lundi 4 mars 2013

النهضة : دروس في التحيل السياسي

النهضة : دروس في التحيل السياسي
25 فيفري 2013

نشر في جريدة صوت الشعب بتاريخ 28 فيفري 2013




يخلص المتمعن في الشأن السياسي الوطني العام، وبالخصوص في إدارة حكومة الترويكا للأزمات المتتالية، إلى النجاح البارع الذي تحققه حركة النهضة، لا في حلحلة المشاكل والقضايا الوطنية الأساسية وذات الأولوية والاهتداء إلى الفعل والخطاب المناسبين لطمأنة الشعب، بل في أربعة أشياء أساسية :

أولا، مزيد خلق الأزمات وإغراق البلاد في مصائب متزايدة الخطورة، فمن أزمة التعيينات البنفسجية على رأس الإعلام العمومي والإدارات والولايات والمعتمديات، وذلك منذ الأيام الأولى لتولي الترويكا الحكم، إلى القمع الوحشي لمظاهرات 09 أفريل 2012، إلى تهريب البغدادي المحمودي، يوم 24 جوان 2012، وخيانة رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة والاعتداء على الدستور المؤقت، إلى القمع الممنهج لبواسل سيدي بوزيد في أوت 2012 وما تلاه من إعتداءات في الحنشة والمهدية وجربة وقابس... ، إلى واقعة السفارة في 14 سبتمبر، إلى اغتيال لطفي نقض بتطاوين في أكتوبر 2012، إلى أحدأث سليانة واستعمال الرش لقمع التحركات الاجتماعية في ديسمبر، إلى الاعتداء السافر على النقابيين في معقلهم بساحة محمد علي في نفس الشهر، وصولا  إلى اغتيال الشهيد المناضل شكري بلعيد في 06 فيفري 2013... دون الحديث عن الاعتداءات المتكررة والتي لحقت نشطاء سياسيين ومدنيين وإعلاميين وأكاديميين والتي ما فتئت تتكثف وتزداد عنفا.
ثانيا، القدرة الهائلة للنهضة على استثمار هذه الأزمات لصالحها وإضعاف موقف الأحزاب السياسية، حلفاء ومعارضة، وإيقاعهم في فخ القبول بشروط النهضة تحت مسميات "المصلحة الوطنية" و "الوحدة الوطنية" و"تجنب الفراغ" و "الاستقطاب الثنائي"... وقد تجلى ذلك على الأقل في ثلاث مناسبات شديدة التشابه، الأولى في جوان 2012 بعيد أزمة البغدادي المحمودي ، فكان أن لوحت النهضة بتحوير وزاري أصابت به ثلاثة أهداف في آن واحد، فقد أرهبت بذلك الانتهازيين من وزراء المؤتمر والتكتل من جهة وشقت صفوف "المعارضة" ببث الفتنة بين قابلي الحوار مع النهضة ورافضيه من جهة، وأخيرا وليس آخرا، أجهضت مبادرة الاتحاد (والتي كنت قد باركتها شخصيا (أنظر goo.gl/Mx2Ju))... كل ذلك طبعا دون أن يتم التحوير الموعود. المناسبة الثانية كانت في أكتوبر 2013 لما خرجت علينا الترويكا بوثيقة "إعلان نوايا" خاوية غامضة كانت الغاية الوحيدة منها ربح الوقت وضرب مبادرة الاتحاد للمرة الثانية. أخيرا، وبعيد إغتيال الشهيد شكري بلعيد، اقترفت الأحزاب "المعارضة" الخطيئة الأصلية عندما هرولت إلى مباركة فخ حكومة التكنوقراط، تلك الخطة المسمومة شديدة الإحكام التي وضعتها منبليزير ونفذها أمينها العام والتي سمحت للنهضة بتحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية أولها صناعة "رجل دولة"، بشهادة المعارضة، إسمه حمادي الجبالي، قد يكون مرشح الحركة في الرئاسية القادمة، ثانيا، شق صفوف المعارضة ببث التفرقة داخل الأحزاب وبينها (كما حصل داخل التحالف الديمقراطي والاتحاد من أجل التجمع بين الداء والجمهوري)، وأخيرا وليس آخرا، قبول الأحزاب المعارضة بفكرة الحكومة الائتلافية، بشروط النهضة، وخاصة بعد أن رفضتها في بداية المرحلة الانتقالية!
ثالثا، قدرة الحركة على جعل الأحزاب السياسية تدور في فلك التجاذبات المزعومة للنهضة. أقول "مزعومة" لأنني لا أؤمن بوجود تيارات داخل النهضة بل بتجانس في الأهداف وسبل تحقيقها ورسم وتخطيط محكمين وتوزيع أدوار ذكي يوهم بوجود رجال حوار داخل الحركة لربح الوقت... في الأثناء، يحث المرشد الخطى لوضع اللبنات الأخيرة لحرسه "الثوري". ويذكرني مجلس شورى حركة النهضة بالمجلس الأعلى للفاشية، أعلى سلطة في الحزب الوطني الفاشي بقيادة موسوليني، الذي أنشأ ميليشيات الأمن الوطني كتنظيمات تطوعية تسند الحزب الفاشي الحاكم في قمع المعارضين وحفظ "الأمن" قبل دسترتها واختراقها من بعد لأجهزة الأمن الرسمية وسيطرتها عليها. كما كان أعضاء هذا التنظيم الإجرامي يخضعون لسلطة رئيس الحزب دون غيره!
رابعا، تحييد رئيس الجمهورية، الحقوقي السابق، وحصر دوره في مجرد ناطق رسمي باسم "التجربة الفريدة" لتعايش "الإسلاميين المعتدلين" و "العلمانيين المعتدلين" التي يعتبر نفسة، مع مرشد الجماعة، من أهم منظريها. إصرار الرئيس الطبيب، واستبساله المرضي (Acharnement Thérapeutique) في الدفاع عن هذه "التجربة الفريدة"، الميتة سريريا، مهما كانت التكاليف، هو جريمة في حق الثورة والشعب من أجل الانتصار لنظريته الساذجة. قد يجني الرئيس من ذلك ما شاء من الأوسمة والجوائز العالمية، ولكن ما فائدة ذلك وشعبه يجوع ويهان؟ ما فائدة ذلك في ظل أيرنة تونس الحبيبة واستباحة دمها؟ ثم لا يفوتني أن أعبر عن صدمتي من تجرؤ رئيس الدولة "العروبي" على الزعيم الرمز جمال عبد الناصر في البرلمان الأوروبي في 06 فيفري 2013؟ لا يمكن أن أقبل ما قاله أيضا أمام الجمعية العامة الفرنسية يوم 18 جويلية 2012 عندما تحدث عن تونس وإمكانية أن يكون المغرب العربي، إذا توفرت فيه شروط الأمن والازدهار، درعا (وقد استعمل عبارة (un sas)، وهو المعبر الآمن) للاتحاد الأوروبي ضد الهجرة غير الشرعية والإرهاب من دول الساحل الإفريقي. أود أن أقول لك سيدي الرئيس أن تونس وثورتها أعظم من ذلك بكثير، هي أعظم من فرنسا والاتحاد الأوروبي، خطابك هذا لا يختلف في شيء عن خطاب بن علي ولا يشرف تونس والتونسيين!


إن الإسلام براء من حركة النهضة وأمثالها من الأذرعة السياسية القطرية للإخوان المسلمين، وخلاصة القول أن النهضة أثبتت تهافت مقولة "الإسلام هو الحل"، بل يمكن القول أنها أثبتت أن "الإسلاميين هم المأزق". فهم  لا يمثلون أكثر من متحيلين سياسيين  يمتهنون انتحال المقدس والتدرج في الأزمات لفرض الأمر الواقع حتى يستفيق المجتمع المدني والسياسي ذات صباح على دولة المرشد الأعلى تحت حماية الحرس الثوري. هم متحيلون لأنهم لم يأتوا بشيء جديد بل انتحلوا المقدس الذي هو ملك عامة الشعب، هم متحيلون لأنهم متسترون على قتلة الشهداء، هم متحيلون لأنهم وعدوا وخانوا وعاهدوا ونقضوا، هم متحيلون لأنهم فاقدون للحلول السياسة لمشاكل البطالة والحيف الطبقي والجهوي، هم متحيلون لأنهم وعدوا بالقطع مع النظام البائد فأضحوا ينصبون أعمدة التجمع على رأس أهم مؤسسات الدولة، هم متحيلون لأنهم لا يختلفون في شيء عن نظام بن علي، هم متحيلون لأنهم رجال صندوق النقد الدولي ورأس المال والقوى الاستعمارية، هم متحيلون لأنهم جزء من المشروع الغربي الرامي إلى تشطير الأمة العربية على أساس طائفي رجعي لإضعافها والحيلولة دون توحدها وتقدمها، هم بكل بساطة رجال استمرارية النظام! أما نحن الشباب الثائر، فنحن مع استمرارية الثورة حتى الإطاحة بجذور النظام، هذا النظام الذي أصبحتم، ترويكا ورئاسة، جزءا منه!

أيوب المسعودي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire