lundi 2 septembre 2013

صفقة الشيخين - وما وراء الأكمة؟

صفقة الشيخينوما وراء الأكمة؟


02 سبتمبر 2013
أيوب المسعودي






تذكير

منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر، نشرت مقالا تحت عنوان "صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي" (1) تحدثت فيه عن ما يحاك من مخططات تهدف إلى إعطاء هامش من المناورة السياسية لحركة النهضة، مناورات وفرقعات غطت على عملية سطو على الثورة دار رحاها في دار الضيافة بعيدا عن الأضواء لتسوية "الخلافات السياسية" وتمرير دستور الجماعة مقابل مشاركة جزء من "النخبة" في السلطة والامتيازات. وهي صفقة تم تمريرها تحت غطاء الوفاق الوطني الكاذب بمشاركة أحزاب و"شخصيات وطنية" وأخرى تجمعية وأخرى انتهازية لا وزن واقعي لها باسم الوحدة المقدسة ضد خطر الإرهاب الداهم... لم يتغير شيء منذ ذلك التاريخ مقابل تمادي الحزب الحاكم في تشجيع العنف المادي والمعنوي والترهيب والإرهاب بما يسمح له بالتموقع في الوسط كحزب يميني "معتدل محافظ" وكخيار ضد التطرف والغلو.

الحوار من أجل الحوار

بعد الاغتيال الجبان للشهيد محمد البراهمي، قررت حركة النهضة تغييرا طفيفا في الشخوص والأدوار والديكور، دون المساس بالسيناريو، لتسحب البساط من تحت أحمد نجيب الشابي وتجعل من الباجي قائد السبسي رجل المرحلة ومن نداء تونس شريكا ممكنا. حركة النهضة لم تقتصر على ذلك بل سحبت البساط من تحت حليفها العضوي، المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي كان من أشرس المدافعين عن قانون تحصين الثورة ليعلن شيخ مونبليزير عن تخليه عن هذا القانون ودعوته رئيس الجمهورية إلى الاستقالة في حال وجود نية للترشح إلى الرئاسيات القادمة. أما بالنسبة للديكور، فقد اختارت النهضة، بعد طول جفاء، القبول باتحاد الشغل إطارا للتفاوض كبديل عن قرطاج، هذا على الأقل على مستوى الظاهر، قبل أن ينكشف الإطار الحقيقي للمفاوضات الفعلية، تلك التي جمعت شيخي السياسة التونسية في باريس... التفاوض؟ على ماذا؟ وما الذي تخفيه صفقة الشيخين؟
في الحقيقة، لدي قناعة راسخة، عبرت عنها مرارا ومنذ زمن بعيد، بحتمية تقارب حركة النهضة وحركة نداء تونس كحزبين رجعيين (بالمفهوم السياسي والاقتصادي) تجمعيين، الأول تحت غطاء ديني والثاني تحت غطاء بورقيبي حداثوي. حركة النهضة، كما نداء تونس، كانا يتحينان التوقيت الأنسب للإعلان عن هذه التقاربات، في انتظار ذلك، عمل الطرفان على تأجيج الاستقطاب الثنائي من أجل تشطير المجتمع وتقسيم الناخبين تمهيدا لتقسيم كعكة السلطة، وقد استنجدوا في ذلك بترساناتهم المالية والإعلامية وتحالفاتهم الأجنبية المشبوهة، لا تغركم في ذلك الخطابات الأيديولوجية المنمقة الزائفة التي تبدي في ظاهرها اختلافا جوهريا والرامية في باطنها إلى تهييج الشارع ودغدغة مشاعر الخوف عند شق من الشعب والانزواء الهوياتي عند الشق المقابل.
لن أتحدث عن الحوار الذي احتضنه اتحاد الشغل، وإن كنت لا أشكك في صدق الاتحاد في محاولة الولوج إلى حل للأزمة، فهو في تقديري يخدم بصفة غير مباشرة حركة النهضة ويعطي غطاء للمفاوضات الحقيقية التي تدور تحت رعاية سفارات أجنبية وفي فضاءات مغلقة بين مونبليزير وقرطاج. وإذا نظرنا بتبصر وتمعن في ما رشح من مفاوضات باريس، نجد أن الشيخين "تفاهما على كل شيء" حسب قول راشد الغنوشي الذي لم يترك للاتحاد وأحزاب المعارضة إلا التزكية والمباركة.
لتلخيص ما جاد به الشيخان من معلومات حول تفاهمات باريس، يمكن القول أن النهضة والنداء اتفقا على طي صفحة الماضي والانتقال من التجاذب إلى التوادد مع ما يستتبعه ذلك من تنازلات من قبل حركة النهضة كإسقاط مشروع قانون تحصين الثورة وعدم تقديم مرشح للرئاسيات القادمة واتفاق الرجلين على عدم "فتح الملفات" وتجاوز الماضي... علاوة على ما يجب أن نقرأه بين ثنايا الكلام والمصطلحات المستخدمة خاصة في كلام الباجي قائد السبسي وحديثه عن تقاطع التوجهات الاقتصادية للحزبين وتذكيره بقمة الثمانية في دوفيل ومخطط الياسمين الذي أعدته حكومته والتي واصلت حكومة الجبالي في العمل به قبل أن تأتي حكومة العريض وتشرع في تنفيذه فعليا (مشروع الإصلاح الهيكلي، الزيادة في سعر المحروقات ومواد أساسية أخرى...).

ما وراء الأكمة؟

طبيعة التفاهمات التي أفرزها لقاء باريس يطرح جملة من التساؤلات أهمها مدى اتساق هذه الصفقة مع استحقاقات الثورة وانتظارات الجماهير. ألم يكن المراد من وراء تعفين المناخ السياسي والاقتصادي والترهيب والإرهاب ودفع الاستقطاب الأيديولوجي إلى أشده هو تهيئة الرأي العام وأنصار القطبين للقبول بالتقارب كضرورة مرحلية لإزاحة خطر الإرهاب الداهم والتأزم الاقتصادي وانهيار الدولة؟
ثم ما معنى أن يتفق رجلان على إغلاق ملفات الماضي وتبادل التطمينات بعدم التتبع وإثارة القضايا والمحاسبة؟ أليس ذلك تفصيا من المسؤولية واغتيالا للثورة واعتداء على الذاكرة الوطنية وحق الشعب في محاسبة جلاديه القدامى والجدد؟ هل سيوافق الشعب الثائر على إسقاط حق أجيال من المعارضين والمناضلين الوطنيين من اليساريين والشيوعيين إلى القوميين إلى اليوسفيين إلى الإسلاميين في القصاص ممن عذّبهم واغتالهم وأذلّهم؟ من له المصلحة في قبر أرشيف البوليس السياسي ولماذا التستر على أعمدة الفساد المالي والسياسي في العهد البائد لولا تورط الرجلين؟ هل فوض شباب الثورة والشهداء والجرحى هذه الديناصورات السياسية للتفاوض على حقهم في محاسبة القتلة وكشف حقيقة القناصة واسترداد الكرامة والاعتبار؟ هل فوض شباب سليانة الشيخين للتفاوض على غلق ملف الرش؟ هل فوضت عائلات العسكريين وأعوان الحرس البواسل الذين ابتلوا في فلذات أكبادهم هاذين المجرمين لغض الطرف عن حقيقة جرائم الشعانبي وتشعباتها ودور قوى سياسية فيها؟ هل تخلت "المعارضة" عن حق القصاص من الشهيدين بلعيد والبراهمي؟
هذا على مستوى المعلن، أما المضمر فهو في رأيي أدهى وأمر. إذ أن سكوت الرجلين عن مسألة الدستور والانتخابات يشي بحقيقة الصفقة التي قد يكون جوهرها مباركة الدستور والنظام السياسي والانتخابي (وهو ما بدأ في دار الضيافة أيضا) مقابل المشاركة في السلطة وقبر الملفات الحارقة كمحاسبة المسؤولين السياسيين عن جرائمهم قبل وبعد 14 جانفي، لتكون الضحية الأولى في كل ذلك هو الشعب الذي تم تهميش دوره في تحديد مصيره ودستوره ونظام حكمه وأولويات المرحلة.
كما أن جل المبادرات التي تقدمت بها الأطراف السياسية والاجتماعية اقتصرت على الجانب الفني الإجرائي الإداري للخروج من الأزمة مع الحد من خطر ما يسمى "الفراغ"، وقد كانت كلها تتمحور حول كيفية تحييد الجهاز التنفيذي في إدارة المرحلة المتبقية والتي تفصلنا عن الانتخابات التي تريد كل القوى السياسية أن تأتي في أقرب الآجال. وإن كان مطلب تحييد السلطة التنفيذية والتسريع في الانتخابات مطلبا مشروعا بالنظر لانسداد الأفق السياسي وتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن حصر الصراع الحالي في إطار التسابق على السلطة بتوفير شروط المشاركة السياسية لنخبة سياسية جديدة، بل يجب أن يكون الصراع صراع أفكار واقتراحات تلبي المطابل الحقيقية لثورة 17 ديسمبر، ولا يمكن تنظيم انتخابات قبل حلحلة الملفات التالية:


