Designed by Freepik

mardi 6 novembre 2012

من سيواجه من؟ الجزء 1 من 2




من سيواجه من؟
الجزء 1 من 2

06 نوفمبر 2012

أيوب المسعودي



لم يهتد، في رأيي، المتابعون والمحللون للشأن السياسي التونسي إلى غور ما تعيشه تونس منذ اندلاع ثورة 17 كانون/ديسمبر 2010 وتجلياته في ما جد منذ أيام في تطاوين وحديثا في دوار هيشر. إن دوامة العنف التي نعيشها بكل تمظهراتها المادية والسياسية والمعنوية، في كامل تراب الجمهورية دون إستثناء، هي في حقيقة الأمر نتاج خطاب ماضوي يؤثث الفراغ الفكري والسياسي والتنظيمي الذي طبع ومازال سيرورة الثورة المتأثرة بتحرك النخب وخطابها المفتقر إلى الوعي القيادي والرؤية الاستراتيجية (وأقصد هنا ب"النخب" الحكام الجدد والمعارضة الجديدة). حالة "الفراغ الثوري" هذه ميزت مرحلة ما بعد الثورة وأدت إلى التباين والتمايز بالعنف بكل أشكاله حسب مقولة "التدافع" المقيتة التي أدخلها شيخنا المبجل قسرا على تاريخ وطننا العظيم، ذلك التاريخ الذي لمع لقرون بالإسلام المتنور والفكر والانفتاح والإبداع. فمن المسؤول عن هذا العنف؟ وهل نحن ماضون إلى مواجهة؟ وإن كنا كذلك فمن سيواجه من؟ وهل نملك وسائل توجيه المواجهة لصالح الثورة؟




1- من المسؤول عن هذا العنف؟ : التهميش، الخطاب التحريضي، خراب العقليات وتدجين المؤسستين الأمنية والقضائية

اعتادت "النخب" والشارع التونسي معها نسب العنف "الظاهر" إلى الشباب "السلفي" المنساق وراء المد الوهابي أو التحريض "التجمعي" الخفي أو، في أحسن الحالات، إلى "تجاوزات" من رجال الأمن. لا يخلو هذا الخطاب، وإن حمل في طياته جزءا من الحقيقة، من الإجحاف المضمر لنوايا التلاعب بالعقول عند البعض والكسل الفكري عند البعض الآخر. ذلك أن الشباب السلفي كما رجال الأمن هم ضحايا سياسة المناورة والخداع التي تنتهجها حكومة الترويكا بكل براعة. المناورة والخداع هو كل ما تبقى لحزب أفلس سياسيا بعد أن راهن على أعداء الثورة من بارونات التجمعيين الانتهازيين وقوى المال الداخلي الفاسد والقوى الخارجية المتربصة بالثروات والديمقراطيات العربية.





الشباب "السلفي" المهمش
فأما عن الشباب "السلفي"، وبعيدا عن خطاب الشيطنة الذي تنتهجه بعض النخب في توصيفها لهذا التيار ناعتة إياه بالظلامية والرجعية والعمالة، وبمنأى عن خطاب المغازلة والمهادنة لبعض من يتوددون للسلفيين خوفا أو طمعا استعدادا لاستحقاقات انتخابية مقبلة، أرى أن  الشباب السلفي هو من ضحايا فشل الأنظمة المتعاقبة، بما فيها حكومة الترويكا، في إخراج هذا الشباب (وجله من الأحياء الشعبية المهمشة) من بؤرة الفقر والبطالة والتهميش. الشباب السلفي لم يأت من المريخ بل هو نتاج فشلنا الجماعي (حكومة ومعارضة وشعبا) في احتضان هذا الشباب التائه وتشريكه في بناء الوطن على أساس إعادة توزيع الاعتبار والثروة والسلطة ويقتضي ذلك أيضا إقحامه في مرحلة التأسيس من كتابة الدستور إلى وضع مؤسسات الديمقراطية التشاركية جهويا ومحليا.
وبدل أن تتحول الأحياء الشعبية إلى خلايا نحل للعمل والبناء والإصغاء، انسحبت الدولة فاسحة المجال للمال والعصابات الوهابية التكفيرية لمزيد عزل الشباب وترسيخ عقلية الحاكمية التي تعمق عزلة الشباب "الثائر" على مجتمع "كافر" أقصاه وهمشه.
من جانب آخر، استغلت قيادات النهضة بؤس ويأس هذا الشباب "الثائر" لتغطية عجزها عن حلحلة مشاكل الشباب من السلفيين وغيرهم بمزيد تأليبهم على جزء من المجتمع وإيهامهم بأن "الحداثيين" و"اليساريين" و"العلمانيين" في الإعلام والأمن والجيش والمعارضة هم الأعداء وأصل الداء. هذه الاستراتيجيا العرجاء أثبتت نجاعة نسبية في طور أول لما سمحت باختلاق قضايا ثانوية حادت بالثورة ونخبها عن الاستحقاقات الأصلية. إلا أن تضافر الخطاب التكفيري التحريضي لقيادات النهضة وفشل الحكومة في معالجة أصل الداء من فقر وبطالة وتهميش للأحياء الشعبية والمناطق الداخلية زاد في تعميق الصدام وتفجير أزمات اجتماعية على أكثر من جبهة انطلاقا من سيدي بوزيد وصولا إلى قابس والقصرين وجربة وسليانة... كما أن ازدواجية خطاب الحركة ونفاقها السياسي (بخصوص مسألة التنصيص على الشريعة كمصدر أساسي للتشريع مثلا) سرعان ما أفقدها مصداقيتها وشروط تحالفها مع طيف من السلفيين الذين أعلنوا العصيان والخروج عن طاعتها.
تلاعب النهضة بعقول هذا الشباب التائه بوضعه في أكثر من مناسبة في واجهة معاركها مع خصومها دون نية صادقة للاستجابة لمطالبهم المكلفة سياسيا أدى إلى خروج هذه التيارات عن حيز الفعل المتاح لها بالهجوم على سفارة أعتى الدول في تونس (سنأتي إلى المسألة الأمنية وتواطؤ بعض القيادات الأمنية في هذه القضية لاحقا). هذا الانفلات أفقد الحركة مصداقيتها أمام الحلفاء الخارجيين وعلى رأسهم أمريكا التي بدأت تبحث عن بدائل ما جعل الحركة تدخل في تململ وصراعات داخلية وتخبط يائس للبحث عن حلفاء جدد يوفرون لها الدعم المالي من سيولة لازمة لتنفيذ ميزانية بقيت حبرا على ورق. لقد أدخلت النهضة البلاد في مأزق جعلها مستعدة، من أجل الحصول على بعض السيولة، لتحويل تونس إلى مخبر تجارب لاستخراج واستغلال الغاز الصخري الذي أجمع العلماء والسياسيون على مخاطره في تعد سافر على سيادة البلاد وسلامة العباد. هذه حقيقة قذارة سياسات النهضة ولا يمكن فهم ديناميكية علاقة الحركة بالتيارات السلفية دون التطرق إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي وحقيقة المشروع النهضوي، مشروع سلطوي تسلطي لا يمت للثورة والإسلام بصلة. مشروع يبيح التلاعب بالعباد والبلاد، مشروع يبرر كل الوسائل للوصول إلى المبتغى: تأبيد الحكم والتفرد بالثروة.





