكيك في كفاءة الأشخاص ونزاهتهم، وبغضّ النّظر عن ضعف السّجلّ البحثيّ لرئيس الحكومة الكلّف، يبدو أنّ السّيّد يوسف الشّاهد على اطّلاع جيّد بواقع الفلاحة التّونسيّة والاحتياجات الغذائيّة والسّلوكات الاستهلاكيّة لل"سّوق التّونسيّة" في مجالي الزّراعة والتّغذية، وهو ما يظهر جليّا في النّصائح والمعلومات الّتي يتضمّنها التّقريران لصالح الاقتصاد الأمريكيّ. سأتناول هذه التّقارير الآن من وجهة نظر نقديّة وتحليليّة اعتمادا على أبحاث علميّة ومعلومات وإحصاءات متوفّرة للعموم متوجّها إلى كاتبها باعتباره اليوم رئيس الحكومة المكلّف الّذي سيمسك بزمام القرارات السّياديّة ليكون في خدمة المصالح العليا للدّولة التّونسيّة. الهدف من الأسئلة ليس التّشكيك بقدر ما هومحاولة طرح الأسئلة لنعرف إن كان بمقدور السّيّد يوسف الشّاهد قلب الآية واستغلال معارفه وعلاقاته وخبراته من أجل خدمة الشّأن التّونسيّ أو على الأقلّ تجنيب البلاد الكوارث والمحن الّتي عرفتها بلدان أخرى نتيجة السّياسات الاقتصاديّة للولايات المتّحدة الأمريكيّة؟

الأسئلة
  •        الوثيقة ب

-      ص 2 : يتبدّى من خلال مزاعم كاتب المقال انحياز للتّقانات الحيويّة والتّعديل الجينيّ، حيث يزعم السّيّد يوسف الشّاهد بأنّ هناك تطوّرا إيجابيّا في القبول الدّوليّ والشّعبيّ للتّقانات الحيويّة والتّغيير الجينيّ وهو ما يتناقض مثلا مع نتائج استطلاع رأي قامت به صحيفة New York Times بتاريخ 27 جويلية 2013 ويظهر أنّ 75% من الأمريكيّين عبّروا عن مخاوفهم من الآثار الصّحّيّة لاستهلاك منتوجات معدّلة وراثيّا بينما أكّد %93 من نفس العيّنة عن رغبتهم الملحّة في فرض وضع علامات على المنتوجات الغذائيّة الّتي تحتوي على مكوّنات معدّلة جينيّا[7]. هذا المطلب المتّصل بالشّفافيّة وحقّ المواطنين في معرفة دقائق المكوّنات الّتي تحتويها مأكولاتهم لقيت رفضا من أغلبيّة "نوّاب الشّعب" الدّيمقراطيّين كما الجمهوريّين[8]، وقد لعبت لوبيّات الصّناعات الغذائيّة صاحبة التّأثير المحوريّ في مجال السّياسة الأمريكيّة دورا هامّا في ذلك؟ من اللّافت أنّ هذا التّقرير (ص5) يتحدّث عن ثغرة قانونيّة في التّشريع التّونسيّ هي على غاية الخطورة وتتعلّق بمسألة وضع علامات على المنتوجات المعدّلة وراثيّا (مرسوم 3 سبتمبر 2008):


فهل سيعمل رئيس الحكومة المكلّف على سدّ هذه الثّغرة احتراما لمبدأ الشّفافيّة والوقاية وحماية للأمن الصّحيّ للتّونسيّين وحتّى لا نكون "ملكيّين أكثر من الملك" إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نظرة المواطنين الأمريكيّين للمنتوجات المعدّلة جينيّا ومطالبتهم بوضع علامات على مثل هذه المنتوجات؟
-          ص 3: يكشف كاتب الوثيقة عن الفراغ القانونيّ بخصوص استيراد وترويج واستعمال التّقانات الحيويّة والموادّ المعدّلة جينيّا وحتّى القوانين الخاصّة بعرض الموادّ الغذائيّة وتعليبها (مرسوم جويلية 1985)، وهو مرسوم قديم لم يعد يواكب المخاطر المستجدّة في مجال تطوير وترويج المكوّنات المعدّلة جينيّا، كما يشير التّقرير في ص4 إلى أنّ مشروع القانون الخاصّ بالتّنوّع البيئيّ لا يزال معلّقا ولم ينشر بعد للعموم منذ عهد المخلوع، فهل تعتزم الحكومة المكلّفة نشره للعموم عملا بمبدأ الدّيمقراطيّة والشّفافيّة خاصّة في موضوع يتعلّق بصحّة التّونسيّين وأمنهم الغذائيّ ؟
يبيّن السّيّد يوسف الشّاهد في نفس الصّفحة وجود فراغ قانونيّ بخصوص استيراد البذور والشتلات وكذلك الأغذية والأعلاف الخام إلى جانب المنتوجات الغذائيّة المعدّة للاستهلاك.


السّؤال الّذي يطرح نفسه بإلحاح إلى رئيس الحكومة المكلّف هو إلى متى سنواصل العمل بدون إطار تشريعيّ ينظّم نفاذ الموادّ المعدّلة جينيّا إلى تونس؟ هل يمكن أن نواصل العمل وسط هذا الفراغ القانونيّ. ويبقى السّؤال الأهمّ بصفته رئيسا مكلّفا هو ما الّذي تنوون فعله في هذا المجال تحديدا؟ هل ستضعون جانبا علاقاتكم "السّابقة" مع السّفارة الأمريكيّة وكلّ الخدمات الّتي أسديتموها إلى موظِّفكم السّابق؟ هل ستكونون فوق هذا التّضارب الفادح في المصالح؟
-          ص4 : بخصوص اللّجنة الوطنيّة المعنيّة بوضع قواعد ومعايير في التّصرّف مع المتوجات المعدّلة جينيّا وضمان احترام تعهّدات تونس الدّوليّة بخصوص حماية التّنوّع البيئيّ:



ولكن في نفس التّقرير ص7


وهذا يطرح سؤالا عن مدى استقلاليّة وحياديّة تركيبة هذه اللّجنة وحدود عمل وتدخّلات قسم الفلاحة في السّفارة الأمريكيّة وما هو الفرق بين حاجة البلدان لتسويق منتوجاتها والتّخابر من أجل خدمة مصالح أجنبيّة على حساب مصالح وطنيّة؟
-          ص 4 : تعتبر تونس من أهمّ المصدّرين لزيت الزّيتون رغم ضعف نسبة الزّيت المعلّب، ويذهب جلّ الزّيت المصدّر إلى الاتّحاد الأوروبيّ أين يتمّ التّعليب والتّسويق من قبل بلدان أخرى كإسبانيا وإيطاليا، فما هي استراتيجيا الحكومة لدفع الإنتاج وحلّ مشكلة التّعليب ممّا سيؤثّر إيجابا على الميزان التّجاريّ في مجال الفلاحة حتما، وهل هناك خطّة لدفع الواردات الموجّهة إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة مع العلم أنّ حجم استهلاك زيت الزّيتون في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في تطوّر هامّ (+51.6% بين 2010 و 2015) إلّا أنّ قيمة الطّلب تبقى دون المستوى إذا ما قارنناها بحجم استهلاك زيت الصويا وهو ما يؤكّد ضرورة توخّي سياسة ترويجيّة أكثر استباقيّة وابداعيّة للتّعريف بزيت الزّيتون التّونسيّ وتنويع وجهات الصّادرات التّونسيّة لفكّ كلّ التّبعيّات للاتّحاد الأوروبيّ أو غيره.
-           
-          ص 5 : في مجال التّقانات الحيويّة، إلى متى سنواصل في هذا الفراغ القانونيّ الّذي لا يحمي التّونسيّين من تسويق هذه المنتوجات أو استعمالها أو القيام بتجارب بحثيّة على نطاق واسع كما يقرّه التّقرير بكلّ وضوح وهو فراغ لا يخدم إلّا اللّوبيّات الصّناعيّة في مجال التّقانات الحيويّة والموادّ الغذائيّة المعدّلة جينيّا:



-          ص 6 : بخصوص صغار الفلّاحين، يتحدّث التّقرير في هذه الفقرة عن الفوائد الّتي يمكن أن تعود على كبار الفلّاحين، من دون الصّغار، جرّاء استعمال التّقانات الحيويّة وما سيترتّب عن ذلك من تقليص لكلفة الإنتاج (تقليص كلفة الرّيّ مثلا والمبيدات):



