samedi 14 janvier 2017

على عتبات سبع سنوات عجاف : المأزق التونسي

كم راكمت الثّورة من فشل وإخفاق على مر ستة أعوام من التقلبات والمدّ والجزر، وكم كان الجزر غالبا والمدّ متردِّدا خجولا! كم كانت الإخفاقات والانتكاسات كثيرة ككثرة ناسبي أنفسهم إلى الثورة وكم كانت النجاحات محتشمة، كم كان "الثوار" منقلبين على أعقابهم منقسمين قبل الوصول إلى الهدف لا يعون حجم الرهان التاريخي وكم كانت المنظومة القديمة منسجمة واعية بما يمكن أن تخسر، تلك هي المعظلة التونسية وجوهر التناقض المؤدي إلى المأزق.



المأزق السياسي

كلّما ووجه مسؤول سياسيّ من إحدى الحكومات المتعاقبة بأسئلة حول الإنجازات الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلّا ولجأ إلى الحديث عن الإنجازات السّياسيّة وتثبيت الدّيمقراطيّة والتّداول السّلميّ على السّلطة. سأبيّن فيما يلي كيف أنّ طبيعة النّظام السّياسيّ والانتخابيّ تحمل بذور الارتكاس والفشل والعطالة في كلّ المجالات.

لقد اختار المجلس التّأسيسي نظام حكم لا رئاسي-لا برلماني: إنّه نظام حكم لا رئاسي لأنه يوهم بوجود رئيس جمهوريّة صاحب سلطة وصلاحيّات ذات بال ولكن داخل مجالات "تخصّص" محدّدة وكأنّه موظّف عند الدّولة ومُكلّف بمهمّات بعينها. الغريب أنّ هذا النّظام يجرّد الرّئيس واقعيّا ممّا منحه له الانتخاب المباشر، أعني التّفويض الشّعبيّ المباشر، ليجعله مقيّدا بتوافقات الأحزاب الكبرى في البرلمان. من هذا المنظور، يكون الإبقاء على الانتخاب المُباشَر لرئيس الجمهوريّة أقرب إلى مخاتلة الوعي التّونسي الذي كان وما زال يتمثّل الحُكم في وِحدة الحاكم المجسّدة في شخصيّة الرّئيس. وتبقى شخصيّة الرّئيس ذات نفوذ أدبيّ وهيبة، على الأقلّ في المخيال الشّعبيّ، ولكنّ انشطار قرار الدّولة وتنازع مقود السّفينة بين أكثر من ربّان أربك التّونسيّين وضرب صورة الرّئيس ومن خلالها صورة الدّولة. بل إنّ المخاتلة أدهى وأعمق من ذلك لأنّ هذا النّظام الهجين يسمح لأصحاب القرار في الكواليس والمكاتب المغلقة وغرف التّحرير الإعلاميّة برمي جلّ المسؤوليّة السّياسيّة لأيّ فشل على عاتق رئيس الجمهوريّة الّذي ظلّ كما سبق وأن ذكرنا "الرّبّان المفترض" للسّفينة و"القائد" الّذي يتحمّل المسؤوليّة أوّلا وآخرا. ولكنّ هذا النّظام يصبح معتلّا عندما نرى ضآلة الصّلاحيّات الممنوحة للرّئيس وهامش تحرّكه وقراره. وجوهر القول أنّنا بهذا  النّظام نرى مرشّحين للرّئاسة يعدون بما لا يملكون ولا يملكون بعد الفوز إلّا أن ينقادوا لإرادة "أحزاب الأغلبيّة" إن توافقت.

لقد تعلّل مهندسو هذا النّظام بخطر العودة إلى الحكم الفردانيّ الاستبداديّ من باب النّظام الرّئاسيّ وغفلوا أو تغافلوا عن الأنظمة الفاشيّة الّتي أتت من شبّاك البرلمانات كالحكم النّازيّ الّذي أتى عبر نظام "ديمقراطيّ برلمانيّ" في جمهوريّة فايمار بعد أن غرقت في الصّراعات السّياسيّة والأزمات الاقتصاديّة، ربّما يجهلون أو يتجاهلون النّظام البرلمانيّ الّذي وضعه لويس الثّامن عشر في فرنسا إبّان عودة الملكيّة ك"هبة" للشّعب وثمن لإبرام توافقات مع "الثّوّار". لعلّهم تجاهلوا أيضا حقيقة أنّ الأنظمة البرلمانيّة غالبا ما لعبت دورا معطِّلا لحركة التّاريخ والسّياسة على مرّ الأزمنة وهو ما دفع نابوليون بونابارت أو شارل دي غول مثلا للعب أدوار محوريّة في تاريخ فرنسا عندما كانت البرلمانات عوامل شلل وعجز وتقهقر.