الخطاب التحريضي
المسؤولون عن العنف هم قادة أحزاب عميلة تهيمن على المشهد السياسي والإعلامي، وهما نداء تونس وحركة النهضة وأتباعها في الحكم بالأساس، بقوة المال والحلفاء الداخليين والخارجيين المعادين للثورة، دون أن تكون لهم مشاريع اقتصادية أو اجتماعية لتونس وللتونسيين. إذ لا معنى ل"الاستقطاب الثنائي" الذي صدعوا به رؤوسنا ليوهمونا بتنافس مزعوم هو في حقيقة الأمر "تدافع" على الكرسي بين حزبين محافظين اقتصاديا. النداء والنهضة حزبان ينزعان إلى الحفاظ على مصالح الحلفاء (الداخليين والخارجيين) والإبقاء على نفس المنظومة الاقتصادية التابعة والعميلة التي لا تتوانى عن بيع مقدرات الوطن وثرواته بأبخس الأثمان ولو على حساب السيادة والأمن وصحة وسلامة التونسيين... لا لشيء إلا لتأبيد الحكم بالنسبة لحركة النهضة أو لعودة التجمعيين إلى السلطة من الشباك، بعد أن كنسهم الشعب من الباب، بالنسبة للنداء.
غياب المشاريع والبرامج لدى هذه الأحزاب (أحزاب الترويكا والنداء) أدى إلى طغيان العنف بكل أشكاله خطابا وفعلا وتحويل التباين والتمايز السياسيين والجدل الفكري إلى الشوارع لتتحول إلى ساحات وغى وإلى المنابر الإعلامية للاحتراب أو التراشق بالسباب والتكفير المتبادل استعراضا للقوة والقدرة على التعبئة. إذ ما الفرق بين تكفير بعض المحسوبين على التيار السلفي لقيادات سياسية وتشكيك السيد الباجي قايد السبسي في إسلام راشد الغنوشي؟ ما الفرق بين عنف ما نسب لكمال لطيف مع زمرة من الخونة في بعض أجهزة الدولة وما يخطط له راشد الغنوشي ضد الدولة وأركانها من أمن وعسكر وإعلام كما صرح به هو بنفسه في إحدى التسجيلات المسربة؟ ألا يحمل كلام السيد محمد عبو ، أمين عام أحد أحزاب الترويكا الحاكمة، المتوعد بنصب المشانق لكل من تخول له نفسه محاولة إسقاط الحكومة يوم 23 أكتوبر 2012 عنفا وتحريضا خطيرين؟ كيف تعاملت الحكومة مع أحد قياديي حركة النهضة الذي دعا في أحد الاجتماعات التعبوية إلى ضرب "الإعلام" مع كل ما يحتمله هذا الخطاب المبهم من إمكانيات التأويل ليصل إلى حد التحريض على الاعتداء المادي للإعلاميين؟ ثم ما الفرق بين عنف مضمون التسجيل المسرب للسبسي في اجتماعه بالجبالي وخصوصا في جزءه المتعلق بالسيدة سهام بن سدرين وعنف ما جاء في الكلام المسرب للشيخ الغنوشي والذي يشكك في ولاء المؤسستين الأمنية والعسكرية ويقسم فيه المجتمع إلى إسلاميين "مسلمين" وعلمانيين قبلوا "على مضض" التنصيص على الإسلام كدين للدولة (مع أن هذا التنصيص موروث عن دستور 1959)؟ ألا تكمن ذروة العنف في منح تأشيرة العمل السياسي لحزب النداء التجمعي من طرف حكومة "الثورة" ليتسنى لمنخرطيه الاجتماع والتجمع ويسهل بذلك لميليشيات الترويكا تحديد هوية قيادات المنافس ومكانها والانقضاض عليها وتصفيتها؟ ليس أعنف من القتل إلا هول ما قرأناه على الشبكات الاجتماعية من شماتة بمصيبة مقتل أحد أبناء الوطن سواء كان من السلفيين أو من حزب النداء؟

لا يصح للسبسي إذا أن يتهم غيره بالعنف والتكفير وهو ينتهج نفس الأساليب وقد يخطط أو خطط لما هو أدهى وأشنع في اجتماعاته مع السفراء الأجانب وخلال صولاته وجولاته في العواصم الغربية، كما لا يصح للشيخ أن يتحدث عن الاعتدال ومدنية الدولة جهرا وهو يطعنها سرا عندما يلقي الخطب الدينية يكفر "العلمانيين" تارة ويحرض الشباب على "الإعلام" طورا.





خراب العقليات
ولكن جانبا كبيرا من هذا العنف يجد بذورا وأرضية خصبة في عقلياتنا (سلفيين أو غيرهم) المفتقرة للثقافة الديمقراطية التي تتطلب أولا وقبل كل شيء الوعي بالآخر وقبوله في علاقة جدلية تفرض أن الآخر ذات واعية ومفكرة لها الحق في الوجود والتعبير والرأي المخالف الذي يحتمل الصواب. من هذا المنطلق، على الشباب السلفي أن يبتعد عن العنف الذي يؤسس للخراب والدمار فلا يكون بعد ذلك دين ولا عمران. على الشباب السلفي كما النخب السياسية أن تدرك وتعترف بالديمقراطية كسقف موحد لكافة أبناء الوطن الواحد دون أي نوع من الإقصاء، تونس الدولة المسلمة العربية. وهذا يتطلب الابتعاد عن التقاذف بتهم العمالة والخيانة وشجب العنف المادي والمعنوي مهما كان مصدره. وعلى الدولة  محاربة خراب العقليات وتصحر الفكر أولا برد الاعتبار وتعصير المؤسسة التعليمية العمومية والمجانية المكرسة لقيمة العلم والعمل والمثبتة للهوية العربية الإسلامية المنفتحة، وثانيا استخدام العنف المشروع بلا هوادة لضمان علوية القانون وحماية سقف الديمقراطية وسلمية التعايش والتباين والتمايز السياسيين على أساس المجادلة الفكرية لا العنف، وهذا يتطلب مؤسسات أمنية صلبة ومتينة تعمل بمنأى عن كل التجاذبات السياسية المحيطة.





هشاشة المؤسستين الأمنية والقضائية
لقد ورثت الترويكا نظاما سياسيا قمعيا استبداديا قائما على الزبونية وتدجين مؤسسات الدولة لإخضاعها لإرادة الحاكم ومصالحه ومصالح ذويه والمقربين منه، ولم تسع يوما إلى كسر تلك المنظومة أو إصلاحها أو تغييرها وإنما حرصت على استغلالها وتوجيهها لصالحها لتأبيد حكمها وضم أكبر عدد من رجالات العهد البائد إلى العهد الجديد، عهد حكم النهضة.
لم تستثن المؤسسات الأمنية (الداخلية والعسكرية) من سياسة التدجين هذه ولنا في قضايا تسليم البغدادي المحمودي وتداعياتها (تلويح رئيس الجمهورية بالاستقالة ثم قضية رشيد عمار ضدي شخصيا ثم حكم المحكمة الابتدائية ببطلان إجراءات التسليم بعد أن سبق السيف العذل) وقضية كل من وليد زروق (كاتب عام نقابة أعوان السجون والإصلاح) وعصام الدردوري (كاتب عام نقابة أمن المطار) خير دليل على حالة الانحطاط المؤسساتي الذي تشهده المؤسستان.

فأما بخصوص المؤسسة العسكرية، فقد خذلت القيادة العليا لهذه المؤسسة الوطنية (مع تنزيهنا للمؤسسة) العقيدة التي تحكم المؤسسة العسكرية والقيم العليا التي تقود عملها وفلسفتها مما هز ثقة الجماهير في هذه المؤسسة العريقة. ففي موقع أول،  مثلت طريقة تسليم البغدادي المحمودي خيانة للدولة من طرف كل من رشيد عمار وعبد الكريم الزبيدي ومن وراءهم أعضاء الحكومة (وزير العدل ووزير الداخلية ووزير الخارجية) الذين نظموا التسليم وشاركوا في إخفاء العملية عن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ورأس السلطة وممثل الدولة. وفي موقع ثان، مثلت طريقة إدارة القضاء العسكري لملفات شهداء الثورة وما اكتنف المحاكمات من غموض وتعتيم ومحاولات لتدجين القضية وإعدام للحقيقة عامل سخط وغضب لدى الشارع التونسي المغدور في ثورته ورموزها. أخيرا، لم تفلح دعواتي المتواضعة والمتكررة (http://jadal.tn/6524) للقضاء العسكري إلى النأي بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية والسقوط في الدور الرديء الذي تريد النهضة أن تلبسها إياه بتشريكها في تصفية الخصوم السياسيين. ولا مناص في هذا الإطار من ضرورة إلغاء القوانين الاستبدادية كالفصل 91 من مجلة المرافعات العسكرية الذي يكرس قداسة القيادات العسكرية ويضعها فوق طائلة المحاسبة والمساءلة والشفافية. ولعل خير دليل على الفساد الذي طال المؤسسة العسكرية كغيرها من المؤسسات ما جاء في تقرير المجلس الوطني للحريات بتونس حول التجاوزات التي اقترفها القاضي حسني العبروقي (الذي حقق معي في المرحلة الابتدائية)، حيث ورد في تقرير المجلس الوطني للحريات عن الفترة الممتدة من أفريل 2000 إلى ديسمبر 2001 ما يلي :

"في 18 أوت 2000، وبعد تعذيب تواصل عدة أيام بوزارة الداخلية، نُقل لطفي فرحات إلى ثكنة باردو حيث عرض على الملازم أوّل حسني العبروقي بمكتب التحقيق الذي لم يعلمه بأنّه يمثل أمام قاضي تحقيق عسكري و لم يبلغه بالتهم الموجّهة إليه و بحقه في تكليف محام، مثلما يقتضيه القانون، بل قدّم له محضرا جاهزا وطالبه بالإمضاء عليه دون إطلاع، و أمام تردّد المتّهم هدّده جهرا بإرجاعه إلى جحيم حصص التعذيب بوزارة الداخلية.
و رفضت هيئة المحكمة العسكرية بتونس طعون الدفاع المقدمة بجلسة يوم 31 جانفي 2001 حيث جاء بنص الحكم : "و حيث أنّ ما أثاره المتهم لطفي فرحات و سانده فيه لسان الدفاع بشأن تعرّض الأوّل في الذكر للتعذيب من طرف الباحث مردود عليهما إذ أنّه لم يسبق للمتهم أن أثار ذلك عند مثوله أمام قاضي التحقيق فضلا عن عدم معاينة ذلك عليه من طرف هذا الأخير خاصة و قد مكنه المشرع صلب مجلة الإجراءات الجزائية من حق طلب العرض على الفحص الطبي لإثبات تعرضه للعنف من قبل الباحث في صورة حصول ذلك غير أنّ المتهم لم يطلب ذلك""

وأما بخصوص قوات الأمن الداخلي، فقد حرصت الحكومة على استعمال نفس رجالات العهد البائد الذين امتهنوا التجسس على التونسيين في الشارع والمنازل والسجون، فقامت بترقية مديري السجون ممن أشرفوا على تعذيب المساجين السياسيين (كشاكر العاشوري مثلا، مدير سجن الكاف في عهد المخلوع والذي تم تعيينه من طرف الترويكا مديرا لسجن المرناقية، والذي أشرف شخصيا على تعذيب المناضل عبد الرؤوف العيادي بين 2005 و2007).
تدجين وزارة الداخلية يمر كذلك، في عهد النهضة، عبر الاختراق الأيديولوجي، حيث أن آلاف التعيينات في سلك الأمن تتم على أساس الولاء الحزبي ولعل من أخطر هذه التعيينات هو تعيين وجوه معروفة بولاءها للحزب الحاكم على رأس مراكز تكوين الإطارات الأمنية وما يعنيه ذلك من مخاطر الأدلجة والتوجيه لعمل رجل الأمن مما يحيد بالمؤسسة الأمنية عن طريق المأسسة الجمهورية.
هذا التدجين يمر أيضا بالتضييق على النقابات الأمنية إما بالترغيب عبر الإغراءات والترقيات لإخضاع بعض النقابيين أو محاصرة العمل النقابي وضربه عبر التتبعات العدلية والعقوبات الإدارية التعسفية لكل من تخول له نفسه الصدح بالحقيقة وانتقاد عمل الوزارة وكشف مواطن الخلل.
يمر التدجين أيضا عبر الإبقاء المتعمد لحالة الفراغ القانوني الذي يشكو منه عمل أعوان الأمن الذين غالبا ما يخضعون للتعليمات الغامضة في أحسن الأحوال والمتضاربة والاعتباطية في أسوءها، مما يجرهم إلى الاجتهاد والارتجال في التدخلات وفي حماية المواطنين والممتلكات الخاصة والعامة وخاصة في حماية أنفسهم. هذا الفراغ القانوني وما ينجر عنه هو مصدر التجاوزات التي غالبا ما يقدم فيها رجل الأمن ككبش فداء في آخر المطاف. كما أن الإبقاء على سياسة الفراغ القانوني والتعليمات هي التي سمحت في الماضي ومازالت للسلطة التنفيذية باستغلال رجل الأمن وتطويع وزارة الداخلية لخدمة المآرب السياسوية للحزب الحاكم.






في الجزء 2 :


2- هل نحن ماضون إلى مواجهة؟






3- من سيواجه من؟

jeudi 4 octobre 2012

متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد


متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد
02 أكتوبر 2012


على خطى آبائهم وأجدادهم المقاومين الفلاقة، أبناء جبال قبرار وقارة حديد، أبناء خنقة هداج وجبل بوهدمة، جبل مقلي وقصر الحدادة، ناب الكلب وأم الغنائم، أم العلق وجبل قطرانة... خرج أبناء سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010، خرج أولاد الحفيانة ليكتبوا تاريخ تونس الجديد ويرسموا أسمى صور الشموخ والعز والظفر متحدين في ذلك الحديد والنار فطردوا رأس النظام والمستبد الداخلي كما فعل آباؤهم من قبل لما دفعوا المستبد الخارجي إلى وراء حدود الوطن المفدى. كذلك تنسج حرائر سيدي بوزيد، منذ بزوغ الفجر وميلاد التاريخ، على آثار أمهاتهن خريطة تونس على أيديهن بالدم والحلفاء. على آثار الأجداد، يكتب شباب سيدي بوزيد تاريخهم وتاريخ تونس شعرا وغناء بأبلغ الكلام وأرقى الصور كما جسدته ليلة 02 أكتوبر 2012 ببوزيان والعمران. أنصح كل من يحتاج إلى درس في فن المقاومة والشموخ والانتصار للحق بليلة واحدة في بوزيان، إنها ليلة بألف شهر.






نحن فعلا في حاجة، كلنا، للحج إلى أراضي سيدي بوزيد الطاهرة وتربتها الزكية التي ارتوت من دماء الأجداد في 1954 ثم من دماء الأحفاد بعد نصف قرن، علنا ننهل من أخلاق أهلها نفسا ثوريا وروح مقاومة ونضال بمضمون وشكل راقيين لم تشهد لهما تونس مثيلا.





كنت  قد تحدثت في مقال سابق، بتاريخ 11 أوت 2012 وتحت عنوان "سيدي بوزيد... والمافيا " وبعد زيارة للجهة، عن مافيوزية الحزب الحاكم في تعاطيه مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية بسيدي بوزيد وحضور القمع الشرس والممنهج مقابل انسحاب فادح للدولة من كل دور في الولاية التي مثلت ولا تزال القلب النابض للثورة. هذا التخلي رافقه منذ ذلك الوقت تطور لافت للعنف السلفي بوجهيه المادي والمعنوي لترويع الأهالي ومحاولة فرض نمط عيش وقوانين موازية لقوانين الدولة فهما ومفهوما. ولا أرى، بعد زيارتي الأخيرة إلى سيدي بوزيد وبعض معتمدياتها يوم الثلاثاء 02 أكتوبر 2012 أن الوضع قد تغير...

كما أن تمثيلية السلطة التنفيذية في الجهة والتي فرضت فرضا وإسقاطا على أبناء الجهة، على أساس الانتماء السياسي والولاء للسلطة التنفيذية، فشلت في كسب ثقة منظوريها وتسيير الشأن العام بما يخفف من شدة الاحتقان والإحباط الذين غلبا على الجو العام. ويمكن الجزم بأن تحزيب السلط المحلية، وخاصة في سيدي بوزيد التي لم تصوت للحزب الحاكم، ينم عن غباء سياسي وافتقار  للتبصر والتصور الإستراتيجي لكيفية حلحلة "الحالة  البوزيدية" وفهمها. ولكن ما الحالة البوزيدية؟

في الواقع، لا تختلف "الحالة البوزيدية"، على الأقل موضوعيا، عن حالة العديد من الجهات التي لم تر إلى حد الساعة، أي بعد مرور عشرين شهرا على هروب المخلوع، أي تغيير ملموس على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. انسداد الأفق هذا رافقته سلسلة من الأزمات السياسية والهزات الاجتماعية التي لم تزد الطين إلى بلة والجو اختناقا واحتقانا. فبين حملات القمع الممنهجة في الحنشة والمهدية وسيدي بوزيد والفحص وغيرها من الولايات، وبين موت العشرات من شباب تونس إما غرقا أو تحت التعذيب البوليسي الذي ما انفك يزداد... ومع ارتجال الحكومة وارتباكها في أكثر من موقف وانقسامها في أكثر الملفات... ومع غياب إرادة سياسية صادقة في حلحلة الملفات الكبرى كالقضاء والإعلام وهيئة الانتخابات... يرى الرأي العام أن هناك نية مبيتة لدى الحزب الحاكم لتأبيد حكمه والالتفاف على مطلب الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة... كل هذه العوامل متضافرة، تسهم في خلق حالة احتقان عام شمل كل الولايات وكل شرائح المجتمع.

إلا أن "الحالة البوزيدية" تحيلنا إلى فلسفة خاصة في التعاطي مع هذا الوضع. لقد اخترات سيدي بوزيد طريق المقاومة والنضال بلا هوادة أو تنازل في المطالبة بحق أبناء الجهة المشروع في الخروج من حالة التهميش والتفقير. ويمكن توصيف "الحالة البوزيدية" بأنها حالة ثورية بالأساس وبامتياز. إذ ما ذنب أبناء سيدي بوزيد إن كانوا ثوارا أبناء ثوار؟ ما ذنبهم إن كانوا يتنفسون ثورة ويتقدون مقاومة؟





"الحالة البوزيدية" لها تمظهراتها في شعر أبناء سيدي بوزيد، في كلامهم وخطاباتهم وغنائهم، وليت باقي جهات الجمهورية تقتدي ب"الحالة البوزيدية" حتى تصير حالة تونسية!
ويمكن القول أن ساسة تونس الجدد تفطنوا لهذه الحالة وخطورتها على مصالحهم المتشابكة. إذ أن البوزيديين، وعلى عكس ما يروج، لا يتظاهرون استعطاء أو طلبا للصدقة. هم يتحركون بناء على وعي سياسي راق بضرورة كسر تلك المصالح وإعادة رسم الخارطة السياسية والاقتصادية (مع تشابكهما) من أجل تحقيق الانعتاق والتحرر السياسيين والاقتصاديين وإنهاء التبعية والتهميش.





كما أن البوزيديين يرفضون أن يلدغوا مرتين، هم لم ينسوا أن الطيب المدب ضيفي أحد أكبر مقاتلي ملحمة قبرار في أكتوبر 1954 ، لم يظفر كغيره من الفلاقة الأحرار، بأكثر من عمل في الحضائر تكرم عليهم به .... الباجي قايد السبسي بعيد الاستقلال في حكومة بورقيبة، تلك الحكومة التي كغيرها من اللاتي تلتها، همشت واحتقرت، بسياساتها الجهوية العنصرية، ثلاث أرباع الجمهورية لصالح مناطق بعينها...
أبناء سيدي بوزيد يريدون ثورة إقتصادية مبدعة، تبتكر منوالا تنمويا يقطع مع ما عهدوه من تفقير وتهميش ليرتقي إلى مستوى الثورة لا مسكنات مهينة ومذلة.
"الحالة البوزيدية" خطر على النظام الذي لم يسقط بعد والذي دافع عن نفسه وحافظ على جذوره في 14 جانفي 2011 مع تغيير الرأس بآخر إخواني مع الإبقاء على التحالفات المالية والاقتصادية (مع تحويرات طفيفة تخدم الأجندات السياسية للمنافسين الجدد على السلطة).
"الحالة البوزيدية" خطر على النظام الذي يكتشف بذهول قدرة سيدي بوزيد على الصمود والمقاومة وخاصة التوحد ضد مخططات السلطة ومحاولاتها البائسة لزعزعة سيدي بوزيد وبث الفتنة داخل صفوفها من أجل تشطيرها وتقسيمها قرى ومعتمديات وعشائر... دون جدوى...
ولكم في ليلة 02 أكتوبر 2012 آية في روعة المقاومة البوزيدية، ذلك أن أبناء بوزيان، بحسهم الثوري المرهف، أبوا أن يحتفلوا بالإفراج عن أبنائهم في نفس اليوم وفضلوا تنظيم مسيرة سلمية مساندة لسجناء الجارة العمران والمطالبة بالإفراج عن كل المعتقلين.
لم تثنهم شراسة البوليس والمداهمات الليلية بالقنابل المسيلة للدموع ولا ترويع النساء والأطفال والاعتداء على جرحى الثورة ومحاصرة القرى والأرياف والمعتمديات عن مواصلة النضال والمقاومة من أجل تحقيق الحرية والكرامة.

فمتى يا سيادة الرئيس، يا ساسة تونس الجدد، متى ستطأ أقدامكم أرض سيدي بوزيد الطاهرة؟
















أيوب المسعودي

lundi 24 septembre 2012

عن أي عدل يتحدثون؟


عن أي عدل يتحدثون؟



حملت صوتك في قلبي و أوردتي"                   " فما عليك إذا فارقت معركتي
أطعمت للريح أبياتي وزخرفها "                    "إن لم تكن كسيوف النار قافيتي
آمنت بالحرف .. إما ميتا عدما"                    " أو ناصبا لعدوي حبل مشنقة
آمنت بالحرف .. نارا لا يضير إذا "                    "كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي !
فإن سقطت .. و كفى رافع علمي "                    "سيكتب الناس فوق القبر : " لم يمت


محمود درويش


أهدي هذه القصيدة إلى نخاسي الثورة الذين يلهثون وراء بترودولارات قطر وwall street ليتاجروا بشهداءنا وجرحانا وعذاباتنا وآمالنا في بناء وطن ينصفنا من الظالم الداخلي ويدفع عنا شر ومطامع العدو الخارجي، أهديها إليكم رئيسا رئيسا، وزيرا وزيرا، جنرالا جنرالا, لن يثنيني عن ذلك بهرج محاكمكم ولا زيف تحقيقاتكم أو جور أحكامكم... ولن يخيفنا توعد وزيركم بإعدامنا.
لن أتحدث في هذا المقال عن قضيتي مع السلطة السياسية ومسرحية المحكمة السياسية عسكرية الإخراج ترويكية التخطيط، فقضيتي محسومة منذ أن قررت الخروج عن بيت الطاعة والولاء للسلطة والرجوع إلى الرشد بالعودة إلى صف الثورة. قضيتي محسومة لأنني انتصرت عندما استجبت لنداء الضمير والثورة ولا يهمني ما سيصدر أو صدر من حكم...

قضيتي اليوم، قضيتكم و قضيتنا هي قضية المرحوم عبد الرؤوف الخماسي، أصيل الجريصة وذي الأربعين ربيعا، اختطفته أيادي الموت وهو يرافق زوجته المريضة في طريق العودة من حصة العلاج الكيمياوي بمستشفى صالح عزيز. اختطفته أيادي الظلام لتيتم إبنه محمد آزر (أنظر الصورة أدناه) وتترك زوجته تصارع المرض وحيدة وامه تحترق لوعة. رؤوف  ذو  الأربعين ربيعا، وحسب أقوال أمه، كان يعيش حياة عادية يقتات بعرق جبينه ليعيش بكرامة مع زوجته وإبنه.


محمد آزر إبن المرحوم رؤوف الخماسي



والدة رؤوف الخماسي تتحدث عن إبنها

إليكم فيما يلي حوصلة لأهم أطوار القضية وملابساتها موثقة بتصريحات أفراد العائلة وصور عن أهم الوثائق المضمنة بملف القضية: 


28 أوت 2012

الثالثة والنصف بعد الزوال : إختطاف رؤوف من أمام مستشفى صالح عزيز لينقل إلى مركز الشرطة عمر بن المختار، وقد رافقت المدعوة ليلى الفندري (واسمها الحقيقي زهرة ألفندري) أعوان الأمن في  واقعة الاختطاف
الخامسة بعد الزوال : رؤوف يدخل في حالة غيبوبة بعد تعرضه للتعذيب من طرف أعوان الأمن دون أن يتم إعلام العائلة بذلك. ومن الملفت أن المدعوة ليلى الفندري، ذات الثراء والنفوذ، كانت على اتصال حثيث مع أعوان الأمن وكانت على علم بحالة رؤوف وحيثيات التحقيق...


30 أوت 2012

الواحدة بعد الزوال : والد رؤوف، بعد مشقة البحث في العديد من المراكز (القرجاني، بوشوشة...)، وعبر وسائل خاصة ودون أي مساعدة من الجهات الأمنية والرسمية، يصل إلى مركز عمر ابن المختار ليستفسر عن مكان احتجاز رؤوف واسترجاع وثائق علاج زوجته... فتم إعلامه بأن رؤوف موقوف لديهم وتسليمه وثائق علاج زوجة رؤوف.
الرابعة بعد الزوال : تم الاتصال بوالد رؤوف من مركز الأمن بسيدي حسين وإعلامه بأن إبنه بالمستشفى


31 أوت 2012

السابعة مساء : عائلة رؤوف تزوره بالمستشفى وتكتشف أنه ميت سريريا


السبت 08 سبتمبر 2012

وفاة رؤوف الخماسي على الساعة الثامنة وخمس دقائق مساء بمستشفى شارل نيكول (أنظر الشهادة الطبية أدناه)، في نفس اليوم، يأذن قاضي التحقيق بمكتب التحقيق عدد 04 بالمحكمة الابتدائية بتونس 02  بفتح تحقيق في الغرض، وذلك بعد مرور 12 يوما من تاريخ الاختطاف (أنظر محضر البحث أدناه)!

شهادة طبية للوفاة

محضر البحث



الإثنين 10  سبتمبر  2012
الإذن بالتشريح للتحقق من ظروف وفاة رؤوف الخماسي، وحسب تقرير الطب الشرعي، فإنه من المستبعد أن يكون النزيف الدماغي الذي كان وراء وفاة رؤوف، نتيجة سقوط المرحوم من كرسيه أثناء التحقيق، والأرجح أن يكون قد تعرض للضرب بواسطة جسم صلب على مستوى الجمجمة... هذا إلى جانب ما عاينه والد المرحوم أثناء تغسيل إبنه من آثار تعذيب وضرب في عدة أماكن من جسد الفقيد (أنظر تقرير الطب الشرعي والحوار مع والد رؤوف أدناه). 



تقرير الطب الشرعي حول وفاة المرحوم  رؤوف الخماسي - صفحة 1

تقرير الطب الشرعي حول وفاة المرحوم  رؤوف الخماسي - صفحة 2



تقرير الطب الشرعي حول وفاة المرحوم  رؤوف الخماسي - صفحة 3



والد المرحوم رؤوف الخماسي يتحدث عن القضية


ولكن الوجوه المسالمة اليائسة تخفي صرخة بركان، صرخة غضب من الإحساس بالظلم والحيف والاحتقار. أليس من أمهات الأحكام في ديننا الحنيف ما جاء في الآية 58 من سورة النساء في قوله تعالى : ... وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ... فأين العدل وقد تم استنطاق أعوان الأمن المتهمين ولم يتم الاستماع إلى عائلة المرحوم رؤوف إلى اليوم رغم إصرارها على الإدلاء بالشهادة في القضية وخاصة فيما يخص الدور المشبوه للمدعوة ليلى الفندري في ملابسات الاختطاف والتحقيق والتعذيب (أنظر الفيديو أدناه)... 

أسامة الخماسي شقيق المرحوم رؤوف الخماسي يتحدث عن تعامل القضاء مع العائلة


كيف يمكننا أن نحلم بالأمن والعدل في غياب سياسات أمنية وقضائية (إن لم نقل غيابا للسياسة) تتجه إلى الإصلاح وإرساء أمن يكون في خدمة أمن المواطن وعلوية القانون ومؤسسات الجمهورية بدل خدمة السلطة على حساب القانون والمؤسسات ومصلحة المواطن؟ كيف لنا أن نحلم بقضاء يكون ملاذا للمستضعفين والمظلومين وحصنا أمام محاولات تغول الأقليات الثرية أو الحاكمة (مع وجود تشابك وترابط عضويين بين الإثنين) على الأغلبية المستضعفة (أنظر مقالي بعنوان "عن أي ثورة يتحدثون؟")؟
كيف لنا ذلك وسياسات الحكومة تنزع إلى تدجين القضاء وتركيعه وتطويعه من أجل خدمة الأجندة السياسية للأقلية الحاكمة؟ كيف لنا ذلك ووزير العدل، المنتمي إلى السلطة التنفيذية، والرئيس "الفعلي" للمجلس الأعلى للقضاء، مشهر سيف سلطته التأديبية على القضاة ليعين ويعفي ويرقي وينقل كما لذ لسياسة حكومته وطاب...؟ كيف يمكن أن نتحدث عن عدالة إنتقالية (إن لم نقل انتقائية انتقامية) ووزير العدل يعلن في جنح الظلام عن بعث "قطب قضائي" سيعجل في النظر في قضايا الفساد وذلك في غياب إطار قانوني واضح ودون تشريك أهل الاختصاص من قضاة ومحامين وقانونيين جامعيين وحقوقيين في رسم تصور للعدالة الانتقالية؟ هل سينسج وزير العدل، في تعيين مسيري هذا القطب، على نفس النحو الذي أعفى به عشرات القضاة؟
لا أمل في قضاء مستقل والسلطة التنفيذية باسطة يدها على تسيير القضاء وإصلاحه، لا أمل في ذلك ومورد رزق القضاة، مستقبلهم العائلي والمهني... رهين رضا السيد وزير العدل وقراراته الاعتباطية. لقد إرتبط العمران والبناء والتأسيس بالعدل كما أكد على ذلك ابن خلدون، ولم يحد في ذلك عن تصوير الأساطير الإغريقية لمفهوم العدل بصور "أنثى" لما في ذلك من معان للولادة والخصوبة والأمل، فلا أمل بلا أمن، ولا أمن بلا عدل، وإذا غاب العدل فسدت الأرض وعم الخراب البلاد والعباد.

تلك هي الصورة القاتمة للقضاء في تونس اليوم، ولكم في الأثناء، هل من منصف لرؤوف وعائلته؟


أيوب المسعودي

الحقيقة ملك للعموم
لم تخضع هذه الأشرطة، التي صورتها بنفسي بتاريخ 19 سبتمبر 2012 ، إلى أي تركيب.
أدعو كل المدونين والصحفيين إلى إستعمالها



lundi 3 septembre 2012

الحنشة... وميليشيا النهضة

الحنشة... وميليشيا النهضة
02 سبتمبر 2012



هل حدثتكم عن الحنشة؟
هل حدثتكم عن قصتها مع الليل؟
هل حدثتكم عن أطفالها وكبارها، وعن شيبها وشبابها؟
هل حدثتكم عن معركة الحياة والوجود؟
وعن حربها مع بني صهيون؟
حرب مع إرهابية مجندة إسمها وزارة الداخلية؟
...
إنها ميليشيا النهضة يا مولاي



زرت معتمدية الحنشة يوم 02 سبتمبر 2012 للتحدث إلى متساكنيها واستفسارهم عن ما جرى ليلة 23 أوت 2012


بعد زيارتي إلى معتمدية الحنشة من ولاية صفاقس البارحة الأحد 02 سبتمبر 2012، أنقل إليكم في هذا المقال شهادات حية لعدد من متساكني معتمدية الحنشة من ولاية صفاقس حول أحداث أيام 22، 23، 24 و 25 أوت 2012.


إنه لمن المخزي أن تتعامل حكومة الترويكا بهذا الجحود  مع معتمدية الحنشة وأهاليها وتاريخها. لمن لا يعرف عراقة تاريخ معتمدية الحنشة من ولاية صفاقس (40 كم شمال الولاية)، نذكر أن هذه المنطقة قدمت الغالي والنفيس في أهم المعارك المفصلية والمصيرية في تاريخ تونس من مقاومة الاستعمار الخارجي إلى الحرب على الاستعمار الداخلي في انتفاضات 1978 و 1984 ومن بعدها ثورة الحرية والكرامة.

لم تختلف سياية الترويكا مع الحنشة وولاية صفاقس بصفة عامة عن تلك التي تنتهجها مع سيدي بوزيد ومعتمدياتها. وكأن الساسة الجدد مصرون على معاقبة وتركيع معاقل الثورة والمقاومة والصمود، والكل يعرف دور بواسل سيدي بوزيد وصفاقس في الثورة ورصيد هاتين الولايتين الشامختين في تاريخ حركات التحرر والمقاومة الوطنية ضد الاستبداد بوجهيه الخارجي والداخلي. إن حكام ما بعد "الثورة" اختاروا طريق القمع واللجم والإهانة لمعالجة حالة احتقان اجتماعي ما فتئت تزداد حدة وعمقا.

كما أن التوترات التي عاشتها المعتمدية في الآونة الأخيرة، وخلافا لما يروج في بعض وسائل الإعلام، لا تعود إلى مجرد صراع مواقع أوخلاف حول تركيبة الجمعية التنموية بالمنطقة فحسب، بل إن حادثة مؤتمر الجمعية الذي أرادت حركة النهضة وأعيانها وميليشياتها فرضه بالقوة على أهالي الحنشة، وإن مثلت تجليا واضحا لإرادة الهيمنة والإقصاء لدى هذا الحزب، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وأفاضت صبر أبناء المعتمدية وأججت سخطهم على سياسات الممثلين المحليين لحكومة الترويكا.


1- انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي


لقد عانت الحنشة ومازالت من سياسات التهميش والتفقير التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ أكثر من نصف قرن. فعلى الرغم من تموقع معتمدية الحنشة في منطقة استراتيجية (40 كم شمال الولاية على مقربة من الطريق السيارة 1) تجعلها بوابة ولاية صفاقسالأولى، هذه الولاية ذات الديناميكية الاقتصادية العظيمة، فإن الأهالي يعانون الافتقار إلى أدنى مقومات كرامة العيش كالمرافق العمومية الأساسية :
  • بنية تحتية مترهلة
  • شوارع غارقة في الأوحال ومياه الأمطار
  • مستشفى محلي يفتقر إلى أوكد التجهيزات
  • حوالي 2000 منزلا يفتقرون للماء الصالح للشراب (في معتمدية ذات 60000 ساكن)
  • مناطق صناعية استولى عليها أزلام النظام البائد بالدينار الرمزي زمن بن علي لتقبع اليوم مهجورة مهملة دون تمكين شباب الجهة من استغلالها
  • نسبة بطالة عالية (تقارب 23%) خاصة إذا قارنناها بالمعتمديات الأخرى بالولاية... 

هذا كما أن ما رصد من استثمارات بالمعتمدية (15 مليون دينار من أصل 450 مليون دينار مخصصة لكامل ولاية صفاقس) لا يعكس تطلعات أبناء الحنشة المتعطشين لتنمية معتمديتهم من أجل الحد من البطالة والنهوض بظروف عيشهم. كما أن اللافت في المشاريع  القليلة المرصودة هو أن 9 مليون دينار (من أصل 15 مليون دينار) ستوظف لنقل المنطقة الصناعية المعروفة ب Poudrière 2 من الولاية إلى معتمدية الحنشة مع ما سينجر عن ذلك من تلوث وأضرار صحية دون خلق مواطن شغل جديدة.
هذا ومن بين المشاكل التي أثارت سخط أبناء الجهة وغضبهم على ممثلي السلطة المحلية هو مماطلة المسئولين في تسخير مقر مهمل تابع للولاية لصالح أحد المستثمرين الذين قرروا بعث مشروع (يشغل حوالي 350 موطن شغل) مما دفعه إلى الاستقرار بأكودة... الأدهى والأمر هو أن المقر المذكور كان على ذمة أحد أزلام النظام البائد الفاسدين ولم يف بتعهداته في استغلال المقر أو دفع أجرة الكراء ...



2- حضور القمع والترويع والنفاق بدل الوفاق



تقوم سياسة حكومة الترويكا على انسحاب الدولة من كل دور اقتصادي واجتماعي مقابل تفويض ممثليها المحليين (الوالي والقوة العامة الخاضعة له جهويا ومحليا) لكسر كل صوت يطالب بالكرامة والتشغيل والتشريك في تحديد السياسات المحلية والجهوية التنموية منها والاقتصادية والاجتماعية.
لقد أسست القوى السياسية والنقابية والمدنية تنسيقية محلية تضطلع بتمثيل المعتمدية في المفاوضات الاجتماعية مع المسئولين الحكوميين المحليين، وقد أمضت هذه التنسيقية اتفاقا مع الوالي يوم 05 جويلية 2011 يخص عددا من المشاريع (كتهيئة مناطق صناعية بالمعتمدية وتوسيع المستشفى المحلي وتزويده بالتجهيزات الأساسية، بعث مكتب تشغيل محلي بالمعتمدية، استرجاع الدولة للأراضي التي منحت لمستثمرين فأهملوها ووجهوا استغلالها نحو المضاربة العقارية، حتى يتسنى لأبناء الجهة أو الدولة استغلالها في مشاريع مشغلة)... كما أجرت نفس الجهات عددا من جلسات التفاوض مع الوالي الجديد بدأت منذ أفريل 2012 أضفت إلى تحديد خارطة طريق يتم بموجبها الشروع في المشاريع المذكورة قبل 20 جوان 2012، وهو ما لم يتم...

ثم أتت أزمة الجمعية التنموية لمعتمدية الحنشة والتي تمثل برأيي مؤشرا جديدا ودليلا واضحا على النزعة الإقصائية التي تقود سياسات حركة النهضة والتي تنوي من خلالها الهيمنة على مفاصل الدولة والاستئثار بالقرار الوطني والجهوي والمحلي في كل المجالات.

إن طريقة تعاطي حركة النهضة مع هذه القضية تحيلنا على سياسة الإقصاء والانقلاب على التوافق والحوار والتشاور التي يمكن سحبها على تعاطي الحركة مع كل ملفات الشأن الوطني وكذلك تعاملها حتى مع حلفائها في الحكم.

ونذكر بأن الجمعيات التنموية هي من أهم المؤسسات الممولة للمشاريع الصغرى على المستوى المحلي وعادة ما تضخ أموال طائلة في هذه الجمعيات (مئات الآلاف من الدنانير) عن طريق البنك التونسي للتضامن مثلا من أجل إقراض باعثي المشاريع الصغرى. وبالتالي فإن التعاطي مع هذه الجمعيات على أساس المحاصصة الحزبية يشكل خطرا فعليا يهدد الدور الاجتماعي المحلي الذي يهدف إلى مد يد المساعدة  إلى باعثي المشاريع وكل تسييس لهذه المؤسسة أو محاولة وضع أطراف سياسية يدها على مقدرات هذه الجمعيات أو محاولة هيمنة طرف بعينه عليها قد يفتح الباب أمام الابتزاز والاستغلال والتوظيف السياسي قصد شراء الولاءات وخدمة مآرب سياسية ضيقة لا علاقة لها بهموم المتساكنين.

الانقلاب

إن ما حصل يوم 22 أوت 2012 هو انقلاب على مبدأ التوافق ومحاولة من طرف حركة النهضة، بمعية الوالي والقوة العامة الخاضعة له محليا والتي تحولت إلى ميليشيا وعصابة في خدمة أجندة حركة النهضة، لبسط نفوذها على الجمعية واستبعاد كل من يخالفها الرأي والتوجهات في تسيير هذه المؤسسة الهامة.

فقد اتفق حوالي 17 حزبا وجمعية (في غياب حركة النهضة التي رفضت الحضور) في شهر مارس 2012 على توخي مبدأ التوافق في اختيار تركيبة الجمعية التنموية بالمعتمدية. وفي خرق واضح لمبدأ التوافق وتجاوز صارخ للشركاء السياسيين والمدنيين بالجهة، قررت حركة النهضة بإيعاز من الوالي وتحت الحراسة المشددة للميليشيات الأمنية الخاضعة لحركة النهضة،  عقد مؤتمر الجمعية يوم 09 أوت 2012 بالانخراطات المتوفرة إلى ذلك التاريخ. إلا أن القانون الداخلي للجمعية لا يسمح بالانتخابات وهو يربط الانخراط بالجمعية بموافقة المكتب القديم (الذي تم حله بعد الثورة)، وهو ما يخلق فراغا قانونيا ويفرض مبدأ التوافق أخلاقيا وقانونيا، وهو ما دفع بالمواطنين إلى الاحتجاج ورفض عقد المؤتمر بتاريخ 09 أوت.

وإليكم نسخة عن القانون الأساسي للجمعية (أنظروا خاصة الفصول 7 و 13 والتي تنص على أن أعضاء الهيئة "شرفيون")...









هذا وعقدت حركة النهضة العزم على عقد المؤتمر بالانخراطات المتوفرة (143 منخرط محسوب على حركة النهضة من أصل 144) يوم 22 أوت بدفع من والي الجهة الذي أعطى التعليمات لقوات الأمن لفتح دار الثقافة وتسخيرها للغرض. الأمر الذي دفع أهالي الجهة إلى التوجه إلى دار الثقافة للاحتجاج على عقد المؤتمر والانقلاب على الاتفاق الذي أبرمه 17 حزبا وجمعية بالجهة. فما كان من أحد الوجوه المعروفة بانتماءها إلى حركة النهضة (السيد التوهامي درويش) إلا أن وجه تهديدا على الملأ بإدخال كل من تسول له نفسه معارضة انعقاد المؤتمر السجن، متشدقا بمعرفته الشخصية وقربه من وزير الداخلية علي العريض... (أنظر الشهادات أسفله):





الأمر الذي سرعان ما تحول إلى حقيقة حيث قام أعوان الأمن بحملة إيقافات عشوائية لعدد كبير من المواطنين (حوالي 77)، تم إطلاق سراح عدد كبير منهم بعد أن تعرضوا لمختلف أنواع الإهانة والاعتداءات الجسدية والمعنوية وانتهكت حرمات المنازل وأعراض الناس.



3- شهادات أهالي معتمدية الحنشة حول أحداث 23، 24 و 25 أوت 2012



يجدر الذكر أن بعض الشهود لقوا حرجا في ذكر الألفاظ والعبارات النابية التي تلفظ بها أعوان الأمن من قبيل ما توجه به أحد أعوان الأمن إلى مواطن كان يطل من شرفة منزله رفقة زوجته حيث خاطبه قائلا "أدخل أنت و الق... متاعك يا ميب...". كما سمعت في أكثر من شهادة أن أعوان الامن كانوا يرقصون في الشارع منادين "أخرجوا لنا نساءكم لنفعلوا كذا وكذا....".

وأترك لكم الاستماع إلى بقية الشهادات الغنية عن كل تعليق:



قنبلة مسيلة للدموع ألهبت وسادة بمنزل أحد متساكني الحنشة... ماذا كان سيحصل لو أنها أصابت طفلا؟؟؟

حتى الرضع لم يسلموا من القنابل المسيلة للدموع