وإن تحلّى التّقرير ببعض الصّراحة في الإشارة إلى عدم استفادة صغار الفلّاحين من هذه السّياسة، فإنّه يشير إلى إمكانيّة تمتّعهم بهذه المنتوجات عبر دعم من الدّولة التّونسيّة، أي، وبصيغة أكثر وضوحا، يريد كاتب المقال من الدّولة التّونسيّة أن تتوخّى سياسة يتخلّى من خلالها المزارعون عن بذورهم "الأصليّة" لصالح بذور مستوردة ومعدّلة جينيّا مع طلب دعم تلك المنتوجات من قبل الدّولة فيما يخصّ صغار الفلّاحين، أي أنّ الدّولة التّونسيّة يمكن أن تصبح مطالبة بدعم الاقتصاد الأمريكيّ ومنتوجاته. هذا علاوة على البعد الأخطر والخفيّ في هذه الفقرة الّتي تتغاضى عن المخاطر المخفيّة. وهي ربّما فرصة لتذكير السّيّد رئيس الحكومة المكلّف وكاتب الوثيقة بتجارب سابقة في هذا المجال لا أظنّه يجهلها. هل سمعت يا سيّدي عن تجربة الأرجنتين مع مزيل الأعشاب "Roundup" ؟
هل تعلم أنّه في سنة 1996، سمحت حكومة كارلوس منعم في الأرجنتين باستعمال بذور الصّويا المعدّلة وراثيّا من قبل شركة Monsanto والمسمّى "Roundup Ready" لمقاومته مزيل الأعشاب الفتّاك "Roundup" الّذي تنتجه نفس الشّركة بما يحقّق لها سيطرة كلّيّة على السّوق؟ هل قرأت التّقارير العلميّة عن التّداعيات الكارثيّة لهذه السّياسة، هل شاهدت فيلم "الأرجنتين : صويا الجوع"  ؟ هل تعلم أنّ هذه السّياسة الفلاحيّة زادت من تبعيّة الفلاحة الأرجنتينيّة للولايات المتّحدة الأمريكيّة وخاصّة لشركة Monsanto لأنّ الأعشاب الطّفيليّة طوّرت مقاومة طبيعيّة لل" Roundup " ممّا جعل الفلّاحين يلجؤون إلى استعمال كمّيّات أكبر فأكبر من مزيل الأعشاب الأمريكيّ؟ هل تعلمون حجم الكارسة الصّحّيّة والبيئيّة الّتي ترتّبت عن ذلك؟ هل تعلم أنّ نسبة الإصابات بمرض السّرطان في القرى المجاورة لحقول الصّويا عرفت ازديادا بنسبة 250% جلّهم من أبناء الفقراء؟
أدعو رئيس الحكومة المكلّف وكاتب الوثيقة إلى قراءة مقال "Argentina: A Case Study on the Impact of Genetically Engineered Soya[9]") الّذي يبيّن بوضوح لا لبس فيه النّتائج الكارثيّة على المستويين الاقتصاديّ والاجتماعيّ لهذه التّجربة في الأرجنتين بداية من تضخّم الدّين الخارجيّ (+300%) إلى تفاقم البطالة و تهجير صغار الفلّاحين الّذين دُفعوا إلى بيع أراضيهم والنّزوح إلى الأحياء القصديريّة المتاخمة للمدن الكبرى ممّا فاقم نسبة الفقر الّتي تجاوزت 50%.[10] هذا دون الحديث عن الكوارث البيئيّة والصّحّيّة الّتي يوثّقها الشّريط الوثائقيّ[11].



·        الوثيقة أ

-          ص 2 : الواضح في هذه الوثيقة تزايد حجم استيراد فول الصّويا الموجّه لصناعة الأعلاف (صناعة دقيق الصّويا تحديدا) وهو ما نلمسه في المعلومات الدّقيقة المقدّمة. ويعود إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة نصيب الأسد من حيث جهة الاستيراد، إذ استوردت تونس مثلا، خلال سنة 2010،ما يقارب 320000 طنّ من فول الصّويا منها 82% متأتّية من السّوق الأمريكيّة. وقد تعاظم شأن نصيب الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتعزّزت سيطرتها على سوق فول الصّويا في تونس منذ إنشاء كسارة قرطاج سنة 2008، أي في العشرية السّابقة. ومن اللّافت أنّه في نفس تلك العشريّة تراجعت زراعة عبّاد الشّمس وكذلك حجم إنتاج زيت عباد الشّمس كما يظهره الرّسم البيانيّ أسفله (-30% بين 2004 و 2013)[12]. بل إنّ نفس الوثيقة تقرّ بتضاعف قيمة الواردات من الزّيوت النّباتيّة الأخرى ومنها زيت عبّاد الشّمس (من 12200 طنّ في 2006 إلى 20000 طنّ في ، 2010، أنظر ص 6 من الوثيقة أ).
وهنا على التّونسيّين أن يتساءلوا ويسألوا وزير الحكومة المكلّف والّذي أشار على الولايات المتّحدة الأمريكيّة في هذه الوثيقة: ما عساك ستفعل كرئيس حكومة للتّصدّي لهذا الزّحف المتزايد للصّويا الأمريكيّة الموجّهة لصناعة الأعلاف على حساب الإنتاج الوطنيّ؟ ألا نخشى توجّها أيضا إلى تغيير بنية السّوق التّونسيّة وعادات الاستهلاك عبر تشجيع الاستهلاك المعمّم لصّويا (فولا ودقيقا وأعلافا) (Sojisation) بما يخدم المصالح الأمريكيّة ويضرّ بالمصالح العليا للوطن؟ ألا نعتبر من الدّرس الأرجنتينيّ؟ أليس هناك خطر على مستقبل الزّراعة التّونسيّة إن ذهبنا بعيدا في فتح باب الهيمنة الأمريكيّة؟ الكلّ يعلم أنّ إنتاج الصّويا حكر على الدّول الّتي تتوفّر على مساحات زراعيّة شاسعة كالأرجنتين والولايات المتّحدة الأمريكيّة والبرازيل الّتي تتصدّر هذا السّوق؟ هل اطّلع رئيس الحكومة المكلّف على التّكلفة الاقتصاديّة والصّحّيّة والبيئيّة لسياسة تعميم زراعة الصّويا في الأرجنتين كما أسلفنا التّفصيل وكما تبيّنه العديد من الدّراسات والأعمال التّوثيقيّة[13]؟




-          ص 1 : تقرّ الوثيقة بتراجع حجم صادرات زيت الزّيتون إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة ب25% سنة 2010 مقابل زيادة ب6% من واردات الزّيوت الصّالحة للأكل، واعتبارا لانهيار انتاج عبّاد الشّمس منذ 2004 كما أسلفنا الذّكر، ما هي السّياسة الّتي ستتبّعها حكومة السّيّد يوسف الشّاهد مثلا مع مسألة استيراد بذور عبّاد الشّمس التّركيّة الّتي أضرّت بالفلّاحين التّونسيّين وبالتّالي زادت في هشاشة الفلاحة التّونسيّة وخاصّة صغار الفلّاحين، هذا علاوة على تأثير ذلك على إنتاج زيت عبّاد الشّمس ممّا يزيد في حاجيات الاستيراد ويعمّق من اختلال الميزان التّجاريّ (أكثر من مليار دولار في مجال الفلاحة وحدها)؟
-          ص 2 : تقرّ الوثيقة أيضا بأنّ الولايات المتّحدة تهيمن أيضا على واردات تونس من زيت الذّرة (45000 طنّ في 2010). إذا نظرنا إلى نسبة البذور المعدّلة جينيّا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة (88% في 2012 بالنّسبة للذّرة و 93% بالنّسبة للصويا)[14] ، واعتبارا للفراغ القانونيّ الّذي أشار إليه رئيس الحكومة المكلّف، أتوجّه إلى كاتب التّقرير، السّيّد يوسف الشّاهد، ما هي حسب تقدريكم نسبة المكوّنات المعدّلة جينيّا في الصّويا وزيت الذّرة الّذي نستورده من الولايات المتّحدة الأمريكيّة؟ وهل تعتزم حكومتكم القادمة وضع تشريعات حمائيّة ووقائيّة تضع الأمن القوميّ التّونسيّ وصحّة التّونسيّين وأمنهم الغذائيّ على رأس الأولويّات وفوق مصلحة السّفارة الأمريكيّة؟
-          ص 5 : تقرّون بأنّ تونس ستعرف صعوبات في تصدير زيت الزّيتون نتيجة تراجع في الطّلب وتزايد المنافسة، ماهي استراتيجيّتكم من أجل دفع الإنتاج وتدعيم تنافسيّة زيت الزّيتون التّونسيّ وتنويع الأسواق ودفع الولايات المتّحدة الأمريكيّة مثلا إلى الرّفع من وارداتها من زيت الزّيتون التّونسيّ؟
-          ص 3 : تذكر الوثيقة إلغاء السّياسة التّعديليّة الّتي كانت تتوخّاها تونس في مجال الزّيوت، ذلك أنّ الوكالة الوطنيّة للزّيوت كانت تعنى بتجميع الزّيوت وتعديل الأسعار حتّى سنة 2004 تاريخ التّراجع عن هذه السّياسة و"تحرير" السّوق. وإن اعترفت الوثيقة بالتّداعيات السّلبيّة لهذا الإلغاء (تفشّي الاحتكار واستغلال المحتكرين لهذا الفراغ لفرض أثمان تخدم مصالحهم وتضرّ بالمنتجين الّذين تكبّدوا خسائر جمّة وصاروا يرزحون تحت ديون خانقة)، فإنّ السّيّد يوسف الشّاهد لا يذكر الحلول البديلة، وهو شيء طبيعيّ لأنّ الوثيقة ذات طابع إعلاميّ توثيقيّ. ولكن، وبما أنّ كاتب الوثيقة أصبح اليوم رئيس حكومة مكلّف فإنّه من الطّبيعيّ أن يسأل عن السّياسة الّتي سيتّبعها لمحاربة الاحتكار ودعم الإنتاج الوطنيّ وإسناد صغار الفلّاحين؟
-          ص 7 : تقرّ الفقرة الأخيرة بأنّ السّياسة المتّبعة من الحكومة التّونسيّة في مجال استيراد الزّيوت كانت تنزع إلى توخّي رسوم جمركيّة متدنّية من أجل الإبقاء على سعر "منخفض" للبذور الموجّهة لإنتاج الزّيوت. صحيح أنّ هذه السّياسة سمحت لكسّارة قرطاج بتحقيق أرباح ذات بال منذ 2008، إلّا أنّ الوثيقة تغفل الحديث عن ثلاثة أبعاد خطيرة وهي أوّلا تأثير هذه السّياسة على الخزينة التّونسيّة ورصيدها من العملة الصّعبة من جهة، تزايد حجم الواردات من الولايات المتّحدة الأمريكيّة دون وجود ما يقابلها من صادرات تحقّق التّعادل في الميزان التّجاريّ وأخيرا تأثير هذه الرّسوم الجمركيّة المنخفضة على الإنتاج الوطنيّ للزّيوت التّونسيّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القدرات الإنتاجيّة للولايات المتّحدة الأمريكيّة وشركاتها العملاقة الّتي تسمح لها بالإغراق الاجتماعيّ للإنتاج الوطنيّ وخاصّة الإضرار بالمزارعين الصّغار والشّركات الصّغرى والمتوسّطة





ختاما، وبعيدا عن التّشكيك والأحكام المسبقة، حاولت في هذا المقال استنطاق الأرقام والحقائق العلميّة والواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ الّذي سيناط بعهدة السّيّد يوسف الشّاهد تغييره والتّأثير فيه بما يخدم مصالح التّونسيّين. ولكنّ المدقّق في الوثائق الثّلاث (المراسلة المسرّبة عبر ويكيليكس مع الوثيقتين أ وب)، ومدى ترابطها وتسلسلها المنطقيّ واتّساقها مع سياسة دعائيّة مفضوحة للولايات المتّحدة الأمريكيّة الّتي ترنو السّيطرة على أسواق الزّراعة والتّغذية في العالم، كلّ هذه العناصر مجتمعة تجعلنا نتساءل، ما هو الخيط الفاصل بين وثائق "عاديّة" لموظّف تونسيّ في السّفارة الأمريكيّة ومراسلات "استخباراتيّة"؟ متى يمكن الحديث عن تخابر خدمة لمصالح أجنبيّة؟ ألا يشمل الأمن القوميّ التّونسيّ قضايا الأمن الغذائيّ والأمن الصّحّيّ والسّيادة الاقتصاديّة؟ ألا يعتبر كلّ عمل معاد لهذه المصالح العليا إجراما في حقّ الوطن؟ أسئلة من الخطورة بمكان وعلى "النّخبة التّونسيّة" أن تطرحها على نفسها قبل أن تذهب إلى أيّ مشاورات أو مفاوضات من أجل تضمين المواقع وتقسيم المغانم. علينا أن ننتبه إلى الخطر المحدق بتونس قبل فوات الأوان وقبل أن نذهب في سياسات لا رجعة منها إلّا بأبهض التّكاليف الإنسانيّة والاقتصاديّة والصّحّيّة والاجتماعيّة.





[3]المصدر السّابق
[9] Argentina: A Case Study on the Impact of Genetically Engineered Soya, L. Joensen, S. Semino and H. Paul. EcoNexus, April 2005. http://www.econexus.info/sites/econexus/files/ENx-Argentina-GE-Soya-Report-2005.pdf
[10] نفس المصدر