وإذا رجعنا إلى الجذور الإيتيمولوجيّة لمفهوم البرلمان (Parlamentum) الحمّالة لمعاني الجدال والتّضادد والتّحاجج، فنحن لن نجد في واقع العمل البرلمانيّ التّونسيّ ما يعكس التّعدّديّة الفكريّة والبرامجيّة. ذلك أنّ النّظام الانتخابيّ والطّفرة الحزبيّة وغلبة المال على السّياسة والأعمال على الأفكار والمصالح على البرامج كرّست مفاهيم جديدة مستحدثة من قبيل التّوافق بين "الأضداد" و"حكومات الوحدة الوطنيّة" و"جبهات الإنقاذ"... للتّغطية على الفقر البرامجيّ والضّمور الفكريّ والغياب الرّهيب للتّضادد في بُعده الإيجابيّ أي كوفرة نوعيّة للأفكار والبرامج. إنّ التّوافقات الحزبيّة حول السّلطة لا البرامج طوّعت السّياسة والنّظام السّياسيّ لخدمة الأحزاب السّياسيّة ومموّليها وحلفائها الدّاخليّين وحتّى الخارجيّين وميّعت السّياسة الحقّة المنبنية على تضارب الرّؤى والبرامج والمحاججة العلميّة المدعّمة بالدّراسات والأبحاث والقراءات الاستشرافيّة المعمّقة.

ثمّ إنّ النّظام البرلمانيّ التّمثيليّ كان فكرة الفلاسفة والمفكّرين في عصور غلبت فيها الأمّيّة والتّوحّش، وهي ظروف انتفت في عصرنا مع دمقرطة التّعليم (على أنّ أزمة التّعليم في تونس تحتاج مجالا أوسع للنّقاش) والطّفرة العلميّة والمعلوماتيّة. إنّ النّظام البرلمانيّ في شكله الحاليّ، أي كمجال لتعطيل سير الدّولة والإصلاحات وبعث المؤسّسات الدّستوريّة والانتخابات المحلّيّة والجهويّة لتعطّل في توافقات الأحزاب وتضارب في مصالحها الآنيّة، هو أقرب إلى الجدار العازل الّذي يريد فصل الإرادة الشّعبيّة المباشرة عن السّياسة وتدبير الشّأن العامّ ممّا فاقم من ظهور ما يمكن تسميته ب"السّياسيّين المحترفين" الّذين جعلوا من السّياسة "مورد رزق" و"عملا قارّا"، وهي ظاهرة خطيرة أسهمت في بروز نوع من "الأرستقراطيّة النّيابيّة" الّتي تدور في فلكها مصالح ولوبيّات حطّت من قيمة العمل السّياسيّ ومعانيه وقيمه.

ولن تعترف الأحزاب السّياسيّة بهذا المأزق لأنّ جلّها يرى في المنظومة الجديدة إطارا مناسبا للعمل والتّموقع والتّواجد في المجال السّياسيّ. والأحزاب الّتي تدافع عن النظام البرلماني من ثلاثة أصناف : أحزاب لا تملك تصوّرات وبرامج وإنّما أرصدة بنكيّة تسمح لها بالتّموقع والتّكيّف مع كلّ الأنظمة الاستبداديّة منها والفاسدة وحتّى "الدّيمقراطيّة الرّخوة" وأخرى ضعيفة ترى في نظام أكبر البقايا فرصة للتّواجد والبقاء ولو في الحدّ الأدنى الّذي يوفّر لها مجرّد وجود صوتيّ وإعلاميّ وأخيرا أحزاب الاستراتيجيا (وهنا أتحدّث عن الحيتان الكبيرة) التي ترى في هذا النّظام الهجين هديّة من السّماء وتتّخذ منه حجابا لتدير من ورائه أعمالها ومصالحها وتثبّت قاعدة حكمها وتوزّع الثّمار على أولياء النّعمة وسط ضبابيّة محسوبة للصّورة جعلت الشّعب لا يعلم من يحكم ومن يقرّر ومن يُحاسب على ذلك؟ ما يزيد الأمر ضبابيّة هو دخول أطراف أساسيّة من السّلطة الحاكمة في ما يشبه تشكيلات معارضة تحت يافطات من قبيل "جبهة إنقاذ" لتضع ساقا في السلطة وأخرى في المعارضة...
نحن إزاء مأزق حقيقيّ علينا أن الاعتراف به: نظام حكم لا رئاسيّ ولا برلمانيّ وسلطة منشطرة فلا هي نجحت في أن تكون ما تريد فعلا، أي أن تكون مركزيّة يعاقبيّة (jacobine)، ولا هي مضت بجدّيّة في اللّامركزيّة الّتي كرّسها الدّستور في أبوابه المتعلّقة بالحكم المحلّيّ والجهويّ. نحن إزاء سلطة سياسيّة تواصل العمل برجالات العهد القديم وقوانينه ومؤسّساته الّتي تتوازى مع "الرّوح الجديدة" الّتي من المفترض أن تبثّها الثّورة والقوانين والمؤسّسات الجديدة أو المُعَطَّلة أو غير المُفَعَّلة بحسب الأهواء والمصالح... وهذا يخلق تضخّما قانونيّا وتضاربا يمسّ من وِحدة الدّولة (Atomicité) الّتي لا تتجزّأ، والدّول والحضارات الّتي تتشعّب فيها القوانين وتتعدّد وتتراكم وتتضارب تسقط كما سقطت الامبراطوريّة الرّومانيّة الّتي تعقّدت تشريعاتها وتعدّدت وصارت غير ملائمة لروح عصرها.


هنا يتّضح نفاق حتّى من ينسبون أنفسهم إلى الثّورة عندما يترشّحون للرّئاسيّة دون الحديث عن هذا المأزق وما ينوون فعله إزاءه: فعندما يترشّح أحدهم زاعما تمثيل "جناح الثّورة" ضدّ الثّورة المضادّة، بعد أن جرّب رئاسة عاجزة عن الدّفاع عن صلاحيّاتها المحدودة، كيف يمكن تفسير ترشّحه لدورة ثانية ضدّ مرشّح النّظام القديم بعد أن فاز حزب هذا الأخير في التّشريعيّة؟ هل كان هذا المرشّح "الثّوريّ" أن يتعايش مع المنظومة القديمة؟ وكيف كان سيتعامل مع "الأعداء" السّياسيّين بعد أن فشل مع "حلفاء الأمس"؟ ألم يكن ليخدم بذلك مصلحة النّظام القديم بسدّ الشّغور في منصب صوريّ بلا صلاحيّات أم أنّه كان ليلعب دور المعارض أو المشاغب من الدّاخل؟

الجواب هو أنّ كلّ مشروع جذريّ يتخلّى عن جزء من الحكم باسم التّوافقات سيتخلّى تدريجيّا عن الجذريّة. إنّ كلّ من يقبل بلعبة التّوافقات مع المنظومة القديمة سيخدم الثّورة المضادّة وإن ادّعى المعارضة من الدّاخل لأنّه بذلك يغذّي وهم الدّيمقراطيّة البرلمانيّة القائمة على التّلاسن والتّضارب الكلاميّ العلنيّ باللتّوازي مع الطّبخ السّياسيّ السّرّيّ.

لست بصدد استعراض تساؤلات وتفاصيل عرضيّة، فالشّيطان يسكن في التّفاصيل وأورام الذّوات الّتي تختزل أحيانا وعيا مأزوما ونفسيّة جمعيّة مهتزّة. وما لم نعالج هذه التّناقضات، وما لم نأت على أصل الدّاء بمشروع متكامل يتجاوز هذه التّناقضات ويلغيها وفق شروط واضحة وأهداف مرسومة ومنهجيّة عمل أخلاقيّة ومبدئيّة لا تجيّر السّياسة لأورام الذّوات والأحزاب واللّوبيّات، لن نخرج من تناقضاتنا وسنظلّ ندور في نفس الحلقة المغلقة.

إنّ أكبر خدمة يمكن أن تقدّم للدّيمقراطيّة هو إضفاء الوضوح على المجال السّياسيّ عبر نظام سياسيّ وانتخابيّ مبسّط يفرز أغلبيّة واضحة منسجمة تحكم وتُساءل وتُحاسب على برامجها ونتائجها. وليس من مصلحة الدّولة، ذات العلويّة على المصالح الذّاتيّة، أن يكون رئيس الدّولة من خارج دائرة الأغلبيّة البرلمانيّة. وإذا ذهبنا في الحفاظ على التّوزيع الحاليّ للصّلاحيّات بين رأسي السّلطة التّنفيذيّة، وبما انّ رئيس الجمهوريّة يتمتّع بالتّفويض الشّعبيّ المباشر على عكس رئيس الحكومة، فلعلّه من الجدير التّدبّر في هذه الاقتراحات والأفكار:

ما لا يتطلّب تعديلا عاجلا للدّستور:
-  تسبقة الانتخابات الرّئاسيّة على الانتخابات التّشريعيّة،
- على كلّ مرشّح للرّئاسيّة تقديم برنامج يتضمن عددا من مشاريع المراسيم (10 على أقصى تقدير) يمكن أن تغطّي كلّ المجالات يصدرها رئيس الجمهوريّة خلال مدّته الرّئاسيّة وتكون ملزمة مهما كانت تركيبة السّلطة التّشريعيّة الّتي تفرزها الانتخابات التشريعيّة، وهذا التزام أخلاقيّ ملزم في المدّة الأولى حتّى تعديل الدّستور،


ما يتطلّب تعديل الدّستور :
- إفراد رئيس الجمهوريّة بصلاحيّة سياسة الدّفاع والتّعيينات في المناصب العليا للجيش ولا يعني ذلك إلغاء الضّرورة الأخلاقيّة والعقلانيّة للتّشاور في الأمر مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان أيضا،
- منح حقّ الفيتو لرئيس الجمهوريّة على مشاريع قوانين الميزانيّة.