- ملف تمويل الجمعيات : لقد شهدت تونس، بفعل ثورة 17 ديسمبر، انفجارا لعدد الجمعيات المدنية. وإن كان ذلك مؤشرا لديناميكية المجتمع التونسي وإرادة استرداد المواطنة المسلوبة، فلا يمكن تجاهل العدد الهائل للجمعيات التي تعمل وفق أجندات حزبية وتحظى بتمويلات حكومية مشبوهة مقابل محاصرة جمعيات وطنية تأبى أن تطوع وأن تتحول إلى أداة في يد السلطانأن. ولما كان المجتمع المدني أداة لدى نظام 07 نوفمبر لتطويق المجتمع وابتزاز الفئات المفقرة والمعدمة، توجب مطالبة كل مؤسسات الدولة من العمادات إلى المعتمديات إلى الولايات إلى الوزارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية بنشر جرد كامل ومفصل في التمويلات التي منحت للجمعيات مع بيان قائمة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة لها والإطار الذي تم فيه توزيع تلك الأموال منذ 23 أكتوبر 2011،
- النظام الانتخابي : كنت نبهت وأشرت إلى خطورة تفويض مسألة وضع النظام الانتخابي إلى المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه الأحزاب السياسية. ما أقترحه هو تكليف لجنة خبراء دستوريين مصغرة بوضع قانون انتخابي يرتكز على مبدأ قرب الناخب من المترشح ولعل نظام الانتخاب على الأفراد وفي دوائر صغيرة هو الأمثل والأكثر ديمقراطية وتمثيلا والأنسب للأحزاب والأشخاص ذوي الإمكانيات المادية المحدودة، ذلك أن تكاليف الحملات الانتخابية في دوائر صغيرة (بحجم المعتمديات) هي أقل تكلفة وأكثر نجاعة من حيث القرب والتواصل. إن توافق "النخبة" حول قانون انتخابي مبني على نظام النسبية مع أكبر البقايا إنما يرمي إلى حفاظ هذه "الأوليغارشية السياسية الحزبية" على امتيازاتها مع تهميش الشباب والكفاءات الغير متحزبة،
- منح حكومة الكفاءات صلاحية التدقيق في كل التعيينات التي طالت الإعلام والإدارة والوزارات والولايات والمعتمديات على أساس الولاء الحزبي منذ 23 أكتوبر 2011 ومراجعتها قبل الانتخابات،
- كشف أرشيف البوليس السياسي وهو ما من شأنه تحصين الثورة وكشف حجم الجرائم التي اقترفها النظام المخلوع وحلفاؤه في الداخل والخارج،
- رد الاعتبار لشهداء وجرحى الثورة وإكرامهم بحلحلة مشاكلهم الصحية والاجتماعية وحسم قضايا القتل والقنص وكشف كل ملابساتها عبر إحالة ملفات قتل الشهداء على القضاء العدلي المدني،
- التطبيع مع الصهيونية : ضرورة المطالبة بدسترة التجريم الصريح لكل أشكال التطبيع مع الصهيونية والكيان الصهيوني،
- تعديل الفصول الخاصة بالرقابة اللاحقة لقرارات الجماعات المحلية والجهوية والتي تفرغ مبدأ الانتخاب من مضمونه،
- إلغاء خطتي الوالي والمعتمد وتعويضهما بمجالس جهوية ومحلية منتخبة،
- إقرار مبدأ الديمقراطية التشاركية كمكمل للديمقراطية المحلية مع ضرورة تشريك المجتمع المدني في المجالس المحلية والجهوية،
- إقرار آلية دستورية لتفعيل الديمقراطية التشاركية المباشرة كمنح 5% من الناخبين حق اقتراح مشاريع القوانين على المجلس التشريعي أو مساءلة الوزراء.






Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire