vendredi 17 mai 2013

صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي

صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي
"ارقصوا وغنوا"

أيوب المسعودي
17 ماي 2013


دون مقدمات ودون إطالة:

أبو عياض، الغنوشي، المرزوقي وبن جعفر هم مجرد أزرار على لوحة مفاتيح في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية وقطر، ذراعها المالي في المنطقة، وكلاهما (قطر وأمريكا) يسيران الحكومة العميلة التي تحكمنا من وراء ستار عابثة بالثورة التونسية ودماء أبنائها في الداخل (بالدفع نحو مواجهة بين الأمنيين والعسكريين والسلفيين) والخارج (بالدفع بالشباب اليائس إلى أتون حرب إقليمية خدمة للراعي الأمريكي ضد شعب عربي مسلم).






أحداث الشعانبي في خدمة حركة النهضة وصفقتها السياسية


إن ما عشناه في الآونة الأخيرة من تأجيج للصراع العقائدي والهوياتي، بتخطيط وتشجيع من حركة النهضة، إنما يهدف إلى:


  • إعادة ترميم البيت الداخلي لحركة النهضة وتوحيد صفوفها حول المسألة الهوياتية والعقدية "الجامعة" بعد أن شهدت هزات كادت تعصف بالتنظيم (أنظر المقال الرائع لابراهيم الهضيبي، الإخواني، في تحليله لسياسات الإخوان قبل وبعد الثورة في مصر وتركيزه على عجز الجماعة عن الخروج من بوتقة الصراع العقدي لافتقارها لسياسات اقتصادية واجتماعية تلبي انتظارات الجماهير [1]). وجدير بالإشارة أن خطاب المرزوقي (في ما يسمى بالحوار الوطني) حول مسألة النقاب، في تعد سافر لاستقلالية الجامعة، إنما هو تجل لرقصة الديك المذبوح الذي يتشبث بجلباب سيده الغنوشي عبر إثارته لنفس هذه المسائل الهوياتية،
  • إعطاء هامش من المناورة السياسية لحركة النهضة (سيدور رحاها في دار الضيافة أنظر الفقرة الموالية) بعيدا عن الأضواء لتسوية "الخلافات السياسية" وتمرير دستور رجعي (أنظر الفقرة الموالية) مقابل تشريك النخبة البرجوازية السياسية في الحكم،
  • تمرير هذه الصفقة القذرة تحت غطاء الوفاق الوطني الكاذب (بمشاركة أحزاب وشخصيات تجمعية وأخرى انتهازية لا وزن واقعي لها) وباسم الوحدة المقدسة ضد خطر الإرهاب الداهم،
  • خلق البؤر الإرهابية وتأجيج العنف وتشجيع الترهيب بما يسمح لحركة النهضة بالتموقع في وسط اليمين "المعتدل المحافظ" كخيار ضد التطرف والغلو،
  • التغطية على مقتل الشهيد شكري بلعيد والذي تشير كل المعطيات الموضوعية إلى تورط حركة النهضة في قتله مع سابقية التخطيط.


لئن أصمت انفجارات الشعانبي آذاننا وأقضت مضاجعنا للوهلة الأولى، فإن لعبة دار الضيافة سرعان ما انكشفت.


مضمون الصفقة

إن ما دار في دار الضيافة يذكرنا بما أتته البرجوازية الألمانية في أعقاب ثورة 1848 - 1849 والتي سعت فيها النخبة البرجوازية إلى حماية امتيازاتها خوفا من المد الثوري الذي وصل إلى درجة تهديد الملكية الخاصة والمساواة في المشاركة السياسية بما يفقد البرجوازية احتكارها للوجاهة الاجتماعية والسياسية. أما اليوم وقد بان عجز الطبقة الحاكمة (حكومة وأيضا معارضة كصانعة للرأي العام) على الخروج من أزمة الحكم والشرعية التي نعيشها، وأمام تعطش الجماهير إلى التغيير وخيبتها من الحكام الجدد ومعارضتها، فقد باتت السلطة كما جزء من المعارضة الانتهازية متخوفة من صندوق الاقتراع ومستعدة للتآمر على الصندوق لصد أي تجديد في النخبة الحاكمة، حتى إذا اقتضى الأمر التحالف مع كمال مرجان التجمعي ووزير بن علي وصاحب القولة المأثورة "بن علي رجل كلمة وأنا عندي فيه ثقة...". كل هذا يأتي تتويجا لمسار ممنهج في التطبيع مع التجمعيين وقتل الثورة.

لنأتي الآن إلى المضمون:


  • ملحوظة عامة : سحب البساط من المجلس التأسيسي، صاحب الشرعية الأصلية والقبة الوحيدة التي يمكن أن تحتضن الوفاق بعيدا عن الحسابات السياسية، هو انقلاب على إرادة الشعب،
  • حصر أولويات المرحلة في النظام السياسي وتنظيم التنافس على الحكم بما يضمن الحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة الجديدة وحقها في "المشاركة" السياسية وإفراغ ثورة 17 ديسمبر من مضمونها وتحويلها من صراع طبقي على الوجود والمواطنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حرب ضد الإرهاب باختلاق الهاجس الأمني.
  • نظام الاقتراع : ومن الخطير أن يتم "التوافق" على نظام الاقتراع على القوائم مع اعتماد أكبر البقايا وبدعة "التزكية"، ذلك أن الأنظمة المجددة والتي قررت خوض غمار التجربة الديمقراطية بجرأة اعتمدت نظام الدوائر الفردية فيكون المترشح فردا يكون أقرب للناخب فيسهل التواصل معه ومساءلته قبل وبعد الانتخابات. كما أن نظام القوائم والدوائر الكبرى لا يخدم إلا النخبة الحالية والأحزاب الكبرى ذات القدرات المالية والتنظيمية التي تخول لها العمل والتنقل في دوائر كبيرة. أخيرا، أعتبر أن التزكية، والتي لم يقع تحديد آلياتها بعد، ستؤسس لأوليغارشية سياسية تحتكر السلطة إذا ما تقرر مثلا أن تتم التزكية من قبل الجماعات المحلية التي نصبتها الترويكا مثلا،
  • النظام السياسي : وقع التركيز على إحداث توازن مغلوط في "الصلاحيات" بين رأسي السلطة التنفيذية في حين أن لا معنى لإسناد وضع سياسات الأمن القومي لرئيس الجمهورية مثلا، ذلك أن الأمن القومي مفهوم مركب ويشمل الداخلي والخارجي والأمني والعسكري والاقتصادي والثقافي والجغرافي والجيوسياسي... إن لعبة تجاذب الغطاء هذه تدل على قصور في التدبير والاعتبار من أخطاء المرحلة، وكنا شاهدين على تداخل المسائل الأمنية والدبلوماسية مثلا في الملف السوري وكذلك قضية البغدادي المحمودي الذين عرفا تضاربا خطيرا في مواقف رؤوس السلطة التنفيذية مس من هيبة الدولة والاستقرار السياسي. وجوهر القول أن الدستور "التوافقي" الذي يتحدثون عنه يؤسس لنظام برلماني صرف يحول رئيس الجمهورية المنتخب انتخابا مباشرا وحرا إلى ساعي بريد يختم القوانين ويوزع المراسلات بين مصالح الدولة دون أن تكون له "سلطة" التحكيم بالاعتراض على خيارات سياسية لا تأخذ شكل قوانين والاطلاع (حق الاجتماع برئيس الحكومة بصفة دورية للاطلاع على مستجدات تسيير الدولة) وطرح سحب الثقة من الحكومة على البرلمان في الأزمات وحق اللجوء إلى التحكيم الشعبي في بعض الخلافات. كما أن مسودة الدستور الحالية لا تنص على تعزيز الأغلبية للقوانين العادية في حال رفض رئيس الحمهورية ختمها وهو ما يحد من إمكانيات التحكيم والتعديل،
  • تاريخ الانتخابات : إن الإعلان عن انتخابات في بحر 2013 (أي في غضون سبعة أشهر) قبل بعث الهيئة المستقلة للانتخابات (المخولة للإعلان عن رزنامة الانتخابات) والمجلة الانتخابية وهيئة القضاء... هو حلقة أخرى من حلقات الكذب والخداع والمناورة وللتذكير فإن الرئاسات الثلاث كانت قد وعدت، في أكتوبر 2012، بالانتهاء من كتابة الدستور قبل موفى 2012 وإجراء انتخابات في مارس 2013. ولا يمكن للترويكا تنظيم انتخابات قبل موفى 2013 إلا إذا كانت عاقدة العزم على تزويرها والتلاعب بنتائجها،
  • المضمر : السعي الحثيث إلى توسيع الصلاحيات دون الفصل بين "السلطات" ينم عن نية مبيتة لوضع دستور على قياس الترويكا تمهيدا لتأبيد سلطتها.
كل المعطيات تؤشر إلى التوجه نحو صفقة قذرة يضحى فيها بالاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للثورة لصالح تقاسم الكراسي والانقلاب على الانتخابات قبل الانتخابات. أما المسائل "الخلافية" من حل روابط حماية الثورة وقتل الشهيد شكري بلعيد وتحييد دور العبادة عن قذارة السياسة، فالتوجه هو نحو مجرد "إعلان نوايا" وتشكيل لجان جديدة قديمة لا تختلف في شيء عن لجان التحقيق في أحداث 09 أفريل وسليانة وقتل الشهيد شكري بلعيد وكلها ملفات دخلت أو ستدخل طي النسيان...




[1] - goo.gl/2xk4I, "FROM PRISON TO PALACE: THE MUSLIM BROTHERHOOD’S CHALLENGES AND RESPONSES IN POST-REVOLUTION EGYPT", In FRIDE, Working paper N° 117, February 2013.
[2] - goo.gl/aPV0P, "La bourgeoisie allemande a-t-elle trahi la révolution de 1848 ? Bilan d'une analyse sérielle", In Persée, Volume 3, N° 4, Pages 527 - 540, 1988.

jeudi 16 mai 2013

أي مجتمع مدني نريد؟ المواطنية الوطنية شعارا

أي مجتمع مدني نريد؟
المواطنية الوطنية شعارا

أيوب المسعودي
16 ماي 2013


في إطار محاولة الجمعية التي أرأسها (رابطة الحريات والتنمية البشرية) ربط صلات بقوى المجتمع المدني من أجل التعاون والتنسيق، دعتني إحدى الجمعيات التونسية لحضور ندوة حول إصلاح منظومة العدالة بأحد نزل الكاف. بكل عفوية وتلقائية، رحبت بالفكرة وقبلت الدعوة، وجلست مع الجالسين...
الصاعقة أتت عند الاستماع إلى أحد المتدخلين الأجانب وهو يحيي منظمة فريدم هاوس (Freedom House) ويشكرها على المساهمة في تنظيم الندوة. في دهشة من أمري أخذت أنظر حولي وأدقق لأكتشف يافطة تحمل شعاري فريدم هاوس وميبي MEPI (Middle East Partnership Initiative). صاعقة جعلتني أغادر مكان الاجتماع في عجلة رفقة زملائي في الرابطة.

لمن لا يعرف هذه المنظمات، إليكم بعضا من خباياها:




MEPI  أو مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط، هي عبارة عن ذراع استخباراتية غير تقليدية وأداة من أدوات الاختراق السياسي والاجتماعي والعسكري التي أطلقتها الخارجية الأمريكية في شتاء 2002. وتحظى هذه المنظمة، التي تعمل بالتنسيق مع السفارات الأمريكية في المنطقة وأجهزتها الاستخباراتية، على تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي وضع منذ عقود قبل أن تعلن عنه وزيرة الخارجية الأمريكية رسميا نهاية 2003. وقد تبين من خلال تسريبات ويكيليكس كوثيقة "تونس : استراتيجية الإصلاح الديمقراطي لدعم أجندة الحرية"، أن هذه المنظمة وتفرعاتها إنما تعمل على التربص بالأنظمة العربية القائمة آنذاك وترقب فرص تعويضها بأخرى تكون أكثر تلاءما مع مصالحها في المنطقة حتى وإن تطلب الأمر توخي استراتيجية الصدام مع النظام كما اقترح السفير الأمريكي W.J. Hudson في نفس الوثيقة.
ومن المهم التذكير بترحيب طيف كبير من النخبة السياسية والمدنية آنذاك بالخطاب الأمريكي الجديد والذي ذهب في اتجاه الضغط على نظام بن علي من أجل تخفيف الخناق على الحريات ومنظمات المجتمع المدني والسماح بإمدادهم بالمساعدات المالية الخارجية. كل ذلك سعيا من الإدارة الأمريكية إلى بناء شرق أوسط جديد تقتاد فيه دول المنطقة بالنموذج الديمقراطي... الصهيوني... تمهيدا للتطبيع مع العدو الصهيوني.

وعلى خطى MEPI  تعمل Freedom House، وهي إحدى تفرعاتها التي تدعي الاستقلالية، على تلميع صورة الدولة العنصرية. فتحت عنوان " Israel is Mideast’s only 'free' state" (أي "إسرائيل، الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط")، نشرت صحيفة Jerusalem Post ، بتاريخ 21 جانفي 2013، مقالا تنقل فيه ما أتى في التقرير السنوي لمنظمة فريدم هاوس (Freedom House) من تمجيد وثني على ما يمثله الكيان الصهيوني كنموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط، واصفة في نفس الصدد الكيان الصهيوني بالاستثناء في منطقة غلبت فيها الأنظمة الاستبدادية، دون أن تأتي على ما يقترفه الكيان الغاصب من جرائم ضد الإنسانية وممارسات ميز عنصري مقيتة وإلغاء لإنسانية الفلسطينيين الذين سلبوا الأرض والعرض. وللتاريخ، فقد تأسست Freedom House  سنة 1941 بقرار من الرئيس الأمريكي روزفيلت، أي سنة قبل استضافته للمؤتمر الصهيوني بحضور بن غوريون...

وقد أطنب الكاتب الأمريكي Philip Agee (والذي شغل منصب ضابط في الاستخبارات الأمريكية في حقبة الستينات) في تفصيل أشكال الاختراقات السياسية والأيديولوجية في كتابه « Inside The Company » حيث عدد أشكال الهيمنة السياسية والثقافية التي تمر عبر تمويل الجمعيات والشخصيات الوطنية قصد توجيهها بما يخدم مصالح الامبراطورية الأمريكية، خاصة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات التي تزامن فيها سقوط الاتحاد السوفييتي مع رغبة جامحة لدى حلف شمال الأطلسي (الحامل للأيديولوجيا الرأسمالية والحلم الأمريكي) في إعادة تشكيل المنطقة بدءا بالخليج (حرب الخليج الأولى) وصولا إلى بلدان شرق أوروبا وتوجيه الثورات "الملونة" لإنهاء تفكيك الاتحاد السوفييتي بعد أن اختلت التوازنات الإقليمية وصار المجال فسيحا أمام أمريكا للتحكم في مجريات الساحة الجيوسياسية.

في هذا السياق، لا أوافق المرزوقي عندما كتب في 2006 "لتسقط الوطنية ولتحيا المواطنية"، في رسالة ضمنية إلى الحلفاء الخارجيين طالبا يد العون ضد النظام، هذا ما تيقنت منه بعد أن علمت ما علمت... فكما أنني مقتنع أن لا كرامة ولا انعتاق ولا تحرر حقيقيين دون تحقيق السيادة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، فلا يمكن تحقيق الانعتاق والتحرر دون مجتمع مدني مستقل ومحصن ضد مشاريع الاختراق الثقافي والأيديولوجي الخارجي كما الداخلي. كما لا يمكن للمجتمع المدني أن يؤسس للمواطنية دون الوطنية التي تأبى التدخل في إرادة الشعب بما يمس سيادة الشعب ومفهوم الدولة.
كل المعطيات على الأرض تشير إلى نية جلية لدى حركة النهضة وحلفائها في ضرب كيان الدولة وإضعاف مؤسساتها واختراقها مجتمعا مدنيا وأمنا وجيشا من أجل إعادة تشكيل الدولة والمجتمع بما يخدم المصالح الداخلية للحكام الجدد والمصالح الإقليمية لحلفائهم الخارجيين. وهو ما جعل تونس مرتعا لأجهزة الاستخبارات المتسترة برداء المجتمع المدني وشعارات الديمقراطية ودعم الانتقال الديمقراطي...
كما لا تخفى على أحد اليوم سياسة السلطة الحالية التي تتعامل بمكيالين مع الجمعيات، فتراها تمول وتدعم الجمعيات الموالية التي تغدقها بأموال المجموعة الوطنية والتسهيلات اللوجستية والأموال القطرية والوهابية تحت غطاء العمل الخيري والإغاثة بينما تحاصر الجمعيات المصنفة في خندق "المعارضة" فتعطل اجتماعاتها وتسد عنها التمويلات والمساعدات.
إنني كرئيس جمعية تحاول، بما لها من إمكانيات جد متواضعة، التحرك والفعل بما يحمي ما تحقق من حريات بفضل الثورة ودعمها بتحقيق الانعتاق الاقتصادي والتنمية البشرية محليا وجهويا، أرفض رفضا قاطعا التعامل مع هذه الجمعيات المطبعة والتي ترمي، من خلال تطويقها لمجتمع مدني في طور الهيكلة، إلى تدجين الحراك الشعبي وإعادته إلى بوتقة التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية. إن طريق العمل المستقل طويل وشائك ولكنه الطريق الوحيد لبناء الثقة مع الجماهير والانعتاق الاقتصادي والسياسي.
وبناء على ما سبق، فإن الرابطة عاقدة العزم على التنسيق مع الشرفاء من نشطاء المجتمع المدني والسياسي لفرض الشفافية في تمويل الجمعيات وآليات منح المساعدات محليا، جهويا ووطنيا.




أيوب المسعودي

vendredi 3 mai 2013

لماذا أرفض مسودة الدستور؟

لقد عبد الشهداء الأبرار، الذين سقطوا على مذبح ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، طريق الانعتاق والتحرر وتحقيق المواطنة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولأنَّ دستور البلاد، الذي هو روح القوانين والمؤسسات التي ستحدد شكل الدولة وطبيعة علاقة المواطن بالدولة وحقوقه وواجباته، فلا يمكن إلا أن يكون مرآة لاستحقاقات الثورة وفي حجم تضحيات التونسيات والتونسيين.





وبناء على ما سبق، فأنا، كمواطن تونسي، أعتبر هذه المسودة مرفوضة شكلا ومضمونا وذلك، ودون الحصر، للأسباب التالية:


على مستوى الشكل
  • تشكيك عدة قوى من داخل وخارج المجلس، لا أعتبرها نشازا (كما فعل مكتب المجلس التأسيسي) بل أصواتا حرة تمارس واجبها في إنارة الرأي العام، في قانونية صياغة الدستور وشفافية إدارة عمل اللجان ونزاهتها،
  • انعدام الشفافية واهتزاز الثقة في التسيير المالي والإداري للمجلس التأسيسي،

على مستوى المضمون

  • التوطئة: غلَّب مضمون التوطئة المسائل الهوياتية على حساب قيم العدالة الاجتماعية وضرورة القطع مع سياسات التفقير والتهمسش وانسحاب الدولة من أي دور اقتصادي واجتماعي ومحاربة الفساد والمحسوبية كأحد أهم أسباب اندلاع ثورة 17 ديسمبر، هذا علاوة على تجاهل التوطئة لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني صراحة،
  • الفصل 8: على الدولة أن تلتزم (لا أن تسعى) بوضع السيايات الكفيلة بإرساء العدالة الاجتماعية وأرى من الضروري التنصيص صراحة على مبدأ  التمييز الإيجابي  لصالح الفئات والجهات المهمشة،
  • الفصل 15:  أعتبر الإبهام  الذي يكتنف عبارات مثل "أي قوات أخرى" و "شبه عسكرية" يبطن نية في فتح الباب أمام إمكانية ميلشة الأمن وخصخصة القوات المسلحة وزعزعة جمهوريتها تقويضا للسلم الاجتماعية،
  • الفصل 33: هذا الفصل مرفوض شكلا ومضمونا لما فيه من نية مبيتة في الانقلاب على حق العمل النقابي والإضراب وإفراغه من مضمونه عبر قوانين تضعها الأغلبية على قياس مصالحها السياسية ضاربة بذلك جوهر حرية العمل النقابي،
  • الفصل 40: لا مجال لتقييد حرية الإعلام والتعبير ونطالب في هذا الصدد إلى الاسترشاد بالفصل 12 من الدستور الفنلندي الذي لا يحد من حرية التعبير إلا في الحالات التي يكون فيها مس أو اعتداء على الطفولة. وتندرج سياسة الالتفاف على حرية الإعلام في سياسة ممنهجة تهدف إلى تركيع الإعلام، كما أن المماطلة في تفعيل المرسومين 115 و 116 المنظمين للصحافة والاتصال السمعي البصري للخروج من الفراغ القانوني لا تخدم إلا التعسف والاستبداد وابتزاز الصحفيين،
  • الفصل 57:  في تحديد دور المعارضة السياسية، ألفت الانتباه إلى تلغيم الدستور بمفاهيم غامضة ك"المساهمة النشطة والبناءة" في تحديد دور المعارضة وحقوقها وواجباتها لما في ذلك من تمهيد للوصاية على دور المعارضة،
  • الفصل 59: لقد قامت ثورة 17 ديسمبر للمطالبة بالمساواة في الحقوق والواجبات وخاصة  المساواة أمام القانون، إن دولة القانون والمؤسسات التي نصبو إليها هي التي تضع كل المواطنين على قدم المساواة أمام القانون مهما على شأنهم، ومن هذا المنطلق فإن هذا الفصل يمهد لتغول المسؤولين السياسيين ومكتب المجلس التأسيسي، كسلطة تشريعية، الذي يُمنح بموجب هذا الفصل الحق في إنهاء إيقاف النائب والتدخل في السلطة القضائية وفي ذلك ضرب لمبدأ الفصل بين السلطات،
  • الفصل 60 : إيمانا بضرورة تكريس الديمقراطية التشاركية، عمليا ودستوريا، وتشريك الشباب والمجتمع المدني والممثلين المحليين والجهويين في التشريع ووضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يمكن في هذا الصدد الاستلهام من الدستور الشعبي الإسلندي في فصله 66 لمنح 2% من الناخبين إمكانية اقتراح مشاريع قوانين تعرض على المجلس التأسيسي بعد نيل تزكية 10% من نواب الشعب مثلا،
  • الفصل 61 : قانون المالية ليس بنص مقدس ولا إرادة تعلو فوق إرادة الشعب، كما أن "التوازنات المالية" مفهوم يختلف تأويله بحسب الخيارات الاقتصادية للأغلبية ولا يمكن أن نسمح بالالتفاف على إرادة الشعب، وأطالب في ذات الصدد بالتنصيص على علوية واجبات الدولة الاقتصادية والاجتماعية تجاه الشعب على التزاماتها الدولية وذلك طبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة،
  • الفصل 65 : لابد أن تعطى الأولوية في تكوين اللجان القارة لمعيار الكفاءة والخبرة والتخصص لا المحاصصة الحزبية ،
  • الفصل 75 : أرفض رفضا قاطعا تحصين رئيس الجمهورية من الأفعال التي يقوم بها أثناء أداء مهامه لما في ذلك من ضرب لمبدأ المساواة أمام القانون وفتح لباب التغول والتفصي من المساءلة،
  • الفصول 76، 77، 78، 81، 82،، 83، 86 : بخصوص صلاحيات رئيس الجمهورية، لا يمكن قبول تجريد رئيس الجمهورية، المنتخب من قبل الشعب مباشرة، من كل الصلاحيات وتحويله إلى ساعي بريد يختم القوانين ويزكي قرارات الائتلاف الحاكم. كما أعتبر هذه الفصول تقويضا للتوازن بين السلطات وتمهيدا لعودة الاستبداد وتفرد الحزب الواحد بالسلطة. وأرى في هذا الشأن، أن تمنح صلاحيات الدفاع والسياسة الخارجية لرئيس الجمهورية، دون غيره، على أن يضطلع بتعيين المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين دون الرجوع إلى رئيس الحكومة مع ضرورة تدعيم الأغلبية المصوتة على القوانين التي يرفض رئيس الجمهورية ختمها،
  • الفصل 89 : إن عبارة "ويتصرف في الإدارة" تفتح الباب أمام التعسف على الإدارة وتسييسها وإخضاعها لمآرب حزبية لا تخدم الصالح العام ويستحسن حذفها،
  • الفصل 92 :  على رئيس الحكومة الاستقالة من مسؤولياته الحزبية لما له من صلاحيات وسلطة على مفاصل الدولة،
  • الفصل 104 : أطالب بتقليص مجال تدخل القضاء العسكري وتحجير محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري الذي يعتبر، في الديمقراطيات العصرية، قضاء استثناءيا،
  • الفصل 129 : أرى أن الدستور في صيغته الحالية لا يقطع مع سياسات العهد البائد المبنية على مركزية القرار والسياسات ولا يمنح الجماعات المحلية والبلديات والمجالس الجهوية، التي نريدها منتخبة، أدوات الديمقراطية التشاركية الكفيلة بإرساء اللامركزية،
  • الفصل  133 : يحد من صلاحيات المجالس المحلية والجهوية ويختزلها في الدور الاستشاري غير الملزم.


إن بيان المجلس التأسيسي بتاريخ 27 أفريل 2013 والذي تضمن تهديدا وترهيبا صريحين لكل الأصوات الحرة التي ارتفعت داخل المجلس التأسيسي وخارجه من أجل إنارة الرأي العام وتنبيهه إلى ما يتهدد الدستور كمعبر عن الإرادة الشعبية والتوافق مرفوض وينم عن عقلية تسلطية استبدادية لا تقبل الحوار والنقد. وعلى كل القوى المدنية والسياسية الغيورة على استحقاقات الثورة ودماء الشهداء التعبئة والضغط من أجل فرض مراجعة جذرية لشكل ومضمون هذا الدستور بما يستجيب ل:
  • دستور شعبي ديمقراطي يكرس التوافق وعلوية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها حق العمل النقابي والإضراب، وواجب الدولة في ضمانها،
  • دستور يضمن حرية التعبير والإعلام والنشر دون لبس،
  • دستور مبني على التوازن بين السلط وشفافية التسيير وتشريك الشعب في التشريع ومراقبة الإدارة والسلطة عبر مجالس محلية وجهوية منتخبة تتمتع بحد أدنى من الاستقلالية المالية والإدارية والتأثير على السياسات المحلية،
  • دستور يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني،
  • تفعيل المراسيم 115 و 116 للخروج من الفراغ القانوني في مجال الإعلام وسد أبواب الابتزاز والتلاعب بالانتخابات،
  • الإسراع في بعث الهيئة المستقلة للانتخابات بعيدا عن المحاصصة الحزبية وتغليبا للمصلحة الوطنية بما من شأنه إعادة الثقة في المسار الانتقالي


أيوب المسعودي
04 ماي 2013


vendredi 12 avril 2013

The Imrali Promise and the New Middle East Plan


Source - Nawaat : goo.gl/GyV9K

By Dr. Ayoub Massoudi, transated from Arabic by Ibrahim Kazerooni and Rob Prince


From all appearances, nothing short of the cornerstone for a regional Middle East civil war was laid on Imrali, a Turkish island in the southern region of the Sea of Marmara. Those who do not understand how to read history always fall behind. And those who are not acquainted with Abdullah Ocalan, the Kurdish leader and the message he sent out to his people on March 21, are not in a position to comprehend the depth and the enormity of the threat directed toward the Arab world and Middle East in general that this communication represents.
In his letter, Ocalan calls on Kurdish fighters to lay down their weapons and to unite with their Turkish countrymen. He reminds them of the battle of Gallipoli where Turks and the Kurds fought side by side, emphasizing to his followers that the battle ahead required a similar level of unity. Citing that enormity of the current challenge requires the unity of the Kurds and the Turks, with this letter, Ocalan brought to a close the thirty years of Kurdish armed struggle for independence waged against Turkish central government.
With a throwback on history that Kurds would well understand, the letter speaks of historical `Anatolia’ and `Mesopotamia’ (known as the land between the two rivers). Such references are critical for an in depth understanding of possible future scenarios, coordinated efforts between Washington/Paris/Ankara and Doha.
The timing of Obama’s visit to Israel seems to coordinate nicely with something else going on in the region: U.S. efforts to encourage Turkish – Kurdish reconciliation. These efforts coincide with Obama’s visit to the Zionist Entity, to Mahmoud Abbas in Ramallah and to Jordan, coming in the aftermath of a number of recent events in the region, including
  • the assassination of Sheik al-Bouti (the Syrian Grand scholar of Kurdish descent. Washington laid the responsibility for alk Bouti’s assassination on the Syrian regime);
  • the choice of Qasan Hitto, an American citizen of Syrian descent, as leader of Syrian interim government;
  • U.S. efforts to patch up relations between Turkey and Israel after a friendly call between Erdogan and Netanyahu; and lastly the Kurdish Turkish resolution.
In this regard it is notable that a few days ago the Turkish government released a number of Kurdish prisoners, encouraging them either to join the so-called Syrian resistance under the leadership of the Democratic Union Party, a Syrian Kurdish party or to be sent, if needed, to fight Iran in the attempt to create a Kurdish state.
Somewhat initially shaken by the emergence of the Arab Spring, the United States is in the process of recovering its political balance. Freeing itself from possible regional squabbles between its allies that might limit its success, the US has thus succeeded in resolving outstanding issues between its regional partners in preparation for the ultimate battle that it intends to fight to regain its hegemony over the region.
As for the American ambassador’s visit to the southern Tunisian border, an action itself against Tunisian sovereignty and diplomatic protocol, the probable purpose was to make sure that no more Tunisian mercenaries are sent out to both Syria and Libya to support NATO’s efforts in those countries. In its war with the Zionist regime, the Turkish government used the Palestinian card in a strategic manner to benefit itself politically and economically. Now that the chips are down with the U.S. wanting to coordinate the policies of its two key two regional security allies, the veils are removed and the Turkish regime’s truer face has become clear.
It is time to ask what was the purpose of Obama’s visit to the Middle East ?
It has become clear that the primary objective of Obama’s Middle East visit was nothing more than rewarding regional puppets that co-opted the Arab resistance, Iraq and Syria for few hundreds millions dollars. It started with the King of Jordan who, for $200 million, turned his country into an open American base to export weapons and train Syria-bound mercenaries.
Turkey will be well rewarded for its participation. In exchange for the establishment of federal Turkish-Kurdish relationship that will include Arab lands that have Kurdish majority in Syria, Iraq and North West Iran, Turkey will gain considerable influence, if not control of the the oil in northern Iraq in addition to what they will get from Iran and Syria.
I want to remind our readers that such a solution to the Kurdish problem was the brain child of Togut Ozal, Turkey’s 8th president (Turkey’s president 1983-1989). This is the deal that Ocalan is willing to make with Turkey, both to save his own skin and to achieve some Turkish-Kurdish reconciliation.
Resolution of the Kurdish issue in a peaceful and democratic manner will probably also allow Turkey to improve its standing in the region, and possibly open the door for Turkey to become a member of European Club. This conflict resolution has been in the making over a long time period. It would open the door for Europe and specifically NATO through Turkey to the Middle East. The deal which appears to be in the making looks something like this: in exchange for services rendered to Turkey and NATO a future Kurdish government would have a free hand in controlling the oil in Iraq and Iran and the gas in Syria.
Nor is this a new venture for Turkey. Those with a sense of history are aware that the Turkish government has long sought to control the Arab region through creation of dysfunctional and weak local powers that become subservient to them.
What about the Arabs, well, once again, the Arabs will come out of this scenario humiliated and marginalized after betraying Arabs Ideals and selling our homeland for few American dollars. As for the Tunisian government that send our ‘brave mercenaries’ to Quatarael to fight in Syria, the government understands full well that the intended result is to further divide the Arab land into smaller morsels. The Tunisian government is also aware that these mercenaries would to be trained at an American base in Qatar by the Zionist under Azerbaijani flag. In fact, the present Tunisian government has not even attempted to deny such a claim.
Turkey is not to blame for its plans to secure its own interests, even if it be at the expense of the Arab world. Nor do our Kurdish brothers, unable to find their place in nondemocratic dysfunctional Arab countries unable to integrate its minorities on the basis of civil and democratic values. No, the full responsibility rests on the deceitful traitors that we, the Arabs have, s leaders in the Arab world. It is they that opened their borders from the Atlantic to the Gulf , who in Tunisia have exported our youth, a youth that has little hope for their own future given the prevailing poverty in our country. Tunisia’s youth are being used as pawns to serve the interests of others, especially in the Turkish project intended to divide Muslim and Arab lands. Turkey will get the membership of the European club and Arabs will be left divided marginalized and out the picture.
Dr. Ayoub Massoudi: having studied in Tunisia and France, he obtained a PhD degree in information security and Telecommunications engineering. After supporting the Tunisian Revolution and participating in all protests in Paris (December 2010 – january 2011), he joined the Congres Pour la Republique Party (CRP -current presidential party) as the information and communication manager. In June 2011, he was elected Secretary General of the party office in France. Massoudi was a key contributor to the success of the CPR in the October, 2011 elections. In December 2011, he joined the president cabinet as top media advisor before resigning on June, 28 in protest against the extradition of former Libyan Foreign Minister to Tripoli. For his public criticisms of Ennahdha (the Islamic Party in power in Tunis) and some military leaders, he was indicted and is facing military trial in Tunis.

samedi 23 mars 2013

وعد إمرالي ومخطط التقسيم الجديد


وعد إمرالي ومخطط التقسيم الجديد

أيوب المسعودي
23 آذار مارس 2013



من جزيرة إمرالي التركية، جنوب بحر مرمرة، وضع حجر الأساس للحرب الإقليمية الوشيكة في الشرق الأوسط، وهاهو وعد إمرالي ومخطط تقسيم المنطقة.


من لا يحسن قراءة التاريخ يتخلف عنه، ومن لا يحسن قراءة رسالة الزعيم الكردستاني عبد الله أوجلان، إلى الشعب الكردي في 21 آذار مارس الفارط، لن يدرك حجم ما يتهدد الوطن العربي خاصة ومنطقة الشرق الأوسط عامة. ففي معرض رسالته، أشار أوجلان إلى ضرورة ترك السلاح مناديا إلى الوحدة التركية الكردية ومذكرا بمعركة مضيق الدردنيل (وهي من أشهر معارك التحرير التركية ضد جيوش الأنجليز والتي كان لأتاتورك دور تاريخي فيها) التي خاضها الأتراك والأكراد جنبا إلى جنب. أوجلان بدعوته الصريحة تلك، من سجن إمرالي... قطع مع ثلاثة عقود من الحرب الانفصالية المسلحة التي قادها الأكراد ضد الدولة الأتاتوركية. وقد أكد في رسالته : "وهذا لا يعني إنكار الأصل، بل تعايش المجتمع الأناضولي والكردستاني بمساواة وسلام وفق تاريخ كردستان وأناضول القديمة" ... كما جاء في نص الرسالة: "يتطلب البحث والتنقيب عن نموذج ديمقراطي حر بحيث يستطيع الكل أن يجد نفسه فيه. ولبناء هذا النموذج يجب عدم التخلي عن جغرافية مزوبوتاميا وأناضول."



إن الإطناب في التأكيد على الجغرافيا التاريخية للأناضول وامتدادها في "مزوبوتاميا" (أي بلاد ما بين الرافدين) لذو دلالات خطيرة لا يمكن إدراكها دون التوغل في ما يخطط له على نار هادئة، ومنذ سنوات، بين واشنطن وفرنسا وأنقرة والدوحة.

ليس من الصدفة في شيء تزامن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بين 20 و 22 آذار مارس الفارط، إلى كل من العدو الصهيوني والضفة الغربية والأردن مع تسارع الأحداث في الشرق الأوسط من قتل الشيخ البوطي، كردي الأصل، واتهام النظام بقتله، إلى "اختيار" غسان هيتو، الحامل للجنسية الأمريكية، رئيسا للحكومة الانتقالية السورية، وعودة العلاقات التطبيعية العريقة بين تركيا والعدو الصهيوني بعد المكالمة الهاتفية الحميمية بين أردوغان ونتنياهو وأخيرا وخاصة "المصالحة" التركية الكردية. كما أنه من الملفت أيضا تقديم أردوغان منذ يومين مشروع عفو خاص عن السجناء الأكراد التابعين لحزب العمال الكردستاني وهو ما سيسمح لهم بالالتحاق بجبهات القتال إما في منطقة الأكراد السورية تحت سيطرة حزب التحالف الديمقراطي ( حزب كردي سوري)، أو بجبهة الحرب على إيران عند الاقتضاء... كل ذلك أملا في تأسيس دولة كردية مستقلة تحقق آمال اللأكراد وتطلعاتهم.
هكذا نجحت أمريكا في رأب الصدع بين الحلفاء تحضيرا للمعركة الحاسمة والمشتركة، معركة لا تريد أمريكا أن تشوبها شائبة أو خلاف، مهما كان شكليا عرضيا. أما زيارة السفير الأمريكي للحدود التونسية جنوبا، منذ يومين، في تعد صارخ للسيادة الوطنية والأعراف الدبلوماسية، فهو للتأكد من غلق الحدود على تصدير المقاتلين بعد أن غنم الناتو بما يكفيه من الشباب التونسي كوقود حرب وبعد أن صار التونسي، المتواجد بتزايد في صفوف جبهة النصرة، غير مرغوب فيه في سوريا.


لقد اعتاد النظام التركي، المطبع اقتصاديا وخاصة عسكريا مع العدو الصهيوني، استعمال الورقة الفلسطينية في كل محطة انتخابية بطريقة شعبوية لا تعكس سياسة مبدئية أو استراتيجية لدعم المقاومة ضد العدو الصهيوني. أما الآن وقد دقت ساعة الحسم في الشرق الأوسط، الآن وقد سقطت الأقنعة، سيظهر النظام التركي على حقيقته وسينكشف زيف الخطاب المعادي لإسرائيل والذي نال إعجابنا نحن العرب السذج العاطفيين.


ما الهدف من زيارة أوباما إذا إلا مكافأة العملاء الذين باعوا المنطقة وباعوا سوريا كما باعوا العراق قبلها وباعوا المقاومة العربية بدءا بعباس مقابل 500 مليون دولار مرورا بملك الأردن الذي فتح حدوده وحول الأردن إلي قاعدة عسكرية أمريكية مفتوحة لتصدير الأسلحة والمقاتلين المدربين على أيد أمريكية... مقابل 200 مليون دولار... وخاصة حماية العرش الهاشمي.

أما نصيب الأسد فسيذهب إلي تركيا التي لا تبالي بالدولارات الأمريكية، فدولة تركيا القوية، العضو في حلف شمال الأطلسي، وخلافا للدول العربية العميلة، لا تحركها مطامع آنية ضيقة تخدم مصالح العائلات والأوليغرشيات الحاكمة، تركيا ستخرج من الحرب ب:



  • بناء فدرالية تركية - كردية كبيرة تكون تحت هيمنة تركية أطلسية، والتي ستشمل حتما الأراضي العربية ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا (قرابة الثلاث ملايين) والعراق (قرابة الست ملايين) وشمال غرب إيران (قرابة الثمان ملايين) وجنوب شرق تركيا (قرابة الخمسة عشر ملايين)، ما سيمكن تركيا من مخزون نفط كردستان العراق الكبير مع إضعاف إيران وسوريا. وقد سبق وأن فكر تورغوت أوزال (الرئيس الثامن لتركيا) في هذا الحل للمسألة الكردية، هذا هو الثمن لإعلان أوجلان وقف المقاومة المسلحة،
  • تحييد الدور الكردي، في أحسن الأحوال، في معركة سوريا بعد نداء أوجلان إلى الوحدة وترك السلاح، أو تسليحهم في المعركة ضد سوريا فإيران، في أسوأ الأحوال، وهو الأرجح،
  • حسم المسألة الكردية بشكل سلمي ديمقراطي وهو ما سيسمح لتركيا بتدعيم موقفها في حلف شمال الأطلسي وخاصة أمام الاتحاد الأوروبي الذي كان يدعي أن المسألة الكردية تقف حجر عثرة أمام دمقرطة تركيا وولوجها إلي ناديهم، نادي الدول "السلمية الديمقراطية"... وهذا ما نقرأه في تأكيد أوجلان على خيار "العصرانية" و"التحديث" في أكثر من موقف في رسالته إلي الشعب الكردي. هذه "المصالحة" التي طبخت على نار هادئة هدفها الأساسي ولوج أوروبا والناتو، عبر تركيا ودولة الأكراد القادمة، إلى نفط العراق وإيران وغاز الساحل السوري في طور لاحق.


تركيا ماضية بخطى حثيثة لبسط يدها على مقدرات المنطقة العربية مستثمرة في ذلك عجز العرب وضعف دولهم وقلة حيلة حكامهم وقصور تدبيرهم وتخطيطهم.


أما العرب، نحن العرب، فسنخرج صاغرين أذلاء موسومين بالعمالة والخيانة بعد أن بعنا الوطن بحفنة دولارات أمريكية.

كما أن حكومتنا التي أرسلت جنودنا البواسل إلي قطرائيل في ما وصفها مسؤولون في وزارة الدفاع بأنها "تبادل خبرات"، كانت تعلم جيدا الدور القطري في الحرب على سوريا وتقسيم المنطقة، وهي على علم بما يتداول من أخبار عن أن جنودنا أرسلوا للتدرب جنبا إلي جنب، في قاعدة عسكرية أمريكية على الأراضي القطرية،  مع جنود صهاينة تحت العلم الأذربيدجاني... دون أن يصدر أي تكذيب أو توضيح.

أنا لا ألوم تركيا، الدولة التي تخطط من أجل تحقيق مصالحها ولو على حساب الأمة العربية الإسلامية، كما لا ألوم إخواننا الأكراد الذين لم يجدوا مكانهم في الدول العربية الفاشلة المستبدة والعاجزة عن إدماج الأقليات في مجتمع مبني على الديمقراطية والمدنية والمواطنة، اللوم كل اللوم على حكامنا الخونة الذين فتحوا حدودهم، من المحيط إلي الخليج، مرورا بتونس، خاصة تونس، لتصدير المقاتلين وتحويل شباب تونس المفقر والمهمش إلي حطب حرب قذرة لا تخدم إلا مصالح مشروع التتريك الجديد للمنطقة وتقسيم الوطن العربي الإسلامي قبل نهبه من قبل حلف الناتو. هذا الحلف الذي اتخذ من تركيا حصان طروادة لاستعمارنا من جديد. ستكافأ تركيا قريبا على كل هذا بدخولها إلي الاتحاد الأوروبي من الباب الكبير ليقبع العرب أكثر فقرا وتخلفا وانقساما.


أيوب المسعودي

lundi 18 mars 2013

لكم حكومتكم ولنا ثورتنا

لكم حكومتكم ولنا ثورتنا


أيوب المسعودي


نشر في جريدة صوت الشعب بتاريخ 14 آذار / مارس 2013 - العدد 89


كتب الكثير في شأن أطول تحوير وزاري وأكثره إضجارا للنفوس وللشعب الموزور... يطول الحديث في تفاصيل هذه الأزمة المفتعلة والتي لا تعدو أن تكون حلقة من حلقات سياسة التحيل التي تنتهجها الترويكا، وما تزال، والتي كنت قد كتبت فيها في صوت الشعب بتاريخ 28 فيفري 2013 تحت عنوان : "النهضة، دروس في التحيل السياسي".
أما الآن وقد تمخض الجبل ليلد استنساخا للقديم على أساس إرضاء الحلفاء والإيهام بالتغيير، الآن وقد سقطت جل الأقنعة وأخذت ماكينة الثورة، المستمرة رغم كيد الكائدين، تفرز الغث من السمين والمنحاز لقضايا الثورة من المتآمرين عليها، فالأولى بقوى الثورة أن تركز على ما هو مهم وأهم فيما تبقى من مرحلة انتقالية تفصلنا عن موعد الانتخابات، انتخابات أقرب إلى عالم الغيب من الواقع ولم تتوفر بعد على الشروط الموضوعية للنجاح في كنف التنافس النزيه والسلمي والعادل.
وإن كنت أعتبر السيد حمادي الجبالي المسؤول الأول عن فشل الحكومة المستقيلة، فإنه من المهم العودة إلى ما صرح به بتاريخ، 12 جانفي 2013، لجريدة الشرق الأوسط [1] قائلا : "يجب أن نصارح شعبنا... وكان هناك خطأ في التقييم قبل الوصول إلى الحكم...". لا يتحدث الرجل هنا عن رأيه الخاص في تصور الحكم وتقييم الأوضاع وإنما الأرجح أن يعبر بذلك عن تصور حزبه، وهو الأمين العام لحركة النهضة الحاكمة. قد تتبرأ النهضة وأتباعها (المؤتمر والتكتل) من تصريحات الجبالي بعض أن صار من المغضوبين عليهم، على الأقل ظاهريا، ولكن المعطيات على الأرض تصب في تصديق كلام الجبالي الذي كان رجع صدى لما كررته المعارضة منذ أشهر ولما كان يختلج في نفس التونسيين. الإستفاقة كانت متأخرة وفاقدة للفعل والإرادة والدعم الحزبي، كما أنني أرجح أن تصريحات الجبالي تلك كانت تمهيدا، أو لنقل تهيئة نفسية للشارع التونسي، لتقبل مشروع الاستعمار الذي كان يطبخ على نار هادئة من قبل الترويكا وحلفائها (صندوق النقد الدولي وقوى رأس المال العالمي).
السيد العريض، في عرضه المسرحي الهزيل أمام المجلس التأسيسي، لم يستخلص العبر ولم يصارح نفسه وحزبه والشعب ولم يحاول تقييم أداء الحكومة السابقة والوقوف على أخطاءها وسبل تجاوزها، حتى أن المتمعن في الخطاب يلاحظ بيسر غلبة الثني على الحكومة السابقة والتأكيد على "مواصلة" (على لسان العريض) مجهودات "السابقين".
وإن نالت الحكومة أغلبية الأصوات تحت قبة باردو فإنها لم ولن تنال ثقة الشعب، خاصة عندما يقتصر الخطاب على إعلان نوايا، بلا روح ولا مضمون، لدغنا منه في أكثر من مرة (إعلان نوايا الترويكا في بداية التحالف ثم الإعلان، يوم يوم 15 أكتوبر 2012، عن التوافق على 23 جوان 2013 كتاريخ للانتخابات، لتذهب الوعود بعد ذلك أدراج الرياح).
ووسط هذا الضباب الكثيف المصطنع، والذي زاده غموض الرؤية والخطاب ضبابية، وفي الوقت الذي تستعد فيه قوى الثورة المضادة المتنازعة، والمتمثلة في السلطة الحالية (الترويكا) وبقايا النظام القديم (النداء وما لف لفه)، كل بطريقته، لإعادة تشكيل القديم واستنساخ الاستبداد بمسوغات مختلفة، مستمدة شرعيتها من رضا القوى الخارجية والمالية، على قوى الثورة أن تحدد أجندتها، التي تمليها الثورة، وأن تنزل إلى الشارع لحسم الملفات المسكوت عنها:

1 - الشهداء والجرحى والجيش الوطني : لابد من إحالة ملفات الشهداء والجرحى على القضاء العدلي المدني وسحبه من مؤسسة القضاء العسكري الذي يعتبر قضاء إستثنائيا لا يمكن أن ينصف المدنيين وهو متهم وحاكم في ذات الوقت. كما أنه حري برئيس الجمهورية (إن صح التعبير) أن يوقف العمل بقانون الطوارئ الذي أنهك جيشنا الوطني الأبي حتى يتسنى لجنودنا المنهكين الرجوع إلى ثكناتهم واسترداد جاهزيتهم وتحسين تمركزهم على الحدود في ظل التهديدات الأمنية العديدة من تهريب للسلاح وتدفق الفرق الإرهابية.
كما أن القضاء العدلي المدني وحده مؤهل لإنصاف شهدائنا الأبرار والجرحى الذين قاسوا الويلات وآن الأوان أن ينالوا ما يستحقونه من رعاية ورد للاعتبار ماديا ومعنويا.

2 - العنف السياسي - اغتيال الشهيد شكري بلعيد : الضغط من أجل إماطة اللثام عن كل حيثيات الجريمة والكشف عن هوية القتلة والمخططين والخلفيات ومصدر الموارد ومقاضاة الفاعلين والمخططين المباشرين وكذلك غير المباشرين من المسؤولين السياسيين والحكوميين، وأولها رئيس حكومة الالتفاف الثانية، الذين تساهلوا في التعاطي مع العنف السياسي والتحريض على الاقتتال والاحتراب والاستخفاف بالتهديدات التي تلقاها الشهيد.
إذ لا يمكن تصور إجراء انتخابات حرة، شفافة ونزيهة في ظل التوظيف السياسي للدين والمساجد وما نتج عن ذلك من تأزم. وأشك  في نية الحكومة تحييد دور العبادة وحماية الدين من التطرف والغلو. فكيف لحكومة العريض أن تتعاطى مثلا مع "الداعية" البشير بن حسن الذي استمات في الدفاع عن "الشرعية و"الإسلام" في اشرع الحبيب بورقيبة جنبا إلى جنب مع الغنوشي والبناني واللوز؟ كيف ستتعاطى معه وهي مدينة لهذا "الداعية"، سعودي التكوين وهابي المشروع، والذي دعا من منابر المساجد إلى الجهاد ضد "الماركسيين" و"الشيوعيين" (على حد قوله) في أعقاب أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لوح بإضراب عام. ولا أرى في هذا الإطار مناصا من التحقيق مع كل من ثبتت ضدهم، يمينا ويسارا، تهمة التكفير أو التحريض على العنف وسن قوانين صارمة تجرم التكفير والتحريض على العنف في المساجد.

2 - الفساد المالي والفساد السياسي : الضغط من أجل كشف الحجم الحقيقي للفساد المالي والسياسي الذي نخر الدولة، وما يزال، طوال الحقبتين البورقيبية والبنعلية، ولن يتحقق ذلك دون التفكيك الفعلي لجهاز البوليس السياسي للكشف عن أرشيفه كاملا في إطار لجنة وطنية مستقلة يشرف عليها أكاديميون وقضاة  يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد. بالتوازي، لا يمكن أن يصبر الشعب على السياسات اللا شعبية ويتحمل مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي أفرزما النهج الرأسمالي التبعي المنتهج قبل وبعد الثورة، لا يمكن أن يواصل الكادحون التضحية بقوت أبنائهم أمام استفحال الفساد المالي وعودة رموزه من الباب الكبير. لذلك توجب الكشف عن شبكة رؤوس الأموال، المحلية والأجنبية، المتواطئة في هذا الفساد. إذ سكت العريض عن الفساد المالي وخاصة المال السياسي واختراق السياسة والأحزاب من طرف هذه القوى، الداخلية والخارجية، والتي كانت من العناصر الموجهة لانتخابات 2011، إذ أحدثت تشويها واختلالا للمشهد السياسي وللتوازن بين أحزاب المال (أحزاب السلطة الجديدة) من جهة، والأحزاب التي لم تتخلق بعد وأبت إلا أن تكون صادقة مع الشعب.

3 -  غلاء المعيشة، المنوال الاقتصادي والمديونية الخارجية : وعيا منها بأن ساعاتها باتت معدودة، كثفت حكومة الكومندوس الأولى، حكومة مهمات صندوق النقد الدولي، في الأشهر الأخيرة (وخاصة منذ نوفمبر 2012)، المشاورات مع الأطراف الأجنبية (صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي خاصة)، لتضع اللبنات الأخيرة لمشروع "إصلاح" هيكلي سيسرع نسق ارتهان اقتصادنا الوطني لرأس المال العالمي ويمهد لتفكيك الدولة والقطاع العام على حساب الطبقات المسحوقة. ولما لمس صندوق النقد الدولي بداية نهاية صلاحية الفريق الخاص الأول، خلص إلى مخطط بديل يغير الشكل ويبقي على المضمون. وهنا، على القوى الوطنية والديمقراطية أن تتفطن بهذا الخطر وأن تهب من أجل الدفع إلى إلغاء كل الاتفاقيات الإطارية التي عقدتها حكومة الترويكا وكذلك التخلي عن السياسات اللاشعبية الرامية إلى استرضاء القوى الخارجية على حساب الشعب وصولا إلى تجميد دفع الديون والشروع في التدقيق فيها.
لقد تعمدت ربط غلاء المعيشة والمنوال الاقتصادي بالمديونية الخارجية، ذلك أن الحكومات المتعاقبة، الفاقدة للمشاريع السياسية، دأبت على التداين الأعمى لتوفير السيولة اللازمة لبسط الحكم وإسكات الأفواه لحين، أي أن الشعب المسكين يقترض من أجل حكم الترويكا... وهو ما يخلق حلقة مفرغة للتداين من أجل تسديد الدين ورباه لا من أجل خلق الثورة ومواطن الشغل (أنظر مقال الأستاذ الاقتصادي محمد مبروك [2]، مع تحفظي على سكوت الكاتب عن تواطؤ الترويكا).
إن انصياع الترويكا لأجهزة اقتصاد السوق (صندوق النقد الدولي وما لف لفه) وأسلحتها كوكالات الترقيم الائتماني (والتي كنت قد كتبت عن أصولها التاريخية ودورها المشبوه [3]) هو جريمة في حق الوطن والثورة وجب التراجع عنها عبر:

  • التراجع عن الزيادة في الأسعار وتكثيف المراقبة ومقاومة شبكات الاحتكار وتهريب السلع،
  • تجميد دفع الديون لخمس سنوات متتالية على الأقل حتى يتسنى الشروع في التدقيق في ديون العهدين البائدين، وتجدر الإشارة أن حكومة القوات الخاصة 1 سبَقت دفع 600 مليون دينار في أواسط فيفري، وكان ذلك حلقة من حلقات المناورة المقيتة، ذلك أنه تم إيهام الرأي العام بأن هناك أزمة قد تعيق خلاص رواتب الموظفين وأن بيع الأملاك المصادرة وفرت 600 مليون دينار!!!  لخلاص الرواتب. الحقيقة هو أن الأزمة لا تعدو أن تكون إلا مجرد صنع خيال الترويكا وتم توجيه الأموال المصادرة (إن وجدت) لتسديد الديون وإرضاء صندوق النقد.
  • إلغاء كل الاتفاقيات الإطارية وخاصة اتفاقية الشريك المتميز مع الاتحاد الأوروبي ومشروع الإصلاح اللا شعبي لصندوق النقد الدولي والمندرج ضمن مخطط الياسمين الصهيوني الاستعماري المعروف أيضا بمشروع قمة دوفيل (أنظر صفحة 16 من الوثيقة [4]) والذي كان الجبالي استحث الأوروبيين على التسريع في تفعيل وعوده [5]. كما يتوجب إلغاء كل استتباعات هذه المشاريع الهدامة (كمجلة الاستثمار الجديدة [2]، ومشاريع تفكيك الدولة كمشروع السماء المفتوحة...). ويكفي أن نتمعن في الصورة البيانية أسفله، والتي استخرجتها من وثيقة مخطط الياسمين (أنظر صفحة 16 من الوثيقة [4])، لنلاحظ أن الوثيقة قبرت تاريخ 20 مارس 1956 بينما ذكرت تاريخ دستور عهد الأمان (1861) الذي مهد للاستعمار وكذلك الخطاب التطبيعي الانهزامي لبورقيبة في أريحة سنة 1965.





إن تجميد تسديد الديون سيسمح بتوجيه هذه الأموال إلى الاستثمار في المناطق الداخلية ودعم الفئات والجهات المفقرة. ولنا في التاريخ عبر، إذ يكفي أن نذكر مثال الأرجنتين التي كانت إحدى ضحايا "معاهدة واشنطن"، فرغم أنها كانت، طوال العقد الأخير من القرن الماضي، التلميذ النجيب المنصاع لمؤسسات إقتصاد السوق، تحت ولاية الرئيس كارلوس منعم، إلا أن شهر العسل سرعان ما انفض [6] في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت في أواخر القرن الماضي والتي أدخلت الاقتصاد الأرجنتيني إلى الإنعاش وأسهمت في تأزمه الحاد سنة 2002 دون أن يسعفها صندوق النقد الدولي الذي طلب منها تسديد الديون، علاوة على فرض برنامج تقشف لا إنساني تحت مسوغ "الإصلاح الهيكلي"، وهو ما دفع الحكومة الجديدة إلى الانحياز للشعب الأرجنتيني والامتناع عن تسديد الديون، ما كان له الفضل في تعافي الاقتصاد الأرجنتيني الذي نجح طوال ثلاث سنوات متتالية في تحقيق نسبة نمو بمعدل 8%.

وحتى لا أتهم بالشعبوية والمزايدة، فإنني أعتبر أن التقشف أمر ضروري، على أن يخضع لسياسة شعبية حكيمة وعادلة وعلى أن تبدأ من أعلى هرم الثورات وكبار المسؤولين في الدولة بتقليص عدد السيارات الإدارية والإمتيازات (البنزين، منح الكساء...) ومصاريف السفرات والزيارات... كما يكون التقشف الحكيم لصالح الفئات المحرومة عبر الامتناع عن توريد الكماليات أو فرض أداءات إضافية عليها تخصص لصندوق اجتماعي تنموي (لا صندوق الدعم الذي يستنزف الطبقات الكادحة لصالح كبار المستهلكين من الأثرياء) يكون موجها للفئات والجهات الفقيرة.

4 - الإعلام - القضاء - الدستور - الانتخابات : وهي أيضا ملفات شديدة الترابط، لقد سئم الشعب التصريحات المتتالية والمتضاربة حول تاريخ الإنتهاء من كتابة الدستور والولوج إلى الانتخابات، وهو ما أسهم في زعزعة ثقة المواطنين في نوابه.
أما على مستوى المضمون، فلا أمل في الخروج بدستور شعبي ديمقراطي ما لم تتخلى النهضة عن منطق دستور "الأغلبية" لتغلب مطالب الثورة التي نادت بالحرية والعدالة الاجتماعية على مشروعها العقائدي. إذ لم يتوفر الدستور، في نسخه الأخيرة، على الشروط الدنيا التي تجعله يعكس روح الثورة ويبلغ رسالتها الحضارية المنادية بتحرر التونسي وتحقق مواطنته إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا وإقرار الحريات ومأسستها . كما أن نص الدستور يفتقر لبنود ثورية تكون في مستوى التضحية التي قدمها الشعب وما كلفه هذا المجلس التأسيسي من مال وصداع، واقترح أن نستلهم في عدد من المجالات، ما جاء في دستور فنزويلا مثلا :

  • في السيادة السياسية والاقتصادية : بناء على ما سبق، يمكن الإقرار بأن أهم تحد وطني نواجه اليوم هو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المستقلة، ويمكن الاقتداء، في هذا الشأن، بالدستور الفنزويلي في فصليه 12 و 13 [7]، المقرين بالسيادة المطلقة للدولة والشعب على الموارد الطبيعية السطحية منها والباطنية وبتحجير إقامة قواعد عسكرية أجنبية على التراب الوطني. وأقترح أن يسن قانون يلزم السلطة التنفيذية بتقديم أي مشروع اقتراض أو تسديد ديون أو إستثمار أجنبي أمام مجلس النواب  ويسمح لنواب الشعب بتعطيله (المشروع) إذا ارتأوا فيه إضرارا بمصلحة الوطن أوسيادته على أن يسمح لمجلس النواب، في حالة الأزمات والطوارئ، بإقرار إجراءات إستثنائية سيادية كتجميد دفع الديون لأجل محدد.
  • في العدالة الاجتماعية : التنصيص صراحة، في نص الدستور، على واجب الدولة في وضع سياسات تكرس التمييز الإيجابي لصالح الفئات والجهات الفقيرة.


هذه حلول عملية لحل الملفات الحارقة التي تشغل الشارع والكادحين والتي يجب أن تقود الثورة. أما المعطيات الموضوعية والذاتية على الأرض فلا تبشر بتغيير على مستوى عقلية الحكم والتسيير. فعلى المستوى الذاتي، تتوجه الحكومة (التي تسيطر عليها حركة النهضة) نحو مزيد من التصلب والتفرد، وهو ما نقرأه على مستوى التركيبة الجديدة التي كافأت الفاشلين عبر ترقية البحيري بتوليه أكثر المناصب إستراتيجية كمستشار سياسي لرئيس الحكومة ويدير بذلك العملية السياسية برمتها من الكواليس وهو الرجل الذي ضرب مرفق العدالة وعطل إصلاحه. كما تمت ترقية السيد وزير الداخلية، وزير تحزيب وزارة الداخلية وأدلجتها، وزير 9 أفريل والعمران والرش واغتيال الشهيد شكري بلعيد، وهي كلها ملفات لم تحسم أو تم التلاعب بها. كل هذا دون الحديث عن إلتحاق إسلامويين متشددين على رأس أكثر الوزارات حساسية. هذا إلى جانب الاحتفاظ بوزير الشؤون الدينية الذي ترك الحبل على الجرار لتستباح المساجد من قبل المحرضين والمكفرين والمتاجرين بالدين.
على المستوى الموضوعي، فإن طريقة إدارة التفاوض التي عملت بمنطق اقتسام الكعكة والتنفيس على الترويكا بتوزيع الفشل على حساب البرنامج هي خير دليل على أن الترويكا لم تستوعب الدرس ولم تع بعد عمق الأزمة وحدتها، وهو ما يبين عجزها عن قيادة الثورة. كما لا أمل في مقاومة الفساد المالي والسياسي في ظل مساعي النهضة الحثيثة من أجل إعادة تشكيل القديم بأدوات التجمع المنحل من رجالات وأموال وشبكات فساد. لكل هذه الأسباب مجتمعة، أقول صوتوا على هذه الحكومة بسرعة وارحمونا، لكم أجندتكم ولنا أجندتنا، لكم حكومتكم ولنا ثورتنا، والثورة لا تنتظر.



[2]. محمد مبروك، "مجلّة الاستثمار مجلّة الاستعمار"، goo.gl/sAO1C
[3]. أيوب المسعودي، "لا لن تعاقب STANDARD AND POOR’S الشعب الذي ثار
[4]. وثيقة مخطط الياسمين، http://pdf.lu/9IG6
[5]. وكالة تونس إفريقيا للأنباء، goo.gl/y3AWu
[6]. E. Stiglitz, "Le fanatisme des marchés, un autre monde", Pages 370 - 378
[7]. دستور الجمهورية البوليفارية الفنزويلية، goo.gl/o0jUb