المأزق الاقتصاديّ والاجتماعيّ

أما في المسألة الاقتصادية والاجتماعية فقد تم تطويع المال، العصب الثالث للحكم إلى جانب السلاح والإعلام، لصالح تثبيت الحكم وقاعدته الزبائنية عبر اتّخاذ سياسات استرضائيّة للمطلبيّة الاجتماعيّة وذلك بتوفير السّيولة من التّداين واستهلاك المدّخرات أساسا. وإن وجب الاعتراف بمشروعيّة المطالب الاجتماعيّة وطابعها الاستعجاليّ بعد عقود من الكبت السّياسيّ والمعاناة والحيف من جهة وبانسداد البدائل ودقّة الأوضاع في السّنوات الأولى بعد هروب المجرم من جهة أخرى، فإنّ المَعيب هو إمعان كل الحكومات المتعاقبة على اتّخاذ نفس السّياسات دون مراجعة أو أخذ مسافة من مآلات السّياسات المتّبعة واستشراف تأثيراتها على المستويين المتوسّط والبعيد.
هنا أيضا نعود إلى حقيقة أنّ الحكومات والأحزاب كانت ومازالت تعد بما لا تملك، ذلك أنّ الآنيّ والظّرفيّ والانتخابيّ والتّكتيكيّ هيمن على الاستراتيجيّ، وهو ما يفسّر تعدّد الجبهات وتقلّبها وانقساماتها وتغيّرها.
هنا علينا أن نتساءل عن دور السّياسيّ ودور المثقّف أو دور السّياسيّ المثقّف الاستراتيجيّ مقارنة مع المقاول السّياسيّ والمحترف الانتخابيّ الحزبيّ. فالأوّل يواجه الرّأي العامّ بما يحبّ وخاصّة بما يكره وإن كلّفه ذلك انتخابيّا على المدى القصير والمتوسّط بينما لا يراعي الثّاني إلّا التّكتيك الانتخابيّ ولسان حاله يقول "أوصلوني إلى السّلطة وبعدها سأريكم ماذا سأفعل" تماما كما حصل مع حزب الكفاءات الّذي ادّعى قدرته على تشكيل أكثر من حكومة فكان أن انقسم إلى شقوق لا تُعَدّ ولا تحصى.
المأزق هو عندما تعد بعض الأحزاب الجنّة على الأرض دون أن تفصح عن الطّريق إليها، وكلّنا نعلم أنّ الطّريق إلى الجنّة محفوف بالصّعوبات والمنزلقات والتّحدّيات الّتي لا تستثني أحدا. ثمّ إنّ مفهوم الجنّة عند البعض يمكن أن يساوي الجحيم عند الآخرين. إنّ مفهوم السّعادة والرّخاء والتّقدّم  والتّطوّر والعدالة والعدل كلّها مفاهيم شهدت مراجعات وتمحيصا وتدقيقا ودراسات نقديّة  بعد ما بعد حداثيّة زعزعت الوثوقيّات حولها كما زُعزِعت نظريّات أخرى كنهاية التّاريخ وهيمنة الرّأسماليّة وفرضها كنظام حتميّ طبيعيّ لا مناص منه.
المأزق هو أنّ الكلّ يتحدّث عن مفاهيم العدل والعدالة الاجتماعيّة مثلا كمطلب جوهريّ وشرعيّ ولكن لا أحد يفصح بوضوح عن المشروع الاجتماعيّ (لا المجتمعيّ) الّذي يصبو إليه؟ وهو سؤال علينا نحن، من نؤمن ب17 ديسمبر كمسار، أن نطرحه على أنفسنا وأن نتّفق عليه قبل مواجهة الثّورة المضادّة؟ ما هو الأفق الإنسانيّ والمشروع الحضاريّ الّذي نريده لأنفسنا وللآخرين، للعائلة وللجار وللجوارالقريب والبعيد؟ كيف يمكن تعريف خصائص الإنسان التّونسيّ الفرد المشكِّل لهذا المجتمع المنشود؟ وهل يمكن في ظلّ النّظام الاقتصاديّ الحاليّ المنبني على الاستهلاكيّة والفردانيّة والمشهديّة والصّورة والمنافسة في الاستهلاك لإثبات الوجود؟ هل يمكن أن نتحدّث عن هذا المجتمع الإنسانيّ المنشود دون نقد جذريّ للمفاهيم المهيمنة (paradigmes dominants) على المنتظم السّياسيّ؟
لنذهب خطوة إلى الأمام: ألم تُغرق هذه الدّيمقراطيّة البرجوازيّة في تناول موضوعات هي أقرب إلى التّرف الفكريّ منها إلى الحيويّ الضّروريّ بينما قاطعت ما هو مرتبط بالبقاء والضّرورات الدّنيا للحياة لطيف واسع من التّونسيّين الّذين يعيشون في الهامش الجغرافيّ والاقتصاديّ والإعلاميّ، أي سكّان الأرياف والجبال والصّحاري وحتّى الأحياء الشّعبيّة؟ متى نعترف أنّ حسابا انتخابيّا دخل على الخطّ وجعل هؤلاء المُهَمّشين الّذين لا يصوّتون بكثافة يقيمون في أسفل سلّم المعادلات السّياسيّة والحزبيّة؟
وقبل هذا وذاك، سواء تعلّق الأمر بالميسورين أو المعدمين على حدّ سواء، ما هو المشترك الأدنى الّذي يحقّق الاجتماع السّياسيّ القابل للدّيمومة السّلميّة بين الكلّ؟ ألم يهيمن الخطاب الاستهلاكيّ الرّأسماليّ الفردانيّ الّذي بثّ صورة الملكيّة المتاحة للجميع والسّيّارة والهاتف الجوّال والبلازما... كتمثّل أقصى للرّفاه والسّعادة مع تأثيم للمحرومين والمُعَطّلين والمعدمين في استبطان للنّظرة الرّأسماليّة للفقر كإثم يحمل الفقير المسؤوليّة الأولى والأخيرة فيه.
هنا مربط الفرس، هل سنواصل بيع الوهم والوعد بالسّراب في مجتمع ومنتظم سياسيّ يكابر في إعادة إنتاج مآزقه؟ متى نستفيق من هذا الحلم الكاذب؟ هل أنّ المجتمع التّونسيّ قادر ومستعدّ لمواصلة إثراء نفس الكبرادوريّين الطّفيليّين الّذين يجثمون على الطّاقات المكبوتة منذ عقود؟ هل نحن مستعدّون لمواصلة العمل على إثراء أقلّيّات لا أحد يعلم كيف استأثروا بعقود توريد سيّارات وقطع غيار واستغلال مناجم وآبار نفط؟ هل أنّ الكادحين مستعدّون لمواصلة العمل حتّى تتمكّن الدّولة من اقتراض العملة الصّعبة لتوريد الأوهام وما لذّ للكمبرادوريّين من منتوجات ليست في سلّم أولويّات التّونسيّين أصلا؟
ولكنّ السّياسيّ المثقّف والاستشرافيّ يواجه المواطن أيضا بما لا يحبّون، وهنا علينا أن نتساءل معا، هل أعطينا لأنفسنا الوسائل الّتي تتيح تحقيق أحلامنا؟ هل أنّ أحلامنا على قدر إمكانيّاتنا وتضحياتنا ومجهوداتنا؟ إذا كنّا نستورد كلّ ما نستهلك وإذاكان جزء هامّ ممّا نستهلك يتجاوز بكثير احتياجاتنا ذات الأولويّة، أليس حريّا بنا مراجعة تصوّراتنا للعالم وللمادّة والضّرورات وحقيقتها وأحقّية عدد من المنتوجات بالاستهلاك وخاصّة أولويّة احتياجات غيرنا عندما يموت الأطفال بردا مثلا.
كثيرا ما سمعنا "مختصّين" و"خبراء" اقتصاديّين يحدّثوننا عن دفع عجلة الاقتصاد عبر التّشجيع على الاستهلاك. هذاالخطاب، عن وعي أو عن غير وعي،  لا يخدم غير هؤلاء الكمبرادوريّين الاحتكاريّين (وكثير منهم متحالفون مع السّلطة) الّذين لا يرومون أكثر من ضمان انسيابيّة موادّهم المستوردة الّتي تدرّ عليهم ثروات جمّة دون تحقيق عمل إنتاجيّ ذي قيمة مضافة. من هذا المنظور، كلّ ما يهمّهم هو تحقيق الأمن وضمان "السّلم الأهليّ"، أي تحقيق صفر اعتصامات وإضرابات دون اعتبار للتّكاليف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة. ولعلّ الهجمة الشّرسة الّتي تعرّضت لها تجربة جمنة خير دليل على غيرة هؤلاء الكمبرادوريّين وزبانيتهم على احتكارهم للمقدّرات والخيرات ومعاداتهم لكلّ تجرية اقتصاديّة اجتماعيّة تضع الإنسان والبيئة والمشترك في مركز الاهتمامات بعيدا عن النّظرة الانتاجويّة (productiviste) المُتَجاوَزة.

لا خروج من هذا المأزق دون قطيعة جذريّة مع مفاهيم الإنتاج والاستهلاك في آن واحد وذلك عبر عدد من القرارات الجريئة :

- اعتبار تونس في حالة طوارئ اقتصاديّة واجتماعيّة قصوى،
- اعتبار المقرضين الّذين تعاونوا مع نظام المجرم بن علي مسؤولين عن حالة الفساد والأزمة الاقتصاديّة الّتي بلغتها تونس  (dommages colatéraux)،
- تجميد سداد الدّين الخارجيّ لمدّة لا تقلّ عن خمس سنوات يتمّ خلالها التّدقيق في طبيعة الدّيون حالة بحالة، ويعتبر هذا الإجراء تصحيحا لسياسات كانت مفروضة على تونس،
- فتح باب التّفاوض مع المقرضين المعنيّين بالتّجميد لتحويل ديونهم إلى استثمارات في قطاعات تصديريّة تختارها الدّولة التّونسيّة
- تأميم كلّ القطاعات السّياديّة المرتبطة بالطّاقة والمناجم،
- فرض ضريبة استثنائيّة على الثّروات الكبرى،
- وقف كلّ الواردات الغير حيويّة والّتي يكون لها بديل وطنيّ،
- التّخفيض في راتب رئيس الجمهوريّة إلى 5000 دينار في الشّهر،
- التّخفيض في راتب الوزراء إلى 3500 دينار،
- التّخفيض في راتب نوّاب الشّعب وكتّاب الدّولة إلى 2500 دينار،
- إنهاء العمل بمنظومة تقاعد رئيس الجمهوريّة على أساس راتبه الرّئاسيّ وتحتسب جراية تقاعده، هو والوزراء والنّوّاب على أساس راتبهم قبل ولوجهم إلى وظائفهم السّامية.



أيوب المسعودي
14 جانفي 2017
----

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire