mardi 11 décembre 2012

الثورة، الاتحاد،أزمة السلطة، الإضراب العام، من سيواجه من، وإلى أين؟

الثورة، الاتحاد،أزمة السلطة، الإضراب العام
من سيواجه من، وإلى أين؟
الجزء 2/2
11/12/2012

أيوب المسعودي







مقدمة - عندما يحل العنف... تختفي الدولة 

منذ شهرتحديدا، شرعت في كتابة الجزء الأول من مقال تحت عنوان "من سيواجه من؟" حاولت من خلاله تحليل المشهد السياسي التونسي وتفكيك الخارطة السوسيوسياسية كخطوة أولى لا مناص منها نحو استجلاء واقع الثورة التونسية والتوازنات السياسية التي تحكمها قبل محاولة استقراء مستقبلها. وقد خصصت الجزء الأول، الذي كتبته في ظرف اتسم بطغيان العنف المادي والمعنوي على المشهد السياسي قبل أن ينتقل إلى الشارع، للإجابة عن السؤال التالي : "من المسؤول عن هذا العنف؟" بأن الخطاب السياسي التحريضي من هذا الجانب (ترويكا) وذاك (معارضة) هو المسؤول الأول عن تردي الأوضاع واستفحال العنف وانتقاله إلى الشارع. العامل الثاني المغذي للعنف هو التهميش والفقر والذي يجعل من الأوساط الشعبية ()(الأحياء الشعبية، الأرياف، المناطق المعزولة أرضية خصبة لنشر الأفكار الظلامية والتكفيرية التي تؤجج نيران الفتن العقائدية والانقسامات الدينية تحت مسميات الحاكمية وما تزرعه لدى الشباب التائه من أفكار متطرفة ونبذ للمجتمع لتعمق بذلك عزلته وتهميشه وفقره ونقمته على الدولة. ثالثا، لا يساعد ما أنتجته عقود الاستبداد من تصحر فكري وسياسي وافتقار مجتمعنا للثقافة الديمقراطية وتهميش دور المدرسة والجامعة في تكريس الفكر النقدي واحترام التعددية والاختلاف في الرأي في تهيئة العقليات للحوار والاختلاف. أخيرا وليس آخرا، غياب مؤسسات قضائية وأمنية جمهورية ومحايدة تتصدى للعنف بقوة القانون وبعيدا عن الزبونية والتوظيف السياسي فتستحق بذلك شرعية الاستئثار باستعمال العنف.


إذا كان العنف، طوال التاريخ، ملازما للسلطة وآلياتها وخطابها إن لم نقل كامنا فيها، فإنه ما فتئ يهدد استقرارها واستمراريتها وربما حتى وجودها في شكلها "السياسي"، كما ذهبت إلى ذلك المفكرة حنا آرندت، بما أن السياسة والعنف يتعارضان (مع التمييز هنا بين السلطة والسياسة)، و"متى حل العنف اختفت السياسة"، وعندئذ يلجأ "السياسويون" إلى تبرير العنف والرش والهراوات... إلا أن الفعل السياسي لا يحتاج إلى تبرير، أما العنف، فعلى نقيض السياسة، يوجب التبرير والمناورة والكذب، ويولد ... العنف.
 وإذا كان العنف ملازما للثورات، ولم تستثنى ثورتنا من هذه القاعدة، فإن الخطر، كل الخطر، يكمن في اختفاء "السياسة" ومواجهة الكل للكل لتفرغ الثورة كل طاقتها في التخبط وتوجه فوهة المدفع إلى رأسها، إن تشظي النخبة السياسية (سلطة ومعارضة) وتخبطها في التناقضات وضعفها وعجزها عن إعطاء مشروع الثورة شكله ومضمونه وفعله السياسي الخالص والصادق على أساس خط ثوري يحقق الفرز الضروري بين قوى الثورة وأعدائها هو الذي يقف وراء غموض المشهد وانعدام الرؤية وانسداد الآفاق. وكما ذهب إنجلز في "دور العنف في التاريخ"، فإن العنف سابق على ظهور مفهوم الدولة التي أتت ل"تحتكر" العنف وتنظمه، العنف إذا ناتج عن الواقع الاجتماعي الذي نعيشه وفشل الثورة في إعادة توزيع الثروة والاعتبار والواقع السياسي المطبوع بالارتباك والفشل في إرساء دعامات الديمقراطية ومؤسساتها... غياب الدولة هذا أربك المجتمع وأفقده بوصلته ودفع إلى الاعتقاد بأن لا سبيل لافتكاك بعض الفتات إلا ... ب"التدافع الاجتماعي"... أي بالعنف!

هل نحن ماضون إلى المواجهة؟

خلال الأشهر المنصرمة، جدت أحداث أقل ما يمكن أن يقال فيها هو أنها تؤشر لانفجار العنف في كل مجالات الحياة وعلى كل الواجهات، عنف الدولة في مجابهتها للتحركات الاجتماعية وآخره، في أبشع صوره، في سليانة، عنف الدولة في تعاطيها مع إضرابات الجوع في السجون والذي أودى بحياة شابين تونسيين في مقتبل العمر، العنف المنظم القاتل في تطاوين والاعتداء على النقابيين أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، عنف ساسة تونس الجدد وتهديدهم لكل من ينتقدهم، حتى وإن كان من آل البيت (رئيسا لجمهورية)، بتصفيته (سياسيا)، العنف في المساجد التي تم تدنيسها ببعض الخطب التكفيرية المحرضة على الاحتراب وقتل "الشيوعيين" و"اليساريين" و"الماركسيين"، عنف بعض القادة النقابيين في خطابهم التخويني الترهيبي الموجه إلى كل من يمتنع عن الإضراب، وكذلك عنف الجماعات المتطرفة على حدودنا الوطنية حيث اتخذت التنظيمات الإرهابية مرتعا لها تسفك  الدماء وتروع المواطنين!

تضافر هذا العنف مع الغياب الفادح  للسياسة والانكماش الخطير للاقتصاد والتخوف من المستقبل وخطر مواجهة الكل للكل بالإضافة إلى خطر الإرهاب الداهم على حدودنا شرقا وغربا وبحرا، كلها عناصر تفرض علينا وقفة مسؤولة مع الذات ومراجعة مسار الثورة في تونس وتموقعها على رقعة ما يسمى بالربيع العربي  قبل أن تتجاوزنا الأحداث الوطنية والإقليمية ونصل إلى نقطة اللا عودة، نقطة انتفاء الدولة وحلول الفوضى!
في هذه الظروف يصبح الجواب على السؤال "هل نحن ماضون إلى المواجهة" بديهيا : نحن ماضون في مواجهة شبح الخراب والدمار المقدم علينا من الداخل والخارج، فإما أن نولي الأدبار ونسترسل في صراعاتنا وخلافاتنا ونستسلم لقوى التقسيم والتشطير ومخططات الاستعمار الجديد المتربص بوطننا (الوطن العربي الكبير) وإما أن نترفع على الأحقاد السياسية والتاريخ والجغرافيا والواقع المتعين ل"إدراك ماهية السياسة" كما يرى أفلاطون ونعي بحقيقة المخاطر ونفهم أننا، وإن اختلفنا على تقسيم فتات الكعكة، سواسية أمام الخطر الداهم الذي سيقضي على الأخضر واليابس ويلغينا جميعا.

من سيواجه من؟

نحن التونسيون، السلفيون منا والشيوعيون والماركسيون والليبراليون والإسلاميون والعلمانيون والحداثيون والتقدميون،  سنواجه بلا هوادة سويا الروح الأمارة بالديكتاتورية التي تعشعش في كل واحد منا، إنها تلك الروح والعقلية المتغلغلة في تقاليدنا المجتمعية من مؤسسة العائلة إلى المدرسة إلى الجامعة والجمعيات والأحزاب... علينا أن نواجه سويا رواسب الاستبداد العالقة بأذهاننا وأن نترفع على المعتقد السائد القائل بأن من يتنازل ويذهب إلى الحوار فهو خائن. الخائن هو من يتلاعب بتضحيات الشهداء واستحقاقات الثورة لينساق وراء مطامح الأشخاص والأحزاب، وإن بأغطية دينية وأخرى أيديولوجية، فتذهب أرواح التونسيين ودماؤهم هباء!

إلى أين؟

أرى أنه يمكن للنخبة السياسية (حكومة ومعارضة وفاعلين مدنيين وسياسيين ونقابيين) الانكباب للتوافق على رسم خارطة طريق واضحة تتمحور حول مبادئ دنيا مشتركة وأهداف محددة يمكن حوصلتها في النقاط الخمس التالية، حسب الأولوية والخطورة:


في أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل

لنتفق أن الاتحاد منظمة نقابية وطنية راوحت في مهماتها وأدوارها، طوال التاريخ، بين السياسي والاجتماعي والوطني، وبين التماهي والصراع مع الحزب الدستوري، وشكلت في حقبات عديدة عامل توازن سياسي خاصة في المراحل "الكليانية" للنظام التونسي مما جعله دائما مستهدفا، ففي الفترة الممتدة من 1963 إلى  1978 مثلا، وعلى إثر محاولة انقلاب فاشلة في ديسمبر 1962، لم يفوت بورقيبة الفرصة لحل الأحزاب السياسية وحظر الصحافة الحزبية كما قرر المجلس القومي للحزب الدستوري (مارس 1963) آنذاك فرض رقابة لصيقة على كل المنظمات وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل وفرض تصور الحزب (الدولة) لتلك المنظمات ك"خلايا للحزب الحاكم" تخدم سياساته وتعمل بتوجيهاته.
وبعيدا عن التملق والتزييف، وإذا كانت في مراسلات الشهيد فرحات حشاد مع الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة  دلالات واضحة على حرص الرجل على استقلالية المنظمة الشغيلة عن الأحزاب السياسية وخاصة الشيوعية منها، فإن "مقتضيات السياسة" دفعت بعض القادة الرموز، ومنهم المناضل الحبيب عاشور، لاحقا، إلى الإعلان عن الولاء المطلق لسياسة بورقيبة ونهجه... قبل المواجهة التاريخية مع النظام في 26 جانفي 1978... ربما كان ذلك لغاية في نفس يعقوب أو لتجنب التصادم مع الآلة الدستورية التي كانت في أشدها آنذاك واقتداء بالمقولة المعروفة في الأوسط النقابية : "نحافظوا على الشقف"، "الشقف" هنا هو الاتحاد بالطبع.


تعاليا على التاريخ، وحتى لا نسقط في فخ قراءاته الجزئية، لن أدخل في مقارنة الظرفين، وإن تعددت أوجه التشابه، فالسياقات وموازين القوى والمشهد السياسي مختلفة. كما آمل في أن يعتبر التونسيون من دروس التاريخ ليتذكروا أن مواجهات 26 جانفي 1978 اندلعت على إثر طلقة نارية مجهولة المصدر لتسقط أرواح مآت الشهداء وتسفك دماء الأبرياء.

لا يمكن لأزمة الاتحاد أن تحل كليا في الشارع، ذلك أن مخاطر الانزلاق نحو الأسوء متعددة وتكاليف الانفلات وخروج التحركات عن سيطرة هذا الطرف أو ذاك، في ظل الظروف الأمنية الحالية، قد تكون باهظة. هذا إلى جانب التكلفة السياسية التي يمكن أن يدفعها الاتحاد بكشف أوراقه وقوته الميدانية وقدرته على الحشد والتحريك. تكتيكيا، أرى أن الاتحاد حقق نصرا كبيرا على واجهتين: الأولى عندما ساند بلا هوادة أهالي سليانة في مطالبهم المشروعة لإقالة الوالي والاستجابة لمطالب التنمية العادلة بالجهة، والثانية عندما تحرك الشارع التونسي بشقيه المدني والسياسي للتنديد بالإعتداء على مقر الاتحاد. بعد هذا الانتصار، أولى بالإتحاد أن يقوم بتراجع استراتيجي محسوب، لينظم صفوفه ويحاول استيعاب الدروس من هذه المعركة استعدادا لمعارك أكبر. أملي أن لا يقترف الاتحاد خطأ الحكومة في سليانة حين اختارت طريق المكابرة والتعنت فكان مصيرها الخسران. هذا في اعتقادي، ما تحاول بعض الأطراف جر الاتحاد إليه، لتنسى الشعب هزيمتها في سليانة.
 كما لا يمكن لهذه الأزمة أن تحل في أروقة القضاء الذي لم يهتد بعد إلى طريق حياده، والذي لا تريد له السلطة التنفيذية الحالية ذلك. كما أن القول بأن القضاء تعهد بالتحقيق في التجاوزات ينم عن إرادة في دفن الأزمة وإنكار وجودها أصلا وهنا يكمن الداء! فقد تداول على المنابر الإعلامية خطباء الترويكا ليبرروا العنف ويفندوا الاتهامات... لنعود إلى المشكل الأصلي المتمثل في غياب السياسة وحضور العنف الذي يستوجب التبرير... وهنا يأتي دور السياسية وضرورة الاعتراف بالأزمة قبل حلها  حل الأزمة السياسية التي أتحدث عنها لاحقا.
علينا نحن كتونسيين، كل التونسيين، أن "نحافظ على الشقف". كيف لا نحمي الاتحاد وهو الضامن الوحيد، اليوم، لتوازن المشهد السياسي والقادر الوحيد، بدفع من قواعده، على حمل لواء الدفاع عن العمال وحقوقهم الاجتماعية؟ وفي ظل المشهد السياسي الحالي الذي يعرف استقطابا حادا بين حزبين محافظين اقتصاديا (المحافظة على المنظومة الاقتصادية القديمة ذات التوجه الليبرالي المتوحش)، وعلما بتوجه الترويكا نحو إقصاء أعمدة نداء تونس (منافسها في استقطاب التجمعين)، فمن واجبنا جميعا أن نحمي الاتحاد الذي ستوكل له مهمة مواجهة الحزب الواحد والوقوف مع الشعب في مواجهة الرش والهراوات!

حب الاتحاد لا يجب أن يعمينا عن انخراط بعض القيادات، وإن بدرجات متفاوتة وفي مراحل معينة، في منظومتي الفساد والاستبداد. ولا أحد أقدر من قواعد الاتحاد أنفسهم، أولئك الذين فرضوا على المركزية النقابية الالتحاق بركب الثورة في آخر أيامها، من إصلاح الاتحاد من الداخل بطريقة سلمية وديمقراطية حتى "نحافظ على الشقف" ونحميه من الهراوات والأحزاب على حد السواء!


في الأمن القومي

أنا لا أؤمن بالصدفة، خاصة في السياسة، ولا أعتبر الهجمات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت حدودنا الغربية حادثة تاريخية عابرة وإنما حدثا جللا وجب الوقوف على دلالاته والتفكر في تداعياته: عندما تقدم الجهات الرسمية هذه الجماعات المتطرفة على أنها تتمتع بتجهيز وتدريب جيدين، وأن لها قواعد تدريب في مناطق وعرة وصعبة الوصول، فأول تساؤل يساورني هو هل لقواتنا المسلحة علم بمكان هذه القواعد؟ هل يتواجد هؤلاء المارقون على التراب التونسي أم الجزائري؟ وإذا كانت السلطات تجهل مكانهم، ما مدى تنسيق قواتنا المسلحة مع نظيرتها في الشقيقة الجزائر؟ ثم ما مدى استعداد الدولة الجزائرية للتنسيق بعد أن شهدت علاقاتنا بالجارة الكبرى فتورا لم تعرفه من قبل حالت دون انعقاد القمة المغاربية التي كانت مبرمجة في أواسط أكتوبر الفارط؟ وكيف لا تتدهور العلاقة مع الشقيقة الجزائر بعد سيل التصريحات اللا مسؤولة لمسؤولينا السياسيين سواء تعلق الأمر بالسياسة الداخلية الجزائرية مرورا بالانتخابات التشريعية إلى العلاقة مع المملكة المغربية وقضية الصحراء الكبرى؟ ثم كيف للأشقاء الجزائريين أن يطمئنوا إلى حكومة تونسية أعلنت الولاء والطاعة لحاكم قطر والراعي الأول للإرهاب في منطقة الساحل وخاصة شمال مالي التي تتقاسم حوالي ألف كيلومتر من الحدود مع الجزائر والتي شكل تحالف الإنفصاليين من الطوارق مع الإرهابيين من القاعدة فيها بؤرة توتر أرقت الجيش الجزائري؟ أليست تونس والشقيقة الجزائر بأحوج إلى لجيش التونسي لتأمين حدودهما المشتركة من دولة قطر التي تبعدنا آلاف الكيلومترات؟ كيف للجزائر أن تطمئن والخطر يتهددها من كل حدب وصوب، مطامع غربية في بلقنة المنطقة وتطييفها على شاكلة العراق وسوريا قبل الانقضاض على النفط والغاز الجزائريين، علاقات توجس وريبة مع المملكة غربا، وأسلحة متدفقة من الحدود الليبية في الجنوب الشرقي... كلها عوامل توتر لا تسهم في تصفية الاجواء وبناء علاقة ثقة بين الدولتين.

إلا أنه، ورغم قتامة الواقع، فإن بواعث الأمل والتفاؤل عديدة، أولها أن بين البلدين علاقات ضاربة في القدم سجلت التحام الدولتين في أكثر من مناسبة وملحمة، ولا أحد سينسى اختلاط  دماء الشعبين في معركة التحرير الوطني، هذا إلى جانب التحديات الأمنية والإقليمية المشتركة التي لابد أن تدفع البلدين إلى مزيد التنسيق والعمل المشترك. وهنا يأتي دور السياسيين والسياسة، وأرى أن تتمحور السياسة الخارجية الجديدة في تونس، في تلازم مع متطلبات أمننا القومي،  حول أربع نقاط أساسية:

- الخروج من وصاية المحور القطري الأمريكي الذي يهدد أمن الدول المغاربية ووحدتها وتماسكها ويحول دون الارتقاء بعلاقاتها إلى مستوى بناء الاتحاد المغاربي،
- تركيز الجهود على المدى المتوسط على بناء علاقة شراكة إستراتيجية مع الشقيقة الجزائر على المستويين الأمني الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي بتركيز مراكز استعلام مشتركة على الشريط الحدودي وخاصة المضي قدما نحو شراكة اقتصادية فعلية وسوق حرة على الشريط الحدودي مما من شأنه التنفيس على الجهات الداخلية المهمشة وامتصاص البطالة وإخراج الشباب المهمش من دوامة الإرهاب والعنف،
- التنسيق مع دول المغرب العربي، ككتلة إقليمية، في بناء تصور مشترك لمفهوم الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وشروطه ومضمونه للتحاور من موقع القوة لا الضعف والتبعية،
- تركيز قوات الجيش الوطني على الشريط الحدودي برا وبحرا ليلعب دوره الطبيعي في حراسة الحدود، وهو ما يتطلب السحب التدريجي للقوات العسكرية المرابطة داخل تراب الجمهورية وإعادة قوات الأمن الداخلي لتلعب دورها في تأمين الداخل، كل ذلك يتطلب مجهودا على المستوى التشريعي يبدأ بدسترة جمهورية وحيادية القوات المسلحة.


سليانة كمؤشر على الأزمة السياسية

بعد زيارتي إلى سليانة يوم 01 ديسمبر الفارط وتحادثي مع النقابيين في مقر الاتحاد الجهوي للشغل بالجهة والعائلات في الأحياء الشعبية وعدد من الشباب المحتج وبعض المسؤولين الأمنيين السامين الذين أتحفظ على ذكر مناصبهم وأسمائهم احتراما لطبيعة وظيفهم، تأكدت من أن الحكومة لم تستوعب الدروس من التجارب السابقة في سيدي بوزيد وقفصة والحنشة وقابس وجربة وغيرها من الجهات التي انتفضت على مماطلة الترويكا في الإستجابة لمطالبهم التنموية والاجتماعية. ولعل أزمة سليانة تحيلنا هي بدورها على أزمة سياسية وفلسفة في العمل مبنية على إنكار الأزمات والفشل الذي ميز ومازال تعاطي الحكومة مع الملفات الاجتماعية والتي تميزت ب:

- فرض مسؤولين محليين على أساس الولاء الحزبي والتعنت في الإبقاء عليهم رغم رفض الجهات لهم وفشلهم في إرساء الحوار مع المواطنين،
- غياب الدولة (السياسة) وحضور العنف والقمع،
- تجريم التحركات الاجتماعية السلمية،
- القمع الشرس للتحركات بنسق متصاعد وصل إلى إستخدام الأسلحة المحظورة،
- إنكار الأزمة، إلى حد التزييف والكذب أحيانا، وإنكار الفشل في إدارة الأزمة واتهام المعارضة والاتحاد بالتحريض والتسييس.


أولا، لا يخفى على كل من يسلك الطريق المؤدية إلى سليانة أن المشاريع التي رصدتها الحكومة للجهة إنما هي من قبيل الأوهام التي لم وربما لن تر النور، هذا على الأقل الانطباع السائد لدى أبناء الولاية. أما عن المسؤولين المحليين، فكل الشهادات التي وثقتها (www.facebook.com/lldh.kef) مع العائلات في الأحياء الشعبية تدل على المسؤولية الكبرى للممثلين المحليين للسلطة التنفيذية في تغذية الاحتقان وإذكاء نار الفتنة والغضب بتعاملهم الفظ مع المواطنين وطغيان المحاباة والتمييز في منح فرص العمل والتشغيل والمساعدات. كما أن المسوغات الواهية التي تداول خطباء الترويكا بها علينا لتبرير القمع والعنف الذين سلطا على أهالي المنطقة في تعد صارخ على حرمات الأجساد والمنازل والعائلات.
كما أن إنكار الأزمة والمكابرة والتعنت وسياسة الهروب إلى الأمام التي وضع من خلالها رئيس الحكومة نفسه في مواجهة مباشرة مع أهالي سليانة، كلها 

في المقابل، لم أر في نقاشات أعضاء الاتحاد ومداولاتهم وتعاطيهم معالأزمة إلا إرادة صادقة في تجاوز التحدي المتمثل في تهدئة الأوضاع وحلحلة الأزمة بعيدا عن العنف ودون خذلان المطلب الشعبي والمشروع بإقالة الوالي.

أما الأمنيون، فقد عبروا لي كلهم عن عجزهم عن تطويق الأزمة التي لا يمكن حلها إلى سياسيا عبر الحوار والتشاور مع جميع الأطراف. ذلك أنهم سئموا أن يلقى بهم في كل أزمة لمواجهة الجماهير بالرش والقنابل المسيلة للدموع دون أن يسبق ذلك مجهود حكومي للتحاور مع المواطنين الغاضبين ومحاولة الخروج بحلول إجتماعية وسياسية! 

في هذا الإطار لابد من وقفة جدية على خلفيات هذه الأزمة واستيعاب دروسها وأرى أنه لا يمكن التعاطي مع الملفات الاجتماعية إلا بالاتفاق على مبادئ وآليات ديمقراطية تتمحور حول:

- دور الأمن :لا بد من تركيز العمل الأمني على أولويات المرحلة من مقاومة لتجارة الأسلحة والمخدرات إلى تهريب البضائع التي تهدد السلم الاجتماعية والأمن الاقتصادي،
- لتحقيق الهدف الأول وتمكين الأمن من التفرغ إلى المهمات الوطنية ذات الأولوية، لابد من تخفيف الضغط على الجهاز الأمني وهنا يأتي دور السياسة والحوار لتفادي تعفن الوضع في الجهات الداخلية،
- إعداد مشروع ميزانية 2013 يعطي الأولوية القصوى لتلبية مطالب الجهات الداخلية المهمشة وبعث لجنة تنمية تضم ممثلين عن الحكومة والمجلس التأسيسي ومكونات الطيفين السياسي والمدني بالجهات للوقوف على الصعوبات التشريعية والهيكلية التي حالت دون تفعيل ميزانية 2012 وسبل تجاوزها في 2013.


في أزمة الدستور

في ظل تفاقم مظاهر العنف السياسي الذي طال المجلس التأسيسي واكتسح المجال العام من جامعات ومدارس ومساجد ومؤسسات عمومية وحكومية مما يهدد مدنية الدولة والسلم الاجتماعية، وفي ظل غياب خارطة طريق واضحة تحدد تاريخ الإنتهاء من كتابة الدستور وأهم المحطات التي ستفصلنا عن الانتخابات القادمة، والتي لا نعلم حتى كتابة هذه الأسطر تاريخها، وأمام غياب إشارات إيجابية تطمئن المواطن التونسي على مستقبل الاقتصاد الوطني وترسم ملامح مؤسسات الديمقراطية المنشودة من إعلام وقضاء مستقلين وهيئة انتخابات بمنأى عن التجاذبات والمحاصصات الحزبية... وأمام تضافر هذه العوامل مع غياب ظروف توازن المشهد السياسي وبناء المجال السياسي والمدني على أسس تعددية حقيقية تحقق التوافق حول المسائل الوطنية بعيدا عن منطق "الأغلبية" مقابل "المعارضة".

في ظل هذه الظروف، على المجلس التأسيسي الإسراع في سن الدستور والاعتبار من دروس المرحلة الفارطة والتركيز أساسا على:

  • الإعلان يوم 14 جانفي 2013 عن :
    • نظام سياسي، متوافق عليه، يحقق التوازن بين السلطات ويمنح  رئيس الجمهورية إمكانية حل البرلمان وقت الأزمات ويجعل من السياسة الخارجية والدفاع من تخصصه المطلق،
    • تركيبة هيئة الانتخابات بالتوافق وبعيدا عن المحاصصة الحزبية،
    • تركيبة الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي البصري بالتوافق،
    • التنصيص صراحة على الطبيعة المدنية للدولة،
    • التنصيص صراحة على جمهورية القوات المسلحة التي من دورها حماية الدستور،
    • التنصيص صراحة على ضمان حق العمل النقابي والتظاهر السلمي دون قيد أو شرط،

في الانتخابات وقانون تحصين الثورة 

وإن كنت أعتبر أن عزل أعمدة التجمع المنحل، الذين ساهموا مباشرة في منظمة الفساد والاستبداد، واستبعادهم من المجال السياسي لعقد من الزمن، أو أكثر، هو الحد الأدنى والضروري وأحد المحاذير اللازمة، وليس أهمها، لحماية الثورة من الارتداد، فإن العديد من الأحزاب والتنظيمات تتعامل بكثير من النفاق وازدواجية الخطاب مع هذا المشروع، الذي لم ير النور بعد!
للمجلس التأسيسي، صاحب السلطة الأصلية، أن يصدر القوانين التي يراها مناسبة لحماية الثورة وتحصينها، شريطة أن لا يتحول إلى غرفة خلفية للسلطة التنفيذية والترويكا ومطية لتمرير القوانين المحصنة لسلطتها والضامنة لفوزها في الانتخابات المقبلة. لا نعرف بعد إن كان هذا القانون سيرى النور يوما أم أنه مجرد أداة مناورة ومزايدة سياسية تقف خلفها نية لتطويع جهاز التجمع القديم ورجالاته عبر استقطاب أكبر عدد منهم إلى أحضان الأحزاب الحاكمة ودواوين وزرائها لتحييدهم أو استغلال نفوذهم في الجهات والإدارات...

لهذه الأسباب، أرى أنه بالإمكان الإعلان يوم 20 مارس 2013 عن:
    • المجلة الانتخابية الجديدة،
    • تاريخ الانتخابات التشريعية والرئاسية على أن تفصل بين التاريخين فترة لا تقل عن الشهر،
    • تركيبة هيئة إصلاح القضاء بالتوافق،
    • الإعلان على المصادقة على قانون العزل، على أن تضطلع هيئة قضائية بإعداد قائمة العزل للنأي بهيئة الانتخابات عن التجاذبات السياسية وتوفير المناخ الملائم لإعداد الانتخابات.





Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire