mercredi 20 janvier 2016

المندسّون

المندسّون



20 جانفي 2016

يدفعك الإحباط في كثير من الحالات إلى الانزواء والاعتزال المؤقت الممزوج برغبة في التأمّل والمراقبة عن بعد. الثورة أيضا، مثلنا، تمرّ بمراحل كرّ وفرّ، مدّ وجزر بين الهيجان الغاضب والانزواء الخائب... تتناوب في كلّ هذه المراحل جموع الخونة وأكلة لحم البشر على الثّورة الهامدة عندما ينفضّ عنها أبناؤها وحماتها إلى معارك الوهم والسّراب. ولكنّنا نتعلّم من تناقضاتنا ومن الأخطاء، يراكم الشّباب الغاضب الخيبات فيعرف أعداءه ويبني طريقه إلى الثّورة الشّاملة رويدا رويدا، يميز الخبيث من الطّيّب عبر ديالكتيك الشّارع الّذي لا يعرفه إلّا هو.

كم كنّا ساذجين عندما ولّينا أمر الثّورة إلى تنظيمات هي أوهن من بيوت العنكبوت، كم كنّا أغبياء عندما صدّقنا شعارات الجذريّة والثّوريّة الّتي تتغيّر بتغيّر المواقع والمصالح. كم وكم وكم...

ولكنّ التّعلّم يقتضي أيضا أن نقول الحقيقة كاملة. كم كنّا، في أكثر من مرّة، أنانيّين، قصيري النّظر، متسرّعين... متلهّفين لقطف ثمار الثّورة قبل قطع دابر النّظام الّذي عاد على طريق معبّد بتناقضاتنا وضعفنا وقلّة حيلتنا. ألم يكونوا هم موحّدين في حرصهم على حماية مصالحهم القديمة وكنّا نحن منقسمين في اختيار الأولويّات؟ ألم تكن خيام الإضرابات تعدّ بالمآت مطالبة بالتّشغيل بلا تنسيق ولا رؤية استراتيجيّة لقيادة المعركة؟ لا أزال أذكر مجموعة صغيرة من المضربين كان مطلبها الوحيد أن تحصل على عمل مقابل أن تمنع كلّ اعتصام أو إضراب في المدينة بعد تشغيلهم؟ أليس العيب فينا، ألسنا ساذجين أنانيّين متسرّعين في مواجهة نظام مافيوزيّ قائم على الزّبونيّة والتّحيّل واختراق التّناقضات؟

علينا أن نضع نصب أعيننا أنّ هذا النّظام القديم المتجدّد لم ولن يقبل بثورة حقيقيّة، هو يضع كلّ ما لديه من إعلام وإدارة وببيروقراطيات نقابيّة وأوراق ابتزاز اقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة وإرهابيّة لإدخال البلبلة في الصّفوف وتأليب الرّأي العامّ على الثّوّار وابتداع خلافات جديدة يتسابق إليها حداثيو العهد القديم والجديد، وذاك دورهم بعد أن فشلوا في الالتحام بالواقع. إنّ دور بعض المثقّفين صار التّشويش على بوصلة الثّورة والإيهام بوجود خلافات واختلافات داخل النّظام القائم على أساس "اختلاف في المشروع المجتمعيّ" بين حلفاء الحكم؟ نعم هكذا، يحكمون ويعارضون، يحدّدون نوع الاختلاف ووجهة الصّراع. هذه الاستراتيجية لن تتغيّر وستتجدّد تحت عناوين مختلفة، وفي كلّ مرّة ينفض فيها الثّوّار غبار اختلافاتهم لينظروا إلى الواقع بأكثر صفاء وذكاء سيأمرون جنرالاتهم الإعلاميّين بتصديع رؤوسنا بخلافاتهم الكاذبة للتّشويش على الصّراع الحقيقيّ : صراع الثّروة.

صراع الثّروة
في حديث أحد مثقّفي البلاط ورئيس ما يسمى بمركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة عن غضب شباب القصرين، استحضر "المثقّف" معجما بنعليا صرفا في تشخيص الأمور متحدثا عن مخربين ومندسين مؤكدا دعمه للشرعية وللديمقراطية... كيف لا يدافع عن ديمقراطية أولياء نعمته. ولكن عن أيّ ديمقراطية نتحدّث؟ ألا تتزعّم بارونات الفساد ورأس المال القذر المشهد السّياسيّ تفكّكه وتعيد تركيبه بحسب المصالح؟ ألا نشهد أكبر عمليّة تحيّل تحالف فيها متحيّلو الأمس مع متحيّلي اليوم؟ أليس النّظام الجديد بأفسد وأدهى لأنّه جمع شتاته وتناقضاته (إسلامجيين على حداثجيين) ووحّد كلمته في كسر الثّورة وإعادة كتابة التّاريخ وتحديد الأولويّات والصّراعات؟
سمعت النّاطق الرّسميّ للحكومة يقول في نشرة الأنباء مخاطبا أبناء القصرين "كيف للمستثمر أن يستثمر في ظلّ الفوضى...."، ولا يسعني إلّا أن أردّ "وكيف لمستثمر أن يستثمر في دولة حزبها الحاكم عاجز عن تسوية خلافاته الدّاخليّة، متحالف مع بارونات الفساد والنّهب؟ كيف لدولة أن تقوم دون أساس العمران الّذي هو العدل؟ ألم تكن أولويّة أولويّاتكم التّسامح مع عصابات الإجرام والرّذيلة؟".
دهاء النّظام الجديد أنّه جمع شتاته ووحّد متناقضاته ليتحوّل إلى ماكينة خاوية سياسيّا ولكن قادرة، بفعل ما اجتمع عندها من مال ونفوذ وإعلام وتحالفات خارجيّة وانعدام للوطنيّة، على تهميش المعارضة. كيف لا وهي قد جمعت البورقيبية والحداثة والإسلام والتنوير، لا بل وهي تحكم وتعارض، فلا حاجة لمعارضة إذا. ولكنّها خاوية سياسيّا لأنّها تحكم بالتّخويف والتّوافق تحت التّرهيب والإيهام بضرورة التّوافق لإنقاذ البلاد... وكلّ ما يجمعها هو ترتيب توزيع الغنائم على الرّأسماليّة الفاسدة الّتي هي جزء من الحكم (لكم أن تنظروا إلى المتحرّكين في المشهد وتركيبة مجلس النّوّاب...).


داخل هذا المشهد، سيحاولون دائما تحويل وجهة الصّراع بأساليب مختلفة، إمّا باستدعاء الهوويّ لينتصب الإسلامجيّون الكاذبون حماة للدّين والهويّة أو الإرهاب لينتصب التّجمّع الأقدرعلى القمع وكسر الإرهاب وقطع دابره... هذا هو المشهد ولن يقبلوا بأن يتوحّد شباب الثّورة حول الشّعارات الحقيقيّة الّتي يجب أن تقود الثّورة : إنهاء رأسماليّة المحاسيب واسترداد حقّ الشّعب على ثرواته السّطحيّة والباطنيّة (نظّمت مجموعة من شباب القصور في الكاف اعتصاما للمطالبة بالتّشغيل في شركة صنع المشروبات SFBT الّتي حقّقت مرابيح تتجاوز 74 مليون دينار في 2012(goo.gl/LkfYAr)، نحن نتحدّث هنا عن ثروة باطنيّة تمّت خصخصتها واستغلالها من خواصّ على حساب الدّولة الّتي فوّتت فيها في 1979، والأمثلة عديدة (خشب السّاقية، جبس تالة، البترول، إسمنت الجريصة...). وأولى بالشّباب أن يطالب باسترداد سلطته على ثرواته المحلّيّة أوّلا ثمّ الوطنيّة وأن لا يستأمن عليها دولة فاسدة لا تخدم غير رؤوس الأموال والمجرمين والفاسدين، في الكاف كما في سيدي بوزيد وسليانة وغيرها من مناطق الحيف والنّسيان، آن الأوان لاسترداد الحقّ بأخذه لا المطالبة به من الفاسدين والمجرمين، لكلّ جهة الحقّ في تحويل ثرواتها في مصانع تحويليّة تبنى في الجهة وتشغّل أبناء الجهة، لكلّ جهة الحقّ في مدرسة عموميّة ذات جودة ومرافق صحّيّة تضمن كرامته. الحقّ يُؤخذ ولا يُطلب. على الشّباب أن يقود معركته بحكمة، أن يوحّد شعاراته ويحدّد شروط نجاح ثورته وأن لا يعيد الأخطاء بفسح المجال للدّجّالين وتجّار الدّين والأوهام ليركبوا ثورته فأولئك هم المندسّون.

أيوب المسعودي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire