Designed by Freepik

jeudi 9 octobre 2014

ثورات مع تأجيل التنفيذ - 1 - Révolutions en sursis



مثقفو البلاط



 "فهم يعادون الفلسفة ذبا عن كراسيهم المزورة التي نصبوها من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تجر شيئا باعه ومن باع شيئا لم يكن له..."
                                                                                                          من رسالة الكنديّ في الفلسفة الأولى

لا تجمع بين مثقفي البلاط روابط أيديولوجية أو حتى طبقية أو فكرية ، هذا إذا أمكن الحديث عن فكر عند بعضهم. فلسائل أن يسأل: ما الذي جمع تحت سقف قصر قرطاج رئيسا يعرف نفسه كعلماني أصيل نادى بالمساواة في الإرث بين المرأة والرّجل وصحفجيا طرابلسيا ومؤرِّخا رئيسا لمجمع بيت الحكمة المتحدّر من أرستقراطية دينية زيتونية ليدور بينهم حوار سريالي يفتقر لأدنى مقومات النقاش المبني على التناقض والجدلية والمحاججة؟ وما الذي جمع مثقفين يعرفون أنفسهم بالبورقيبيين أو التقدميين أو اليساريين أو الديمقراطيين جلّهم نظّر وبرّر القمع والاستبداد في ظل حكم بن علي... بشيخ هرم تنكر للبورقيبة عندما كانت محاصرة مشرّدة، أسّس للتعذيب ومَنهَجَه، لا يتوانى عن تكفير المعارضين له وإهانة المرأة وإبخاسها والتقليل من شأنها وإدارة حزبه كما تدار الضيعة الخاصة، ينصب ابنه قائدا للشياه، يعزلها ويجمعها أنى شاء ومتى شاء؟
كثيرون هم أولئك الذين جرفتهم المطامع والمطامح لترميهم على بلاط الحاكم متمسِّحين ملمِّعين مزيِّفين، أكاد أقول أن هذا الاصطفاف المصلحي أحدث انجرافا كاملا في صفوف المثقفين وصحّر الثّورة من كل قاعدة فكريّة مستقلّة قادرة على بلورة مضمون نقديّ يثوّر الوعي العامّ ويؤسس لعقليّة جدليّة. وقد عرفت تونس في الآونة الأخيرة انفجارا في عدد صحفجيي البلاط ومدوني البلاط وفناني البلاط ورجال أعمال البلاط...
تلاحظون أنني تجنبت وسأتجنب تسمية الأشخاص بأسمائهم، لا خوفا من أحد وإنما توقيا من كل شخصنة لأركز على الفكرة وسأتعمّد استخدام عبارة 'المؤرّخ' للإشارة إلى رئيس مجمع بيت الحكمة. إن ما يجعل، في رأيي، رئيس مجمع بيت الحكمة في تونس من أخطر المناصب هو كون هذا المنصب عبارة عن حارس للوعي الجمعيّ التّونسيّ ممّا يحتّم اختيار شخصيّات مستقلّة لا تشوب فكرها ضغائن أو أحقاد تنال من عقلنة هذه المؤسّسة العتيدة. وسأتطرّق في هذا المقال لفكر رئيس مجمع بيت الحكمة الذي نُصِّب في عهد حكومة الترويكا لأتعرّض إلى أفكاره، لا إلى شخصه الّذي أحترمه، محاولا تفكيك خطابه وتفسير سكوته في ذلك الحوار المسرحية الذي غاب فيه المفكّر ليحضر الأرستقراطيّ المهادن.

المؤرّخ
أوّلا، من المهمّ فهم المرجعيّة الاجتماعيّة والثّقافيّة التي ينطلق منها الرّجل، فلا يمكن أن يخلو فكر من تأثيرات الوسط الاجتماعيّ والثّقافيّ للمفكّر. فهو متحدّر من عائلة 'بَلدِيّة' (من العائلات 'الكبرى' في العاصمة – على أنّني أمقت هذه المصطلحات)، وهو وسط أرستقراطيّ دينيّ (ولا يعني ذلك ضرورة متديّن) زيتونيّ التّربية والتعليم. ولا داعي للتّذكير بالنّفوذ الواسع الّذي تمتّعت به هذه العائلات خاصّة في ظلّ حكم البايات، حيث تولّى أحد أقرباء المؤرّخ، الشيخ يوسف جعيط مثلا، الوزارة الكبرى في عهد محمد الناصر باي.
إجمالا، ليس صحيحا أن بورقيبة شطب أو أراد شطب الدين كما يتهمه بذلك المؤرّخ في 'أزمة الثّقافة الإسلاميّة' مثلا في نزعة تكفيرية واضحة سنفصلها لاحقا. في رأيي، ما فعله بورقيبة هو أنه أنقص من هيمنة الأرستقراطية الدينية التي كانت مهيمنة زمنذاك على الدولة والإدارة والقضاء (عبر القضاء الشّرعيّ) والاقتصاد (الأوقاف)... تلك الأرستقراطية التي تحالفت مع الزعيم بن يوسف ضد بورقيبة، سنجد نفس هذه الطبقة تقف إلى جانب كبار الملاكين ضد تجربة التعاضد وضد بورقيبة، أي ضد نفس ذلك المشروع الذي أطلقه عبد الناصر لإنهاء الإقطاع (للتذكير كان عبد الناصر العلمانيّ نموذجا عند بن يوسف). ولعل المؤرّخ، المتحدِّر مباشرة من الأرستقراطية الدينية، لم يستحسن أفول نجم تلك العائلات "البلدية" التي كانت تهيمن على مفاصل الدولة وفضل بورقيبة في ولوج أولئك 'الآفاقيين' مثلي (وهي عبارة كانت تستخدم للإشارة إلى المتعلمين من أبناء الداخل) إلى مراكز متقدمة في الدولة والقضاء. ولعلّ كثيرا من التّونسيّين يجهلون أنّ مهنة التّعليم في الزّيتونة مثلا كانت حكرا على أبناء هذه الأرستقراطيّة من عائلات بن مراد والنيفر وجعيّط وبن عاشور وغيرها... وأنّ 'الآفاقيّين'[1]، وإن تساووا في العلم والشّهادة العلميّة مع 'البلديّين'، كانوا محرومين من جلّ المناصب العليا في الدّولة. كما أنّ سياسة الحزب الواحد البورقيبيّة سرعان ما أفرزت هي أيضا أرستقراطيّة جديدة مرتبطة بالحركة الوطنيّة الّتاريخيّة الّتي استحوذت على السّلطة وكان السّاحل وظلّ قاعدتها السّياسيّة والاقتصاديّة يختار منه بورقيبة الوزراء والمسؤولين ويضخّه بالمال والاستثمارات في نزعة جهويّة مقيتة.
لديّ شخصيّا مآخذ عدّة على خيارات بورقيبة السّياسيّة والاقتصاديّة الّتي كرّست الاستبداد والحزب الواحد والرّأي الأوحد وفوارق جهويّة أعاقت ثلاثة أرباع الجمهوريّة واستنزفت الدّاخل التّونسيّ بدون مقابل ولكنّ موضوعيّة التّحليل وصرامة المنهج تحتّم علينا رفع العديد من الملابسات والمغالطات الّتي يستعملها مروّجوها كسلاح لتشويه خصوم سياسيّين يدّعون الانتساب للبورقيبيّة. ولعلّ من مكر التّاريخ أنّ خطاب بورقيبة الّذي تحدّث فيه عن الصّيام وضرورة اقتران العبادة بالعمل وترك التّخاذل والتّكاسل في هذا الشّهر الكريم وضرورة تطبيق القانون واحترام مواقيت العمل وعدم استخدام الدّين مطيّة للتّكاسل والتّواكل[2]، لا ترك الصّيام كما يدّعي البعض، كان مذيّلا بفتوى... الشّيخ المفتي محمّد العزيز جعيّط[3].

'الثّقافة العليا' التّكفيريّة[4]
بعد هذه البسطة حول المرجعيّة الاجتماعيّة والثّقافيّة للمؤرّخ، لنلقي نظرة تفكيكيّة على فكر المؤرّخ الّذي انفجر تناقضا وحيرة في كتابيه الفتنة وأزمة الثّقافة الإسلاميّة.
فأمّا بخصوص كتاب الفتنة، وحتّى لو اعترفنا للمؤرّخ بإبداعه الأدبيّ في هذا العمل القيّم والعظيم، فلا يمنعنا ذلك من وجهة نظر نقديّة لا تفسد للاحترام قضيّة أن نأتي على جملة من الشّوائب المنهجيّة والتّحليليّة الّتي لا تخلو من شحنات أيديولوجيّة جليلة.
لنقل أوّلا أنّ من يجيد قراءة كتاب الفتنة[5]، أي ذلك القارئ المتفطّن الّذي يدقّق في الهوامش وخاصّة تعليقات المؤرّخ على مختلف المصادر والتّحليلات سيلاحظ انحيازا أيديولوجيّا واضحا للإسلام السّياسيّ، في بعدها 'الأمويّ'، الّذي يرمز إليه دهاء معاوية وحسّه السّياسيّ [6] كما يقول المؤرّخ مقابل النّقاء الإسلاميّ والسّبق والصّحبة النّبويّة والصّلابة في الدّفاع عن الحقّ والعدل الّذي يرمز إليه سيّدنا عليّ. ويتّضح هذا الانحياز عندما نكشف حجم التّناقضات الّتي سيتسنّى لنا تبيينها من خلال كتاب الفتنة وحده.
أوّل تجلّ لهذا التّناقض يبرز في تحليل المؤرّخ لمسألة تراكم الثّروات[7] في عهد سيّدنا عثمان، ذلك أنّ الكاتب سيقدّم أدلّة على حجم هذا التّراكم وسيقرّ بأنّ عثمان قد أخذ لنفسه وذويه من بيت مال المسلمين... ولكنّه سيبخس من قيمة تحليلات أخرى اعتبرها مادّويّة اقتصادويّة (يقصد ماركسيّة) كما سيفعل ذلك في كتب أخرى يزدري فيها أعمال مفكّرين آخرين مثل حسين مروة ومحمّد عابد الجابري[8] الّذي أعتبره  شخصيّا من ألمع العقول العربيّة الّتي عرفها العالم العربيّ في العشرينيّة الأخيرة.
إنّ إبخاس المؤرّخ لأعمال علميّة صارمة ككتاب النّزعات المادّيّة في الفلسفة الإسلاميّة للشّهيد حسين مروة أو سلسلة أعمال الجابري عن العقل العربيّ إنّما ينبع عن إغراق في الإشراقيّة، وما يؤاخذ عليه المؤرّخ بصفة عامّة إغراقه في الحديث عن العاطفة الدينية فنجده يتحدث عن ورع القرٌاء، والعاطفة الدينية عند معاوية[9]....  ويعتبر الفتنة صراعا دينيا محضا ويسقط التحليلات الاقتصادية الماركسية التي يعتبرها اقتصادويّة... وكل هذا يخرج به أحيانا عن المنهج الصارم في التحليل الاجتماعي والسياسي للتاريخ الإسلامي.
كما أنّ هناك تناقضا بين اعتبار الصراع دينيا محضا من جهة وتقلّبات مواقف معاوية بالذّات: فهو مضى إلى الحرب باسم القرآن والقصاص وجيّش الشام وحرّضه ثم سيعود ليستدعي القرآن والدين عندما سيدعو إلى التحكيم، عندما سيكتشف فكافة القوى العسكريّة، بوضع المصاحف على أسنة الرماح. هنا سيدسّ المؤرّخ فكرة أن خيار السلم، هذه الفكرة "الكبيرة" كما يصفها المؤرّخ في الهوامش، قد تكون أتت من النابغة معاوية[10] ويدحض كلّ رواية مخالفة. كما أن هذا التناقض يشقّ جيش العراق، إذ يقرّ المؤرّخ نفسه أن السواد الأعظم من المحاربين إنما كانوا يحاربون باسم القبيلة والشرف والعرض على خلاف القادة المسيّسين. وسترفع الشعارات القبلية من قبيل "البقية البقية" عندما سيبلغ التقتيل والدمار في العرب كل مبلغ.
تناقض آخر سنجده عند القراء[11]، تلك الفئة المسيسة التي وعت بقوة القرآن كوسيلة لتجاوز السبق الإسلامي وعلاقات السلالة والصحبة النبوية، القرآن سيمثل بالنسبة إليهم أداة تأثير، أداة سياسية... التناقض سيحصل عند قبولهم التحكيم باسم القرآن ثم رفض الوثيقة باسم القرآن "وإن طائفتان من المسلمين اقتتلا...." معتبرين أن مواصلة القتال ضد فئة معاوية ("الفئة الباغية حسب الآية") واجب وسيؤسسون بذلك حزب الخوارج.
كما يشكك المؤرّخ في رواية أبي مخنف والتي تريد أن يكون علي جاء إلى الحروريين ليقنعهم بالرجوع قائلا لهم أنهم دفعوه لوقف المعارك باسم القرآن فما الذي جعلهم يخرجون عنه ويطالبون بمواصلة الحرب[12]. وفي موضع آخر يدحض المؤرّخ رواية لليعقوبي تدين معاوية بتسميم الأشتر[13] ويصف روايات اليعقوبي بالمتشيعة والرديئة...
وإجمالا هناك تصور خاص للدولة عند المؤرّخ الذي يبرّر سياسات عثمان المبنية على تولية أقاربه، إذ يرى أن الامبراطورية توسعت والصراعات تعقدت وبالتالي يستوجب ذلك سياسة خاصة من عثمان للاعتماد على السلالة وروابط الدم كشرط لتماسك الامبراطورية... هنا تناقض كبير بين ما يقر به على أنه تداخل بين الدين والسياسة من جهة (وهذه خاصية مرحلة الشيخين المبنية على الدين المحض والسابقة الإسلامية) وإقحام للدين في صراعات سياسية أو تبرير لسياسات لادينية ولا أخلاقية باسم إكراهات امبراطورية أساسها الدين. ألا نجد هنا تفسيرات لانفجارات القرنين الثالث والرابع الهجريين التي كانت نتيجة لتراكمات آثار إقطاع الأرستقراطية الدينية؟ ألا يمكن أن نستخلص أن أزمة الفتنة أتت لسببين:
-           بداية تراكم الثروة لدى الأرستقراطية الدينية مقابل غياب آليات مراقبة لتوزيع الثروة ومساءلة مع تعقيد لبنى الدولة الآخذة في التوسع،
-           نهاية عصر الوحي والصحبة المحض وبالتالي الحاجة إلى نظام حكم أكثر تشاركية ومدنية أو لنقل علمانية؟

إن كتاب الفتنة يدخل في إطار السعي الحثيث لزمرة من المثقفين إلى إعادة إحياء استغلال الدين في السياسة تحت مسمى الإسلام السّياسي (وكأن هناك إسلاما سياسيا وآخر لا) الّذي تكون فيه الغلبة للأدهى والأقدر على التّمكين لا الأكثر استقامة والأحسن أخلاقا... ولعلّ أفول نجم تلك الأرستقراطيّة الدّينيّة الّتي فقدت من نفوذها الكثير هي الّتي تفسّر هذه النّزعة الماضويّة الإشراقيّة.
وهناك عناد كبير في تصوير معاوية وأنصاره على أنهم كلهم صادقون ورعون لا تحركهم إلا المشاعر الدينية الخالصة. فعندما يتحدث عن العثمانية في مصر بقيادة مسلمة وابن حديج[14]، يعتمد المؤرّخ على رد القائدين على إغراءات معاوية التي احتوت تأكيدا على الاستقلالية والتجرد في الولاء لشخص عثمان. لا أظن أنه من دور المؤرخ تقييم ورع أو صدق  أشخاص تاريخيين وإنما دوره تحليل الأحداث التاريخية وخلفياتها وتداعياتها... أما الرسالة فتبقى ردا دبلوماسيا لحلفاء تربطهم مصالح ويحرص الأضعف فيهم على الإيهام بالاستقلالية حتى لا يبتلعه القوي.
في كل مرة ضعفت فيها الدولة ظهر تمرد على الخليفة (ردة ما بعد وفاة الرسول، تمرد الخوارج، ثورة\تمرد الخريت وناجية، ثورة الزّنج، ثورة البابكيّة...). إن الأساس الديني للدولة انتهى مع انقضاء عهد الصحابة الأوائل الذين رافقوا عصر النبي، عصر الوحي والدين الوحي، عصر بناء العقيدة التي كانت في حاجة لنواة دولة وشوكة تحميها وتقمع كل مرتد...
إلا أن هذه الدولة لم تتطور ولم تتفاعل مع تغيرات البنى الطبقية الجديدة في البصرة والكوفة واهتزاز صورة الخلافة خاصة في عهد عثمان ولم تلب البنى المتصلبة للدولة القائمة على كليانية سلطة الخليفة مع الحاجة إلى سلطة رقابة تحول دون تغول الخليفة وسلالته، هنا الفكرة الفارقة : تناقض رهيب بين سلطة كليانية مبنية على الديني وما يعنيه ذلك من سلطة مطلقة، كليانية وشمولية من جهة وحاجة السواد من المسلمين والعرب إلى الشورى وتقاسم الثّروة والاعتبار والإصلاح، إصلاح ما أفسدته خلافة يفترض فيها أنها متعالية تعالي الدين نفسه.

إنّ حالة زياد بن عبيدة[15] هي حالة أخرى من حالات التناقضات العديدة وآيات البعد المادّيّ السّياسيّ الجليّ الّذي كان يحرّك الصّراعات بعيدا عن نقاوة الدّين وصفائه. فبعد أن كان نصير علي في فارس سيصبح الرجل الأول في فارس قبل أن ينفصل عن الدولة الإسلامية بعد مقتل علي لينقلب إلى أحد أركان النظام الأموي[16] . كما أنّ المؤرّخ سيقرّ بحاجة المقاتلة إلى إمام يقودهم ويوحّدهم وخاصّة يضمن لهم التّعالي الديني لكل الحروب والمجازر التي يديرونها[17]، ولا ضير في أن يتبدل الإمام والبيعة ما دام الفيء متواصلا.
حديث المؤرّخ عن كل الفتوحات كحركة روحية حتى تكون الأرض لله[18] فيه سذاجة في أحسن الأحوال وتناقض جلي (خاصة بعد التناقضات والتقلبات السياسية التي يستعرضها الكاتب نفسه...).  هذا علاوة على أنه ليس من دور المؤرخ أن يعطي توصيفا روحانيا لحركة سياسية... الدليل على ذلك إقراره هو نفسه بأن الدولة الإسلامية أبقت البنى السياسية والاجتماعية على حالها في فارس (أوكلت إلى المرازبة دور جمع الضريبة) مع وجود محتشم لعمال الخليفة وجيش صغير مرابط في المدن الاستراتيجية لضرب أي محاولة للتمرد ورفض أداء الجزية والخراج. وسيفسّر حسين مروة[19] كيف أنّ الإبقاء على النّظام الإقطاعيّ سيفرز مثلا ثورة البابكيّة الّتي تلحّفت هي الأخرى برداء دينيّ...
إلّا أنّ النّزعة الماضويّة الإشراقيّة وحتّى التّكفيريّة ستظهر بوضوح أكثر في كتاب أزمة الثّقافة الإسلاميّة، والّذي أعتبره نسخة رديئة من كتاب تكوين العقل العربيّ للجابري. فمنذ الصفحة الأولى يعلن المؤرّخ موقفه من بورقيبة مثلا، فهو يعتبره، إلى جانب الزّعيم عبد الناصر وأتاتورك... زعماء أرادوا أن يشطبوا الإسلام بجرة قلم... وأن الدولة الوطنية التي أسسوها على أنقاض الامبراطورية العثمانية فشلت... وسيقرن المؤرّخ استبدادية الأنظمة العربيّة منذ نصف قرن باعتماد الأنظمة على المثال الشيوعي[20] في الحكم متناسيا في ذلك الأنظمة الدينية التي نجد لها أكثر من موطن في المجال العربي والإسلامي.
إنّنا هنا أمام أمر جلل، فنحن لا نتحدّث هنا عن شباب مهمّش مفقّر غرّر به عملاء محلّيون ليكفّروا ويقتلوا كلّ من يخالفهم، إنّنا نتحدث عن رئيس مجمع بيت الحكمة، إنّه رمز من رموز تلك 'الثّقافة العليا' الّتي يتحدّث عنها المؤرّخ. وسنجده
يعتبر محمّد بن عبد الوهاب مؤسّس الوهابيّة إصلاحيّا مجدّدا[21] جاء لينقي الدين من شوائب الخرافات... بل ويضعه في مقدمة سلسلة الإصلاحيين. من الغريب أيضا أن هذا المؤرّخ  يتحدث عن قادة 'الاستقلال' (لا أعتبر الاستقلال قد اكتمل) الوطني كعلمانيين "غير مؤمنين سرا أو جهرا"[22]، هكذا، وكأنه يشق على القلوب وهذا أمر خطير في رأيي... وسيذهب حتى إلى القول بأن المثقفين العلمانيين يمارسون التقية!!! أي أن السيد المؤرّخ يسمح لنفسه بتكفير الناس ويقدم العلمانيين ككفرة وهنا يكمن الخطر الأكبر...
وكما قفز الكاتب قفزا على العقلانية في الإسلام، فإن حديثه عن النزعة الإنسانية في الإسلام[23] كان سطحيا ومقترنا بحوادث وتأويلات منتقاة... وهنا في رأيي لا نحتاج إلى إثبات هذه النزعة الإنسانية، فديمومة هذا الدين وبقاؤه لألف وأربعمائة سنة كفيلان بنزعته الإنسانية وإلا لحاربته الإنسانية ولاندثر ككل المنظومات الشمولية التي تكرس الاستبداد واللاإنسانية. لقد توسع الإسلام تحديدا بسبب نزعته الإنسانية وعقيدته التوحيدية التي أكدت على مساواة كل البشر أمام الله الواحد، تلك العقيدة التي أتت لتؤكد إنسانية الإنسان وضعفه وتبعيته للخالق وحده دون غيره وبالتالي حريته.

إن العودة إلى الفقه والحديث لإثبات النزعة الإنسانية للإسلام تدخل مرة أخرى في المنطق السائد عند تلك الأرستقراطية الدينية التي تريد مركزة الدين وكل ما يتولد عنه حولهم... وهذا متناقض مع الميزة الأساسية والتي جعلت الإسلام في رأيي دينا اجتذب إليه الكثير من الناس في وقت قياسي، وهي غياب مؤسسة دينية تكون وصية على إيمان الناس وعلاقتهم بالخالق وحقوق الله... وتتوسل المغفرة للناس بمقابل.... إنها تلك السلاسة واليسر التي تفتح باب النور والإيمان أمام كل من نطق بالشهادتين إيمانا واحتسابا دون تعميد أو اختبار من قبل أناس آخرين...

الصحفجيّ
لا يملك الصّحفجيّ المؤهّلات الذّهنيّة والجسارة الفكريّة ليناقش ويجادل السّلطان ومثقّف السّلطان.
الرّئيس العلمانيّ
لن أطيل الحديث في الرّئيس لأنّه لم يعد يهمّ النّاس، لا يملك الرّئيس العلمانيّ أن يكون وفيّا لأفكاره العلمانيّة وقد بات يراهن على ثقافة الموت والجهل والتّكفير في خدمة أجندات البترودولار. إنّه يراهن على بقاء هذا الشّباب في حالة عوز مادّيّ وفكريّ ليكون تابعا له يجود عليه ببلاغته المنمّقة الكاذبة في المحافل ويذرف دموع التّماسيح على الأموات، إنّه يراهن على الفقر الّذي يقذف بأبناء بلدي إلى جحيم العراق وسوريا لأن الحاكم بأمره القطري والعثمانجي الأطلسيّ أراد ذلك. ولا عزاء في 'التقدميين' الّذين يراهنون على شق آخر من الرّجعيّة النّفطيّة الّتي هي أصل الدّاء وسبب البلاء الّذي حلّ بنا.

إنّ الخطر الكامن في الكتابات الّتي تناولناها هي محاولة إثارة صراعات الماضي السّحيق الّتي مزّقت الأمّة وشطّرتها مع كثير من الالتباس في المفاهيم والتّحليلات، ولعلّ الحملة المغوليّة الّتي تعيشها الأمّة اليوم بأياد محلّيّة تتغذّى تحديدا من هذا الالتباس وغياب الحسم في هذه القضايا. صحيح أنّها تجد أرضيّة خصبة في خذلان الثّورات وفشل حكومات 'الثّورات' في تحقيق العدل والانتصار للحقّ ومحاربة الفساد، ولكنّها تجد هنا أيضا، في أعمال هذه 'الثّقافة العليا' قاعدة فكرية تبرّر لها جرائمها. إنّ هذا الالتباس يلقي بظلاله على المجال السّياسيّ فيشوّه الرّؤية ويؤجّل القضايا الحارقة من حرب على الجهل والفقر وإعادة توزيع الثروة لصالح قضايا هويّات قاتلة. بل إنّ هذا الفكر، بحكم نظرة إشراقيّة بحتة، يقلّل من شأن الصّراع الطّبقيّ ويتولى الأرستقراطيّ الدّينيّ عندئذ دور المرشد الّذي يجرّم كلّ حراك اجتماعيّ يطالب بحقوق مادّيّة واقتصاديّة.

لقد أوكل المأمون مهمّة الإشراف على بيت الحكمة إلى الكنديّ الّذي أظهر استقلاليّة كبيرة عن أيديولوجيا الدّولة وجسارة كبيرة وقدرة على تجاوز انتمائه الطّبقيّ والأيديولوجيّ بالرّغم من كونه ابن والي الكوفة. لقد عرف هذا المفكّر كيف يشقّ فتحة هامّة أمام طريق استقلال الفلسفة العربيّة دون أن يخلو عمله من تأثيرات أفلاطونيّة وأرسطيّة على حدّ السّواء خرجت عن منهج التّوفيق الطّوباويّ ولو نسبيّا، فمتى تلد هذه الأمّة مفكّرين مجدّدين مستقلّين يخرجونها من القتامة والرّداءة ولا يتمسّحون على بلاط السّلطان مزيّفين محرّفين.


أيّوب المسعودي
09/10/2014




[1] تاريخ تونس، من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال – محمد الهادي الشريف
[2] موقع الأوان  - bit.ly/1yMXqBb
[3] المصدر السّابق
[4] أستعير هنا العبارة الّتي يحبّ المؤرّخ استعمالها في كتاب أزمة الثّقافة الإسلاميّة الّتي يفهم القارئ أنّ المؤرّخ ينسب نفسه إليها
[5] لاحظوا أنّ عنوان الكتاب الكامل هو : الفتنة، جدليّة الدّين والسياسة في الإسلام المبكر
[6] الفتنة، 229 – 230، يتحدث المؤرّخ عن معاوية كنابغة سياسيّة
[7]الفتنة،  68 - 74
[8] أزمة الثقافة الإسلاميّة، ص116. هناك استنقاص من عمل الجابري في الذي أعده من أعظم مفكري القرن العشرين والذي أسهم إسهاما ضخما في تفكيك بنية العقل العربي تفكيكا علميا فلسفيا لا أركيولوجيا  كما يريد المؤرّخ أن يصفه... هذا التفكيك (la déconstruction) يحتاج اليوم إلى عمل بناء جديد لا يهدم الماضي ولا يكون على أنقاضه وإنما يبقي على الأسس المتينة للصرح مع الوعي بعلل البناء وترميمها أو تجددها على أسس جددة. حديثه أيضا عن عمل حسين مروة الذي كتب "النزعات في الفلسفة الإسلامية" ووصفه بأنه تحليل ماركسي - مادوي، هكذا فيه كثير من الظلم لعمل عظيم أتى على الهزات والصراعات الاجتماعية ذات الخلفية الاقتصادية والطبقية التي عرفتها الخلافة الإسلامية... إنّ هذا الموقف ليس بالمفاجئ إذا ما رأينا موقف المؤرّخ من كل من سينسب خلفيات اجتماعية طبقية للفتنة الكبرى... وهو موقف نابع من نزعة إشراقية مبالغ فيه.
[9] الفتنة، 135 - 137
[10] الفتنة، 232
[11] الفتنة، 240 - 244
[12] الفتنة، 246
[13] الفتنة، 283 - 287
[14] الفتنة، 286 - 287
[15] الفتنة، 317 - 318
[16] الفتنة، 317
[17] المصدر السابق
[18] الفتنة، 319
[19] النّزعات المادّيّة في الثّقافة الإسلاميّة - ج 2 – ص 15
[20] أزمة الثقافة الإسلامية، 32
[21] أزمة الثقافة الإسلاميّة، ص 42، أيضا ص 69
[22] أزمة الثقافة الإسلاميّة، ص 42
[23] أزمة الثقافة الإسلاميّة، 49 - 54

dimanche 12 janvier 2014

14 جانفي - ذكرى النكبة

14 جانفي
ذكرى النكبة

أيوب المسعودي
13 جانفي 2014


في الوقت الذي يواجه فيه الشباب الثائر في الجهات الداخلية والأحياء الشعبية آلة القمع في تجلياتها الاقتصادية والاجتماعية، يشيطن الكل الحراك الشعبي وفي أحسن الأحوال يتبرأ منه بتعلة رفض العنف.
بقدرة قادر، أجمع المنتظم السياسي التونسي حكومة ومعارضة على أن من يطالبون اليوم بالتنمية والعدالة الاجتماعية والجهوية هم مأجورون، إرهابيون أو مهربون... فهم بالنسبة للسلطة القائمة مجرد مأجورين يخدمون أجندات الانقلابيين الذين "أربكتهم" استقالة حكومة النهضة ويحاولون، من خلال تعفين الأجواء، تعكير صفو نجاح الانتقال الديمقراطي وفق "النموذج التونسي". في الآن ذاته، هم، في نظر المعارضة، إرهابيون مأجورون ينفذون سياسة الأرض المحروقة التي تريد حركة النهضة من خلالها مزيد إضعاف الدولة وفتح جبهات مواجهة داخلية تنفِّس على الإرهابيين وتفسح لهم مجالا أرحب لتسريب السلاح تأهّبا للحظة الصفر والانقضاض على الدولة المنهكة...
ما نلاحظه ، في كل الحالات، هو أن الشباب اليائس البائس المفقر والمعدم كان ومازال وقود الحروب السياسوية الداخلية منها والخارجية. لا أستغرب، انطلاقا من تجربتي واحتكاكي القصير (والحمد لله) بالطبقة السياسية التونسية المتعفنة، أن تكون التحركات الاجتماعية مخترقة من كلا الطرفين المتنازعين على السلطة... لا يهم في هذه الحالة أن نحلل ونناقش النوايا والمقاصد... ما يهمني في هذا التحليل هو أن الثورة ولدت يتيمة وبقيت كذلك. لقد ركب الأقوياء (الأحزاب السياسية المنظمة والممولة والمدعومة من الخارج) على المد الثوري الذي أجهض ذات 14 جانفي ليروض رويدا رويدا ريثما يستقر النظام العميل الجديد ويضع له حلفاؤه (الناتو والبترودولار القطرائيلي) شروط بقائه وتأمينه (التمويل الحزبي، القواعد العسكرية، الإرهاب الذي يبرر القمع ويؤجل المعركة الاجتماعية الطبقية...).

قد تكون حركة النهضة تخلت، ظاهريا، عن جزء من الحكم أو أداة من أدواته التي أصبحت مكلِفة مع اقتراب موعد الانتخابات وتآكل شعبيتها وانفضاح ضمور برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، ولكن من يظن أن حركة النهضة تخلت عن الحكم فهو واهم، إذ ما تزال حركة النهضة تدير العملية السياسية برمتها وما الأزمات المتتالية التي عاش على وقعها الشارع التونسي في الأيام الأخيرة إلا جزء من استراتيجيتها المعهودة المبنية على خلق الأزمات لتمرير خيارات لا شعبية. ففي الوقت الذي ينقسم فيه الشارع حول مسألة الأتاوات وكليات الطب وإجبارية عمل الأطباء الأخصائيين بالمؤسسات العمومية... تحث حركة النهضة الخطى للانتهاء من كتابة الدستور والناس في غفلة من أمرهم منقسمون متخاصمون. وليس من الصدفة أن يصادق على نظام سياسي برلماني صرف (تم تجريد رئيس الدولة المنتخب مباشرة من صلاحياته لصالح حكم الجماعة أو الهيئة (أو الشيخ من وراء ستار)) في عطلة نهاية الأسبوع ويومين فقط قبل تاريخ الذكرى الثالثة للانقلاب على الثورة والتي من المتوقع أن يصادق فيه على مشروع الدستور برمته.

في الآن ذاته تطل علينا بعض البرامج التلفزية لأصحاب القنوات ورجالات الطرابلسية القدماء الجدد هنا وهناك لإعادة طرح قضية 14 جانفي وهروب المخلوع... الهدف واضح : قصف العقول وتخديرها وتعطيل ملكة النقد فيها مع مزيد إرباك المشهد والمشاهد والمشاركة في جريمة التعتيم الممنهجة للقضايا الحيوية والمصيرية : العدالة الاجتماعية والجهوية، التشغيل، الحرب على الفقر والفساد والمحسوبية والزبونية، محاسبة جلادي الشعب، رد الاعتبار للشهداء والجرحى وكشف الحقيقة كل الحقيقة عن قتلة الشهداء...
بالنسبة للحكومة الجديدة القديمة، هناك من ينسبون نجاحات وإخفاقات للسيد مهدي جمعة، وزير الترويكا ومرشح النهضة، حتى قبل أن يباشر مهامه أو يقدم حكومته، ما أقوله هو أن السيد مهدي جمعة هو رجل الترويكا والنهضة والمحاصصة الحزبية إلى أن يثبت عكس ذلك. ننتظر من الرجل قرارات ثورية، بالرغم من أنه لم يفتح ملفات الطاقة والفساد في الشركة التونسية للصناعات البترولية (كإحدى أكبر المؤسسات التي نخرها الفساد وما يزال) في ظل حكومة العمالة، ما ننتظره هو أن يثبت أنه ليس رجل صندوق النقد الدولي وأن يعلن في أقرب فرصة إلغاء الأتاوات التي علق العريض العمل بها ولم يلغها، ما ننتظره هو أن يفتح ملف الطاقة والثروات الباطنية والسطحية على مصراعيه حتى يتمكن المجتمع المدني من اكتشاف هول الخراب والنزيف الذين لحقا بالثروة الوطنية. 

أخيرا، على الشباب الثائر أن يصبر ويصابر وأن لا يكل وأن يوحد صفوفه ويتنظم ويتحد وأن لا ينساق إلى الانقسامات السياسوية التي لا تخدم إلا الأحزاب السياسية التي أثبتت أنها لا تأبه لمعاناته. الكل يعرف أن النهضة وأذنابها شجعت الشباب ودفعت بهم وألقتهم في أتون الجحيم السوري خدمة للأسياد الأمريكان والقطريين، هاهو المجتمع الدولي والقوى العظمى، المتحكمة والحاكمة الفعلية في أنظمتنا، تقر اليوم ضرورة ضرب داعش بجبهة النصرة كبداية لضرب ما يسمى بالتيارات "الجهادية" قبل أن يأتي الدور على جبهة النصرة... هكذا سيكون مصير كل من اختار خيانة الوطن والدين خدمة لمصالح الامبريالية العالمية.

وجوهر القول أن الشباب مطالب اليوم بالتهيكل والتنظم وتركيز قوته وعنفه الثوري حول مطالب اقتصادية واجتماعية واضحة حتى لا يذهب ريح الثورة ويتوه صوتها داخل السوق السياسية التي تحولت إلى غوغائية مشمئزة لا تمت للثورة بصلة.

البوصلة في العودة إلى شعارات 17 ديسمبر : شغل حرية كرامة وطنية.

vendredi 3 janvier 2014

عندما تختار النهضة سلاح الحرب وساحتها وقواعدها

عندما تختار النهضة سلاح الحرب وساحتها وقواعدها


أيوب المسعودي
04 جانفي 2014





تخطئون حين تنازلون أفشل حكومة عرفها تاريخ تونس، حكومة الارتداد والرداءة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعيش آخر أيام حكمها... إلا إذا كنتم تريدون نفخ روح جديدة في الجسد الميت ومد طوق النجاة إلى حكومة العمالة والخيانة.

فبالرغم من الشعبوية والزيف الذين طبعا عددا من الوعود التي جادت بها قريحة النهضة وتُبَّعُهَا، كمقترح إنشاء كليات طب في عدد من الجهات الداخلية (دون أن ترصد لها الأموال في الميزانية) أو إجبار خريجي الطب على العمل لبضع سنين في مؤسسة عمومية إثر تخرجهم دون سابق تحاور أو تشاور... إلا أنني لا يمكن أن أفهم المعارضة الحادة والقاطعة لدى البعض لهذه المقترحات التي تستجيب، شكلا على الأقل، لانتظارات الجهات المهمشة والمعدمة.

كنت قد كتبت في أكثر من مقال حول براعة النهضة في فن إدارة الأزمات بالأزمات، إذ لا تفوت أزمة إلا وتختلق السلطة القائمة أزمة جديدة تلهي بها طيفا من الرأي العام وتشغل بها طيفا آخر... لقد أتت كل هذه الاقتراحات في الربع ساعة الأخير من حياة الحكومة (إن تحقق ذلك أصلا) وتلتها ردود أفعال من هنا وهناك من شأنها أن تعيد الحياة إلى الجسد العليل...

أفسر:

لقد أجادت النهضة إدارة فشلها وحققت مكاسب جمة من ردود أفعال البعض الذين دوختهم استراتيجيتها. لقد أصابت الحركة أكثر من عصفور بحجر:
أولا، نجحت في التسويق لنفسها كنصير وحليف للجهات الداخلية عبر إطلاق مقترحات لا تعدو أن تكون بالونات اختبار أو فخاخ سرعان ما انطبقت على السذج من المعارضة الذين سارعوا بالتكذيب والنقد والمعارضة عندما كان حريا بهم الدفع مثلا لدعم المقترح بل وأكثر من ذلك الضغط لإقراره في الميزانية وإيجاد الموارد اللازمة له أو مطالبة صاحب المقترح بإيجاد التمويل. بدل ذلك تألقت المعارضة بغيابها ليلة المصادقة على الميزانية ليتم تمرير صندوق "الكرامة" خلسة كما يفعل لصوص منتصف الليل وسط تألق المعارضة بغيابها المعتاد،
ثانيا، بدت النقابة العامة للأطباء، في معارضتها المستميتة لقانون خريجي الطب، كمدافع عن مصالح منظوريها من الأطباء وخريجي كليات الطب ال"ميسوري الحال" مقابل رفضها للدفاع عن حق المعدمين والمفقرين من الجهات الداخلية. هكذا ضربت حركة النهضة نقابة الصحة العتية من حيث لا يحتسب،
ثالثا، لقد أعطى هذا اللغط الدائر هامش مناورة لم تكن النهضة لتحلم به لولا سذاجة البعض وانسياقهم وراء مسائل هامشية.

وجوهر القول أن حركة النهضة تدير اللعبة السياسية برمتها وتسوق الطبقة السياسية سوقا وتحدد أجندة "المعارضة" و"الإعلام" وتوجه الرأي العام وفق مصالحها الفئوية والانتخابية. في الأثناء يحث الحزب الحاكم الخطى للمصادقة على دستور العمالة والارتداد يوم 14 جانفي، تاريخ الانقلاب على المد الثوري، كل ذلك ونحن في غفلة من أمرنا نتجادل ونتخاصم.

المعركة الفصل هي معركة الدستور. أنا شخصيا لا أعترف بغير دستور 17 ديسمبر الذي كتبه الشهداء بدمائهم. نعم لدستور يرسم الطريق أمام استكمال مهمات 17 ديسمبر لإسقاط النظام الاستبدادي في كل تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المعركة الفصل هي معركة السيادة الاقتصادية والتحكم الذاتي في المقدرات والثروات. علينا جميعا الضغط من أجل:

- فتح ملفات اتفاقيات الطاقة واستغلال الثروات المنجمية بتونس وتداعياتها الاقتصادية والمالية والصحية،
- دسترة علوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، خاصة عند الأزمات، على الالتزامات والاتفاقيات التي تعقدها الدولة (وهذا من شأنه تمهيد الطريق أمام تجميد تسديد الديون إلى حين التدقيق فيها، الأمر الذي ترفضه الترويكا)،
- دسترة تجريم كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني كعدو قومي يدس الدسائس ويكيد المكائد للحيلولة دون وحدة العرب وتقدمهم،
- إلغاء خطط الوالي والمعتمد والعمدة كامتداد لمنظومة الاستبداد وتعويضها بمجالس قروية ومحلية وجهوية منتخبة،
- تكريس الديمقراطية التشاركية فعلا لا قولا مثلا عبر قانون انتخابي على الأفراد في دوائر صغيرة وإرساء حق 5% من الناخبين في اقتراح مشاريع قوانين...
- منح رئيس الجمهورية سلطتي الاطلاع (حق استدعاء الوزراء للاطلاع على سير أعمال الوزارات) والتحكيم (حق رفض الختم لتعود القوانين إلى المجلس النيابي للمصادقة بأغلبية مدعومة (الثلثين) وإن تعذر ذلك فلرئيس الجمهورية حق الدعوة إلى الاستفتاء الشعبي).

تلك هي البوصلة، تلك هي المعركة.

vendredi 29 novembre 2013

Moncef Marzouki - le minable

Moncef Marzouki - le minable

Ayoub Massoudi
29/11/2013



Il y a quelques mois, j'ai alerté la société civile et plus particulièrement le syndicat national des journalistes tunisiens, dans leur siège central à Belvédère, sur la tentative de la présidence de la république d'opérer une grande manipulation des archives de Abdelwahab Abdallah, cette fameuse "archive noire" en vue de soudoyer, faire taire, ou diffamer des médias ou des journalistes!

Dans un contexte politique, socio-économique et régional explosif, voilà que la présidence de la république nous montre encore une fois non seulement sa déconnexion du vécu tunisien mais aussi une nouvelle facette de cette décadence qui caractérise la politique troïkiste, une politique aux antipodes du respect des institutions, de la déontologie et de la séparation des pouvoirs.

Quand j'ai commencé à découvrir cette archive lors de mon court séjour à Carthage, j'ai très vite compris qu'il s'agit là d'une importante partie de l'histoire de la patrie dont j'étais, avec le cabinet présidentiel dont je faisais partie, un des gardiens et qu'il nous incombait d'en faire le bon usage.

Conscient de cette lourde responsabilité, j'ai alors contacté Mme Najiba Hamrouni, sans revenir au directeur de cabinet, pour partager avec elle une part du fardeau en quelque sorte. Je lui ai expliqué que la question doit être ouvertement débattue, avec tous les corps de métier concernés (magistrature, syndicats, historiens, documentalistes....), et que la présidence de la république pourrait offrir le cadre à ce débat sans essayer de l'orienter ou l'influencer. Je lui ai exposé mon point de vue, le même que j'ai défendu lors d'une réunion avec le président de la république, des représentants du SNJT et de l'association des magistrats tunisiens (Mme Kannou était présente): "L'archive doit être donnée à une partie apolitique, une sorte de commission mixte formée de journalistes syndicalistes, magistrats et académiques".

Quand le directeur de cabinet a su la teneur de mes discussions avec le syndicat des journalistes, il a transféré l'archive noire à un autre membre "plus proche" au sein du cabinet, afin d'en faire le "bon usage". J'ai alors découvert entre autre qu'on a permis à des médias étrangers comme Aljazeera d'utiliser certains documents, les filmer...

On découvre aujourd'hui un "livre noir" produit par la présidence de la République qui bafoue encore une fois les règles de la déontologie et nuit gravement à l'image de cette institution.

Cette affaire est symptomatique d'une mentalité opportuniste et machiavélique, les personnes qui se sont accaparées d'une part de l'histoire, en y voyant une carte politique à jouer, un moyen de pression pour acheter ou soudoyer des journalistes, voyaient en mon approche institutionnaliste de la pure naïveté politique.

Encore une fois, Moncef Marzouki prouve qu'il a vendu son âme au diable. Cet intellectuel qui s'est fait du slogan "la cohabitation entre islamistes modérés et laïques modérés" son cheval de bataille, se voit aujourd'hui en perte de crédit. Les islamistes sont au pouvoir, le CPR étant, avec Ettakattol, les façades laïques de cette troïka en crise de légitimité, tous les moyens sont bons pour bien asseoir son pouvoir et assurer l'allégeance d'une partie des média et des journalistes qui ont peur d'être dévoilés...

Ce ne sont pas les informations dévoilées au grand public qui sont importantes, mais bel et bien ce que cache ce livre noir en vue d'être utilisé comme des cartes d'atout au bon moment.

Marzouki a trahi la révolution, et par dessus tout il a trahi son slogan:

"الحيلة في ترك الحيلة"

vendredi 15 novembre 2013

في مسألة الأحباس

في مسألة الأحباس


أيوب المسعودي


14 نوفمبر 2013



لم أكن أريد التعليق على مسألة الأحباس التي أثيرت بقوة في الفترة الأخيرة، إلا أنني لم أتمالك نفسي وأحسست بحاجة ملحة لإبداء رأيي المتواضع في هذا الشأن بعد أن قرأت مقالا للسيد محمد مبروك الأستاذ الجامعي في الاقتصاد والمسؤول عن قسم الاقتصاد في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لمؤسسة رئاسة الجمهورية.
وقد كتب السيد مبروك في مقاله (2) : "هكذا تمكّن الفكر المتغرّب المعادي للإسلام بأن يحرم المسلمين من ثواب تحبيس أملاكهم في سبيل فعل الخير. فأوّل فصل من الأمر المذكور نصّه هو “يُمنع التحبيس الخاصّ و التحبيس المشترك و يُعتبر لاغيا كلّ تحبيس من هذا القبيل”. ليس هناك في العالم بلد سنّ مثل هذا القانون. هكذا انفردت تونس من بين جميع دول العالم بمنع مواطنيها عن باب من أبواب فعل الخير!...".

استوقفني هذا المقطع واستثارني لما يحمله من شحنة أيديولوجية أخلاقوية لا تخفي نزوعا ماضويا نحو تصفية حسابات وصراعات ولت وانقضت. إن هذا النوع من التحليل المبتذل الذي يصدر من تقييمات أخلاقية لا علمية، ذات خلفيات سياسوية، هو أبعد ما يكون عما ننتظره من أستاذ جامعي وأحد المتعاونين مع معهد دراسات استراتيجية...
لقد ركز السيد محمد مبروك، أستاذ الاقتصاد، على الجانب الفقهي للمسألة، وهو طرح حمال أوجه يتجاوز اختصاص كاتب المقال المذكور، فغفل عن الاسترشاد بالاستصلاح المالكي والاستحسان الحنفي مثلا كسبب للاجتهاد قصد التيسير في الإسلام وتحقيق المنفعة العامة.

لقد غفل السيد مبروك أيضا، أو تغافل ربما، عن أداء المهمة المنوطة بعهدته، وهو الأستاذ، لتحميص المسألة وتحليلها تحليلا تاريخيا علميا صارما يحتكم إلي الأرقام والتحليل المنطقي، لا الإشراقي الأخلاقي المتسربل بالديني، لتحليل تأثير منع التحبيس على الاقتصاد التونسي وخاصة تأثير التحبيس على أسعار الأراضي والعقارات والاستثمار والإنتاج... ما غفل الأستاذ عن التحليل الاجتماعي والخلفيات العميقة لمنع التحبيس، ذلك أنه من المعلوم مثلا أنه بعيد الاستقلال، وفي مجتمع كان يغلب عليه التفكير الذكوري التقليدي، كثير من التونسيين الذين ليس لهم أبناء ذكور كانوا يعمدون إلي التحبيس مفضلين ذلك على توريث البنات...

إن إثارة هذه المسألة هو حلقة جديدة من حلقات الصراع على الماضي من أجل الحاضر كما فسرته في مقالي (أزمة الثورة التونسية : بين الماضي والحاضر - جزء 2 - (1)، وهي كلها أطروحات تعكس جوهر الأزمة التي نعيشها، أزمة التأسيس العقلاني الذي ينطلق من الواقع ومن الوعي بالذات والحاضر، إنها أزمة العقل السياسي التونسي والعربي المرتبك والممزق فلا هو حسم الماضي ولا هو وعى بالحاضر

لا يهم الموقف من مسألة الأحباس بقدر ما يهم المنهج والبناء الفكري الذي يؤسس للموقف. إن صدور المواقف من قضية الأحباس كرد فعل من سياسة بورقيبة تجاه الزيتونيين والمؤسسة الدينية (إن صح ذلك) لا يخدم المنهج العلمي والأهداف الوطنية بقدر ما هو محاولة لترميم شرعية متهاوية لطرف سياسي بنى مشروعيته على الخطاب الديني الدعوي، ولما انكشف زيف خطابه ومكر سياسته، عاد إلي سالف استراتيجيته عبر إحياء قضايا هامشية آملا التغطية على عجزه في حلحلة أمهات القضايا.

كما أن محاولات تقديم الصراع البورقيبي - اليوسفي على أنه صراع الحداثة الفرونكوفونية مع الأصالة العروبية الإسلامية هو ضرب من التزييف للتاريخ. لقد كان الصراع سياسيا بالأساس، فإذا كان بورقيبة قريبا من الفرنسيين فلقد كان بن يوسف قريبا من الأرستقراطية الدينية المحافظة والمسيطرة على الزيتونة والإتاء والقضاء الشرعي والإدارة وجل مفاصل الدولة والتي كانت تخشى فقدان نفوذها في ظل مشروع الدولة الوطنية البورقيبية الذي عمم التعليم وتونس الإدارة والقضاء ومدنهما. لقد وقف الزيتونيون مع بن يوسف من باب عدو عدوي هو صديقي، وهذه قراءة واقعية للتاريخ والسياسة بعيدا عن العاطفة والديماغوجيا التضليلية لا تنقص شيئا من نضالية الزعيمين بورقيبة وبن يوسف الذين كانا يحملان مشروعين من واجبنا فهمهما فهما تاريخيا نقديا يؤسس للمستقبل ولا يسجننا في الماضي. وجوهر القول أننا نحن العرب والمسلمون لم نخرج بعد من دائرة التشريع في قضية الخلافة منذ الفتنة الأولي، لقد تناوب الفقهاء والمفكرون طوال التاريخ على التشريع للحاكم الجديد بشتى السبل والحيل بينما يراكم غيرنا المعارف وبناء المؤسسات وإنتاج الفكر والتكنولوجيا والأدب

لقد عرض علي منصب مدير المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية إبان استقالتي في جوان 2012 من رئاسة الجمهورية فرفضت لاقتناعي بأنها كانت هدية مسمومة لشراء ذمتي فأبيت وأعرضت غير نادم. الشيء المؤكد هو أنني لو قبلت بذاك المنصب لما قبلت بهذا النوع من المقالات الديماغوجية الفاقدة للصرامة المنهجية والصلابة العلمية.

mercredi 30 octobre 2013

سيدي بوزيد... والإرهاب



سيدي بوزيد والإرهاب


أيوب المسعودي

29 أكتوبر 2013


انتقلت يوم أمس الثلاثاء إلي سيدي بوزيد وخاصة معتمدية سيدي علي بن عون، مسرح العملية الإرهابية التي أودت مؤخرا بحياة عدد من أبنائنا الأمنيين أثناء قيامهم بالواجب المقدس، ومعتمدية بئر الحفي المحاذية لها فكان لي حديث مطول مع بعض أبناء المنطقة وأحد جرحى الأمنيين. سأحاول في هذا المقال، قدر المستطاع، تناول المسألة من زاوية تحليلية عقلانية اجتماعية وانطلاقا من عقيدة التأسيس التي تحدثت عنها، بعيدا عن الشيطنة أو التمجيد لهذا أو ذاك. كلامي هنا قد لا يعجب البعض ولكنه ينطلق من واجبي الوطني وغيرتي على الأمنيين الذين بعثوا إلى جبهة الموت دون الاستعداد الكافي.


عملية سيدي علي بن عون؟

في مسرح الجريمة : ما بعد العملية

انتقلنا أولا، رفقة بعض الأصدقاء، إلى مسرح المجزرة التي جدت في المنطقة الفاصلة بين المعهد الثانوي بسيدي علي بن عون والسلسلة الجبلية الواقعة وراءه. لم يسهل التعرف على موقع المنزل الذي تحصن به الإرهابيون ولم يتسنى لنا الوصول إلى المكان إلا بمعونة بعض المتساكنين، اكتشفنا حينئذ أن المنزل نسف نسفا فلم يعد يظهر للعيان من بعيد وقد استوى مع الأرض وسط سلسلة من غابات الزيتون والتين الشوكي اتي تشقها طرقات وعرة ومتشعبة.

أول ما يلفت الانتباه عند الوصول هو انتشار عدد من الأغراض الخاصة والملابس والأفرشة على الأرض ووسط الركام المتروك دون حراسة أو مراقبة. عدد كبير من هذه الملابس (أنظر الصور أسفله) لم تطلها النيران وبقيت ملقاة على الأرض وسط الركام، وهنا أتساءل أين الشرطة الفنية وفرقة مكافحة الإرهاب ولماذا لم تجمع تلك الأغراض للقيام بتحاليل فنية ورفع البصمات أو أي آثار للحمض النووي للإرهابيين... ولماذا لم يتم تطويق المكان وحماية المدنيين بمنعهم من الولوج إليه خاصة وأن المنزل كان يستخدم لتوزيع السلاح والمتفجرات وما يستتبعه ذلك من إمكانية وجود مواد متفجرة أو كيميائية خطيرة...


في أطوار العملية وغياب الخطة الأمنية

بعد الحديث إلى عدد من المتساكنين بسيدي على بن عون، انتقلنا إلى منزل أحد الأمنيين الذين أصيبوا في المواجهة للاطمئنان على حالته الصحية والشد على يده. لحسن حظه، تلقى ابراهيم رصاصة جانبية اخترقت فخذه الأيمن دون أن تمس العظم وخاصة دون النيل من معنوياته العالية التي وجدناه عليها، بالرغم من استيائه لعدم زيارته من قبل المسؤولين المحليين والجهويين بالولاية. تحدث إلينا ابراهيم بكثير من الأريحية والصراحة الممتزجة بالانضباط العسكري وقوة العزيمة والرغبة في الحفاظ على قدر عال من المهنية لينقل لنا ما دار أمام أعينه بكل موضوعية وتجرد.

لقد اعترف بكل شجاعة أن عملية سيدي علي بن عون كانت فاشلة بكل المقاييس حيث أشار النقائص التالية:

- غياب المعلومة الضافية والاستعداد الكافي قبل العملية : حيث أورد أن المسؤول الأمني (دون ذكر إسمه أو رتبته) الذي اجتمع بهم للإعداد للعملية اقتصر على الإشارة إلى "وجود معلومات حول تواجد مجموعة إرهابية متحصنة بالمنزل المذكور... ومتوفرة على كمية هامة من الأسلحة والذخيرة ويتراوح عددهم بين 20 و 25..."، دون الإشارة إلى تاريخ ورود المعلومة وتاريخ تحصن الإرهابيين ومدى استعدادهم وماهية نواياهم وخططهم ونوعية السلاح التي يحملونها...
- غياب الخطة الأمنية :  ما زاد الطين بلة هو غياب الخطة الأمنية لكيفية تموقع الأمنيين الذين أتوا على متن سبع سياسات وعدم التفكير في تطويق المكان قبل الهجوم وجس النبض ومحاصرة الإرهابيين من بعيد والتمركز مثلا في غابات الزيتون الخلفية مثلا لمنعهم الهروب إلى المناطق الجبلية... هذا علاوة على الإشارة إلى قدوم التعزيز بعد ساعة من المواجهة وسقوط شهداء مما أتاح الوقت للإرهابيين للهروب والتفرق بل وأيضا إطلاق النار من بعيد على الأمنيين بعد الهروب... ومما لفت انتباهي هو وصف ابراهيم للعملية بأنها كانت أشبه بتلك العمليات الكلاسيكية التي كانوا ينفذونها في جرائم تهريب الوقود أو الخمر... حيث صرح بأنهم كانوا متوقعين الاشتباك مع مجموعة تحمل أسلحة بيضاء لا إرهابيين مدججين بالسلاح والرشاشات وعلى أهبة لإطلاق النار من كل المنافذ والثقب التي أحدثها الإرهابيون في حصنهم وأطلقوا منها النيران قبل الهروب من الخلف، وما أدل على ذلك من وصفه لغياب تأهب الأمنيين لإطلاق النار حيث اصطفوا أمام المنزل متأهبين للموت لا للقتل...
- مبعوثون إلى الموت : صرح ابراهيم أن جل الأعوان الذين كانوا في الجبهة لم يكونوا يرتدون صدريات واقية وأن بعض الأعوان يحملون مسدسات بسيطة ذات مخازن صغيرة لا يتجاوز مداها عشرة أمتار ولاتزن شيئا في معادلة المواجهة مع إرهابيين يتوفرون على رشاشات وأسلحة متطورة،
- اجتماعات تحضيرية للإرهابيين بعلم الداخلية : وحسب نفس المصدر، فقد حضر خميس الماجري إلى سيدي على بن عون في الأيام الأخيرة قبل العملية للاجتماع بال"شباب السلفي" في المنطقة (وأستعمل عبارة "الشباب السلفي" بكثير من الاحتراز) وإمامة صلاة الجمعة...

وجوهر القول في هذا الجزء الأول أنه بعد الثورة لابد لكل مسؤول في الدولة أن يخضع للمساءلة والمحاسبة مهما علا منصبه، وأنا أطالب أن يفتح تحقيق عاجل في أسباب فشل عملية سيدي على بن عون ولاستجلاء الحقيقة في من وضع الخطة الأمنية (إن وجدت) ولماذا تأخر التعزيز بعد المواجهة وما سر الاجتماعات الألفية التي يعقدها "الإرهابيون" بعلم من وزارة الداخلية وهل تم التحري في مضمون هذه الاجتماعات وخلفياتها...؟ أسئلة أسوقها وأرسل بها خاصة إلى نقابات الأمن التي من واجبها التحري في الأمر وحماية مصالح الأمنيين وخاصة الأعوان الذين يواجهون الموت، فهل ستتحمل نقابات الأمن مسؤوليتها وتكشف الحقائق؟ هناك مسؤولون وقادة أمنيون قصروا في أداء مهماتهم بدءا من وزير الداخلية ورئيس الحكومة الذان يتحملان المسؤولية الأكبر في ما حدث في سيدي على بن عون خاصة وأنها لم تكن العملية الأولى من نوعها بعد عملية قبلاط، والسؤال الأهم الذي أطرحه، متى سيحاكم علي العريض على تقصيره في مسألة الإرهاب منذ توليه السلطة كوزير للداخلية، متى ستحاكم كل القيادات السياسية الني شجعت أو حرضت على الإرهاب؟ 

عندما يتحول شباب الثورة إلى حطب محرقة : أصل الداء

هل حدثتكم عن أنيس بڤاندا؟ إنه إسم شهرة لأحد شباب الثورة من سيدي بوزيد، شباب القصبة 1، وكم هم كثيرون أولئك الشباب الذي حرروا التونسيين من ربقة الاستبداد وأخرجوهم من الظلمات إلى النور ليقبعوا هم في عتمة الفقر والبطالة والذل، لم يجنوا من ثورتهم المغدورة سوى الجراح والرش وكل أشكال الإهانة والإذلال بينما يتربع غيرهم على عرش الحكم يتقاضون أجورهم بالأورو وتتجاوز مرتباتهم الشهرية إلى ما يتقاضاه عامل الحضائر سنويا.
هل تعرفون ماذا كان مصير أنيس بڤاندا؟ لقد مات أنيس في المحرقة السورية، مثله مثل الكثير من شباب الثورة الذين اختاروا طريق ليبيا ثم أنطاكيا ثم سوريا. هكذا اختار أنيس طريق الموت ولكنه أبى إلا أن يطبع موته بنوع من القداسة والأسطورة التي يحفظها الآن جزء من شباب سيدي بوزيد وغيرهم من شباب الجهات المنسية كنماذج من الموت البطولي التي انتشلت أنيس من المصير المخزي والموت البطيء لشباب صنع ثورة فكان مصيره النسيان والهوان.
لقد أسرّ لي، منذ أسابيع، أحد الأصدقاء من شباب الثورة في سيدي بوزيد (وأحد وجوه القصبة 1 و 2) عن نيته السفر مع مجموعة من الشباب إلى ليبيا قبل الانتقال بعد ذلك إلى سوريا. كانت صدمتي كبيرة من هول ما سمعت، فلم ألمس منه إلا حب الحياة وقوة الإرادة وصلابة الشخصية وروح الاكتساب والجهد. نجحت بفضل الله وبكثير من الحوار وخاصة الإصغاء في ثنيه عن هذا الطريق، طريق الدمار والموت. لم يتطلب مني ذلك أكثر من جهد الاستماع والإصغاء وعبارات التشجيع والدعوة إلى الرشد والتعقل.
 ما لم نقف وقفة تأمل هنا، في هذه الحالة الشاخصة أمامنا، ونستشعر عمق هذه  الفكرة الفارقة، هذه الأزمة التي هي أصل الداء، فلن نلج إلى الحل وسنظل نحارب السراب. 

عندما كتبت مقال "سيدي بوزيد والمافيا" منذ ما يزيد عن السنة، حذرت مما أسميته "غياب أو انسحاب الدولة" فكتبت :
"لا يمكن أن يفوت كل من يزور سيدي بوزيد أو زارها ملاحظة أمرين مدهشين، أوَلا غياب (أو انسحاب) شبه كلي للدولة اجتماعيا واقتصاديا مع حضور قوي للقمع البوليسي وثانيا استماتة في المطالبة بالكرامة الاجتماعية والحق في الشغل ومقاومة الاستبداد الجديد دون أن يمنع كل ذلك أهالي المنطقة من الأمل وحب العيش."

لم يتغير المشهد كثيرا مذلك الوقت، وكأن عقارب التاريخ توقفت. فقط تم تغيير الأزياء والأسماء، لقد صار شباب الثورة "إرهابيين" والقمع "حربا على الإرهاب". سأتوقف هنا لأفسر الجملة السابقة لخطورة الفكرة، وهي حمالة أوجه ومعاني وتقبل أكثر من تأويل. وحتى لا أتهم بشق صفوف الحرب على الإرهاب، دعوني أفسر:

في نفس المقال المذكور سابقا، كتبت : "انسحبت الدولة من كل المجالات، عدا القمع لحماية النظام من المواطنين متخلية عن حماية المواطنين. فيكفي أن تعلم أن أصدقاءنا في سيدي بوزيد منعونا من العودة إلى العاصمة ليلا خوفا علينا من قطاع الطرق، ولم نر في المقابل أثرا لدوريات حرس طول الطريق الفاصلة بين سيدي بوزيد ومدخل القيروان (طريق نصر الله...) رغم أن الطريق وعرة ومظلمة...".


وهنا من حقنا أن نتساءل، ألم يترك النظام، نظام 07 نوفمبر الذي لم يسقط بعد، الأمور تتعفن في سيدي بوزيد والقصرين والكاف وغيرها من الولايات التي قادت الثورة بالانسحاب وترك المجال ل"العصابات الاقتصادية" المرتبطة بالنظام القديم والجديد؟ ألم تنسحب الدولة من كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية تاركة شباب الثورة يواجه مصيره ليكون خياره في آخر المطاف بين طريقين للموت، لمبدوزا أو سوريا؟ الطبيعة لا تحب الفراغ واليأس يولد الدمار. ألم يرتم الشباب في حضان الإرهابيين والتكفيريين أملا في الآخرة بعد اليأس من الدنيا؟ هل توجه الساسة إلى هذا الشباب "السلفي الجهادي" الذي يدفعه الكل إلى العزلة بقصفه عبر التشويه الإعلامي من جهة والدعاوى التكفيرية الداعية إلى الجهاد باسم نصرة الدين والمشروع الإسلامي...؟ ألا يساهم الإعلام الرسمي وقنوات وصحف حركة النهضة في خلط الأوراق والتشجيع على الإرهاب عندما تكتب جريدة الضمير أن "هناك مؤامرة ضد الشباب السلفي والمشروع الإسلامي"؟ وماذا فعلت حكومتكم المجرمة لانتشال هذا الشباب من عتمة الفقر والبؤس؟

روى لي أكثر من شاب قصته مع والي الجهة وكيف يتم تجاهل مبادراتهم ومشاريعهم ومعاملتهم بازدراء وتعال. لقد توقف سياسيونا عن زرع الأمل وبثه في النفوس، وما السياسة إن لم ترب الأمل؟ نعم نحن أمام سلسلة من الجرائم الاقتصادية والاجتماعية التي لا يتجرأ أحد على الخوض فيها. ألا يعد تهميش تلك الجهات وحرمانها من نصيبها في التنمية واستثمار الدولة فيها منذ عقود جريمة دولة تستوجب المحاكمة؟ ألم يبق مستشفى الكاف مثلا بلا طبيب مولد لأاكثر من عشرة أيام لتموت الرضيعة في بطن أمها وتدخل الأم في غيبوبة؟ ألا يشكل ذلك عوامل ودوافع للتفجير والانتقام والتشفي من دولة نبذت أبناءها وتنكرت لهم؟ ألا يواجه أبناء الجهات الداخلية بعضهم البعض في جبهة القتال، ففريق يحمل جلباب "السلفية الجهادية" وفريق يحمل "بزة الدولة"؟ ألا تبعثهم الدولة إلى الموت المحتوم؟ بينما ينشغل الساسة والقادة الأمنيون بالمنابر الإعلامية والمزايدات الكلامية شغفهم في ذلك حب الأضواء والمناصب والنفوذ؟ رسالة إلى الشباب "السلفي الجهادي"
أيها الشباب السلفي، اهجروا السلاح ولا توجهوا فوهة أسلحتكم إلى أبناء شعبكم، إن الحرب اليوم هي ضد الفقر والجهل والبطالة والظلم والحيف الطبقي والجهوي، ذلك هو الجهاد المقدس الذي كتبه الله علينا اليوم. أنتم تصيبون الثورة في أكثر من مقتل عندما تقتلون شباب تونس، إنهم منكم وإليكم وأنتم إخوتنا في الله والوطن فلماذا لا توجهون بندقيتكم إلى عدوكم الحقيقي، الفقر والجهل. أهجروا دعاة الفتنة فإنهم يدعونكم للشر ونحن ندعوكم للخير.
قبل أن أختم، وأنا في طريقي من سوسة إلي تونس، سمعت عبر الراديو خبر التفجير الذي جد أمام النزل بسوسة، لم يؤسفني الخبر بقدر ما آسفني تعليق المذيع الذي قال "توا كي الإرهاب استهدف جوهرة الساحل سوسة فعلى الدنيا السلام"، وهنا أتساءل : هل يعتبر الإعلاميون والسياسيون مناطق الشمال الغربي والوسط جزءا غريبا عن الوطن؟ نحن نأسف لكل روح تزهق في صفوف الأمنيين أو الشباب المتمرد من بنزرت إلى بن قردان، فتونس أرض واحدة وشعب واحد لا نفرق بين تونسي وتونسي. فلندعو المولى أن يهدينا لما فيه خير توني والتونسيين وأن يؤلف بين قلوبنا وأن ينزع من قلوبنا البغضاء والأحقاد.













أيوب المسعودي
29 أكتوبر 2013

mardi 22 octobre 2013

أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 2

عامان على 23 أكتوبر

أزمة عقيدة التأسيس وغياب البناء الكلي





أحاول، بكثير من التواضع، في هذه السلسلة من المقالات التي بدأتها بمقال أول بعنوان "أزمة الثورة في تونس : بين الماضي والحاضر - 1" (أنظر الرابط)، أن أخرج من سياق التفكير الملألوف إلى سياق أرحب،  أن أشارك من موقعي المتواضع في بناء عقل مؤسِّس لا يلغي العقل المؤسَّس (1) ولكن يحاول بقدر المستطاع التحرر من أوثاقه وموروثه. وهي مهمة تزداد صعوبة مع اشتداد أزمة الحكم في تونس وانسداد الأفق السياسي مما أدى حتما إلى طغيان الآني على الاستشرافي والترقيعي على التأسيسي.


هكذا مر عامان على استقرار منظومة السلطة الجديدة، منظومة 23 أكتوبر، وبالرغم مما شهدته الساحة السياسية من تموجات وهزات وارتدادات، فقد ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي يراوح بين الجمود والتقهقر يحكمه تغول جماعة على حساب أخرى ورأسمالية المحاسيب والزبونية البغيظة وسياسات التبعية والإذلال في استمرار وتواصل مع سياسات نظام السابع من نوفمبر الذي كان التلميذ النجيب في نظر المنظمات المالية الدولية وما تبعها من وكالات تصنيف وتزويق... هذا واقع مرحلة كان يفترض أن تكون تأسيسية وأن تحدث قطيعة أخلاقية، سياسية ومجتمعية مع السائد قبل 17 ديسمبر، إلا أن السلطة الجديدة اختارت على عكس المنتظر الارتداد إلى الوراء رافضة القطيعة مع القديم والتأسيس للجديد فارتدت وانزوت وانعزلت.


أما المجلس التأسيسي فقد تحول إلى مجرد أداة تزكية في يد الأغلبية يشرع لها ويراقبها في آن، هذا علاوة على وهن الأداء وتدني مستوى الخطاب السياسي والعجز عن التعبير، بالوضوح الكافي،على تطلعات الجماهير والشباب الثائر بصفة خاصة. كل ذلك حول جلسات التأسيسي وحواراته إلى مشهد هو أقرب إلى صراع ديكة ومشهد مستفز للذكاء والحياء الشعبيين تطغى عليه المزايدات الكلامية التي لا ترتقي إلى الفعل السياسي المؤسس...

لسنا هنا بصدد تجريح نواب الشعب المنتخبين أو تقزيمهم، إلا أن دقة المرحلة وجسامة التحديات المطروحة وطنيا وإقليميا تستوجب وقفة فكرية نقدية تتجاوز العاطفي والمرحلي على حد السواء. وفي الحقيقة يعود هذا الانحراف إلى أزمة عميقة في التأسيس، أزمة ضاربة في عمق التاريخ وتطور أو بناء العقل العربي الإسلامي كما شخصه الفيلسوف الألمعي محمد عابر الجابري في سلسلة كتاباته النقدية عن العقل العربي...


نعم، لقد تميزالعقل العربي منذ "ترسيمه" في بداية الخلافة العباسية ومنذ عصر التدوين، في عهد الخليفة المنصور، بطغيان اللّغويّ الكلاميّ الشِّعري على المعنى والمنطق. وهو ما يشير إليه الجاحظ وكذلك الشهرستاني مثلا في كتاباتهم عندما يقارنون بين العقل العجمي (الفارسي واليوناني) والعربي واصفين الأول بأنه يتميز بالاجتهاد والاكتساب مقابل الحدس والارتجال عند الثاني. وليس غريبا أن يتزامن عصر التدوين هذا مع أول الإبداعات العلمية وربما أخطرها في التاريخ المعرفي العربي، إنه علم اللغة والنحو الذي وضع أسسه الخليل الفراهيدي ثم تلميذه سيبويه (وهو عمل جبار وذو قيمة وصلابة علمية مشهودة)... لا تكمن الخطورة في تقعيد اللغة، فقد استجاب هذا العمل إلى ضرورة تاريخية وإرادة سياسية في تعريب الإدارة والقطع مع هيمنة الفرس والرومان عليها، وإنما تكمن في الخلط بين المنطق واللغة. وسيحل النحو بالنسبة للعقل العربي محل المنطق بالنسبة للفلسفة الإغريقية. هكذا بنى الإمام الشافعي، في كتابه "الرسالة"، أصول الفقه وقنن عمل العقل وشرّع له متوخيا علوم اللغة والنحو مرجعا لاستنباط الأحكام من قوانين اللغة وآليات إفصاحها وتعبيرها عن المعاني... من الناحية السياسية كذلك، كان التدوين في مطلع الخلافة العباسية أكبر عملية لجمع العلوم وتبوبها وتصنيفها تحت إدارة الدولة مع ما شاب هذا المشروع من انتقاء وتوجيه لإضفاء الشرعية على الخلافة الوليدة بعد القضاء على الأمويين مع ما سيستتبعه ذلك من طمس للمنتوج العلمي والمعرفي والثقافي الأموي...  لقد كان ذلك عملية "ترسيم" للعقل العربي وتقنينا للرأي وتشريعا للإنتاج الفكري والمعرفي العربي. لا أريد أن أطيل في إعادة تفسير ما برع الجابري في بيانه والتدليل عليه في كتابه "تكوين العقل العربي" (2)، ولننصرف إلى محاولة قراءة تداعيات هذه الحقيقة التاريخية على واقعنا السياسي والاجتماعي الراهن.


أما على مستوى الخطاب السياسي الرسمي (سلطة ومعارضة)، فلا يختلف اثنان في كلل التونسيين ومللهم من المناكفات السياسوية التي تأخذ شكل مزايدات شعاراتية وطابعا كلاميا يفيض فيها اللفظ على المعنى والمنطق، وكأن فائض اللفظ على المعنى في العربية وجد امتدادا له عبر التاريخ فلم نخرج من لسان العرب لابن منظور وعروض الفراهيدي وإيقاع العربية ونغمتها "مما يجعل الأذن والحس والعاطفة تنوب عن العقل والمنطق في الرفض والقبول" (2).

وأما على مستوى "ترسيم الثورة" وتأميمها وخوصصتها وتحزيبها، فإذا أخذنا منظومة 23 أكتوبر وطبيعة تعاطيها مع الماضي القريب منه والقديم (التاريخ العربي والإسلامي وتاريخ تونس الوطني الحديث...)، وجدنا نزوعا مرضيا لإعادة إحياء معارك الماضي وتأجيجها، وهو ما عبر عنه الجابري ب"التنافس على الماضي" من أجل الهيمنة على الحاضر والاستحواذ عليه، وهو ما نراه بوضوح في محاولة فريق إحياء مسائل هوياتية مصطنعة والطعن في الموروث البورقيبي وما قامت عليه الدولة الوطنية الحديثة من مكاسب من أجل هدم الحاضر وإعادة بناءه على أساس رؤية فئوية للماضي. نحن لسنا هنا بصدد تمجيد الموروث البورقيبي، فلنا عليه مآخذات عديدة منها مسؤولية التصحر السياسي الذي أدى إلى أكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد، بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول أن النظام البورقيبي نفسه قام ب"ترسيم الحركة الوطنية" وإعادة كتابتها على مقاس حكمه وأيديولوجيته بإقضاء كل المخالفين باغتيالهم أوقبر تاريخهم ونضالاتهم... نحن هنا أمام ظاهرة "عربية" لم تستثن أحدا قوامها التنافس على الماضي من أجل إعادة كتابة الحاضر والاستحواذ عليه وإعادة بناءه وفق مصلحة الجماعة أو الحزب أو الأيديولوجيا.
إعادة البناء هذه ترافقها اليوم عملية هدم لمؤسسات الدولة وقيم المجتمع التونسي المعتدل المتلاحم المتجانس قصد تشطيره وإضعاف وحدته قبل إحكام القبضة عليه باسم العودة للأصول والهوية وعبر إذكاء صراعات الماضي وتحويل وجهة الثورة من صراع طبقي على الوجود والتوزيع العادل للثورة والكرامة إلى خلاف فقهي وصراع هويات وهمية.

البناء الكلي بدل البناء الكلياني

إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا هو متى بناء العقل العربي تاريخي الوعي كوني المنبع؟ ذلك العقل الذي يتنافس على المستقبل انطلاقا من الحاضر وما راكمته حضارتنا العربية الإسلامية العظيمة وسائر الحضارات التي استفادت من أعمال الفارابي وابن سيناء وابن رشد، أليس ابن رشد هو الذي سهل على أوروبا الحديثة فهم أرسطو منذ توماس الأكويني مما قادها إلى إحداث قطيعة معرفية وفلسفية وعلمية؟

سأسوق مثالين في التعاطي العاطفي المتشنج للعقل العربي مع إحدى أخطر القضايا الراهنة لأبين فشل هذا النوع من التعاطي وقصوره في تأدية المهمات المنوطة به.

فعلى صعيد مسألة التعريب، وإن كنت أعتبر نفسي من المتعصبين للغة العربية، فإنني أعتبر أن مسألة التعريب لم تطرح بالطريقة السليمة والعلمية والعقلانية التي تفضي بالفعل إلى انتشال اللغة الشريفة من حالة الهوان والفقر والانحطاط التي تتخبط فيها. إن تخلف اللغة العربية عن ركب الاكتشتفات العلمية والثورة الابستيمولوجية التي عرفها الغرب منذ عصر النهضة الأوروبية وانزواءها وانحصار الأخذ بها في مجال علوم الفقه (ومن ذلك قول الجابري أن الحضارة العربية هي حضارة فقه بامتياز(2))، كل ذلك أدى إلى تحولها إلى لغة جامدة لا تاريخية لم تتطورمنذ لسان العرب لابن منظور (القرن السابع هجري). إن تعريب الإدارة والتعليم، فرنسيّي النشأة، لا يكفي لإحياء اللغة العربية وإعادة بعثها كلغة "للعصر" ما لم تتحول إلى لغة لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا والصناعة والمعرفة والثقافة والفن. وإذا نظرنا إلى هيمنة الغرب على صعيد المعرفة وصناعة المعرفة والكم الهائل من الحواجز الاقتصادية والقانونية وخاصة السياسية التي تحول دون ولوج العرب إلى عالم صناعة المعرفة (منظومة حماية الاختراعات وما يتكلفه ذلك من تمويل وموارد...) ومحاصرة تجارب التصنيع والتسلح الوطنية... سنجد أنفسنا أمام استنتاج واحد وهو ضرورة العمل على مستويين: مستوى أول يدعم اللغة العربية كلغة وطنية للإدارة وكذلك وخاصة العمل على إقليمي ودولي ودبلوماسي (كمكمل ضروري) من أجل مجابهة الحواجز المعرفية التي تحدثنا عنها سابقا على مستوى دولي وفي شكل جبهات دلبوماسية إقليمية، ومستوى ثان لدفع تعلم لغات المعرفة المعاصرة والتمكن منها ودعم البحث العلمي للحاق بركب الأمم بعد طول تأخر. إن الترجمة والتعريب لن يجديا نفعا قبل أن نتحول إلى قوى منتجة للفكر والمعرفة، وإن كان ذلك بلغة أجنبية، فيسهل بعد ذلك كسر الجمود الذي يعاني منه لسان العرب منذ قرابة السبعة قرون.

أما على صعيد السياسة الخارجية واستراتيجية العرب (إن وجدت) في مواجهة التحديات الإقليمية والقومية، فمن الوجاهة استحضار ما كتبه الشهرستاني في " العقلانية الفارسية الإيرانية مقابل القبلية والحدس العربي"،... وإن كنت أمقت فكرة العداوة الوهمية بين إيران 'الفارسية الشيعية" والعرب "السنة"، فإنه من الجدير، من الناحية التحليلية البحتة، دراسة ردود فعل الحكومات العربية بعد بوادر التقارب الأمريكي الإيراني حول الملف السوري... لم يجن العرب شيئا من سياسة الولاء الأعمى للأمريكان وهم يرون اليوم أن التقارب الإيراني الأمريكي يسقط في الماء كل طموحاتهم لضرب إيران، القوة العظمى الصاعدة، عن طريق أمريكا... ذلك لأن العرب (الحكام العرب) لطالما تفاوضوا مع الأمريكان فرادى ولم يؤسسوا أبدا لدور استراتيجي موحد، بل يمكن القول أنهم كانوا دوما يتآمرون مع الأمريكان ضد بعضهم البعض في سباق لاسترضاء سيد البيت الأبيض الذي كان، من جهته، حريصا على بث الفوضى والفتنة في جسد الأمة العربية قصد دفعها إلى سباق التسلح ضد الشعوب المقهورة، وضد بعضهم البعض وضد العدو الإيراني الوهمي لغاية إحكام القبضة على مواردنا وثرواتنا لنزيد تخلفا وفقرا وانقساما.


إن السبيل الوحيد للقطع مع هذا السائد البغيض القبيح هو استيعاب الماضي برمته  في ما يسمى بالعقل العربي الكلي كنقيض للكليانية. فإذا كانت الكليانية تقصي كل ما يتعارض وسلطة الحاكم المشرِّع، فإن العقل الكلي الكوني يشرِّع لوجود الكل داخل منظومة قوامها العقلانية والاستصلاح والاستحسان والاجتهاد من أجل بناء المستقبل، ووحده تشبيب الطبقة السياسية وتجديد فكرها ووعيها قادر على كسر هذا السائد والخروج بالواقع الضيق إلى مستقبل أرحب. ولن يتم هذا إلا باقتلاع النظام القائم الذي لا يثير الماضي إلا من أجل إعادة كتابته على هواه وترسيم نظريته في الماضي حاضرا ليظل العقل العربي سجين الماضي والشعب التونسي أسير الخلافات المذهبية ومعارك الجامعات وأحقاد الأحزاب وضغائن "الشخصيات الوطنية"؟ في الأثناء يواجه شباب الثورة اليأس والإحباط وذل البطالة ويلقى به في غياهب السجون أو في محارق الماضي كوقود حرب في معارك لا ناقة له ولا جمل فيها.

فليسقط النظام ولتحيى تونس.


أيوب المسعودي
22 أكتوبر 2013


المراجع

(1) - A. Lalande, "La raison et la Norme", pp 16 - 17, 1963
(2) - محمد عابد الجابري، "نقد العقل العربي"