dimanche 26 août 2012

عن أي ثورة يتحدثون؟


عن أي ثورة يتحدثون؟
26 أوت 2012

البعض يبيع اليابس والأخضر...
ويدافع عن كل قضايا الكون...
ويهرب من وجه قضيته...!!
                            مظفر النواب

1 - ما الثورة؟
يستخلص من تحليل تطور التاريخ الاجتماعي أن ميزة تطور العلاقات الإنسانية كانت على الدوام محكومة بتضاد وتصارع الطبقات والمصالح، أو ما يسميها البعض اليوم ب"التدافع". نفس ذلك التدافع والصراعات، الضرورية وإن كانت عنيفة في غالبها، كانت دائما تؤسس أو تدفع لصياغة أو تجديد عقد اجتماعي أو قانون تعايش يضمن توازنا مستديما (أو يراد له ذلك) تقبله الأغلبية لحين قبل أن تنقلب عليه أقلية، إنها الأقلية الممثلة للطبقة السائدة بصفة عامة، أو ما يسمى بالسلطة، وذلك لطمع عندها في توسيع غير شرعي لنفوذها وسلطتها (نلاحظ هنا أننا نتحدث عن السلطة في شكلها المركب من مال وإعلام وسلاح... ودين أحيانا) أو لتطور في علاقات الإنتاج يكرس هيمنة طبقة على أخرى في خرق للعقد الاجتماعي السائد.
انقلاب الأقلية على العقد الاجتماعي عادة ما يولد ثورات بمسارات قد تختلف حسب الزمان والمكان والثقافة. عندها تقوم الأغلبية بثورة إما حماية للعقد الاجتماعي أو لغاية تجديده بعد أن حرفته وشوهته الأقلية الحاكمة.
الشيء الثابت هو أن للثورات قوانين ونواميس تحكمها وتقود تحركها وتطورها، وهي تشبه في ذلك إلى حد بعيد قانون حياة البراكين التي تفرز بعد كل انفجار تحولا جيولوجيا في الأعماق وتوازنات فيزيوكيميائية باطنية تدوم لوقت قبل الانفجار من جديد... أما الفترة الممتدة من ثورة إلى أخرى أو من انفجار إلى آخر فتتميز بست مراحل يمكن تلخيصها كالآتي:

·        "سيادة العقد الاجتماعي"
إنها المرحلة الأكثر صفاء واستقرارا والتي تكون فيها السيادة والغلبة للثورة (المتجسدة في العقد الاجتماعي والسلطة الشرعية الراعية له) في تمام نقاءها الفكري، كما تتميز بالازدهار على كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية. على أن هذه المرحلة لا يمكن أن تخلو من بعض الاضطرابات والتوترات الطبيعية والعرضية الناجمة عن "التدافع" والصراع الحتمي (السياسي والاجتماعي)، إلا أن السلطة الشرعية تنجح، بفضل المؤسسات التي بعثها العقد الاجتماعي (الدستور، القوانين، القضاء، الإعلام...)، في تأطير ذلك "التدافع" وتحويله إلى صراعات إيجابية ومثمرة (كالتداول على السلطة، المفاوضات الاجتماعية، الاتفاقيات بين الأعراف والنقابات، معاهدات السلام بين الدول...).

·        "طمع الأقلية المتنفذة"
إنها المرحلة التي تتميز ببداية تمظهر طمع أقلية نافذة وإرادة تفرد بالسلطة (مال، سلاح، إعلام، سلطة دينية...) أو توسيع فيها بصيغ غير شرعية. وعادة ما تكون هذه الأقلية من داخل دوائر السلطة أو محيطها أو المقربين لها. كما تتميز هذه المرحلة وبالتوازي ببداية تشكل الوعي الجماعي لدى مجموعات سنسميها "جنود الوعي الجماعي"، إنهم نساء ورجال، من شباب وطلبة وشغالين ونقابيين وسياسيين ومفكرين وفنانين وأدباء وشعراء ومدونين... يحاولون من خلال أفعالهم وأقوالهم فضح تمظهرات "طمع الأقلية المتنفذة" وإنذار الرأي العام بأن العقد الاجتماعي في خطر.

·        "الانقلاب على العقد الاجتماعي"
أو سيادة جشع الأقلية الذي يسجل الدخول في اللاشرعية واللادستورية المحمية باشتداد القمع والاستبداد السياسي والاجتماعي ضد الأغلبية مع تغلغل متعاظم للأقلية وحلفائها (من المقربين والانتهازيين والقوى الداخلية (كالمال القذر) والقوى الخارجية...) في عمق الدولة والإدارة وتحالفها مع مصالح بالغة التشابك والتعقيد (فيها الداخلي والخارجي) ضد العقد الاجتماعي وبالتالي ضد الوطن.
إنها المرحلة الأكثر قتامة وأملا في الآن ذاته، إذ تنبئ بميلاد فكر جديد، إنه فكر الثورة. فلا يمكن أن تقوم ثورة بدون بناء فكري وثقافي وسياسي يأتي كقراءة وتشخيص للواقع تمهيدا لبديل ومخرج لأزمة الشرعية مع ظهور أكثر من تصور ورؤية لعقد اجتماعي بديل واستراتيجية عملية لفرضه.

·        "تمرد الأغلبية"
لا أحد يعرف سر "اندلاع الثورة" الذي يمثل ذروة الغضب والسخط الاجتماعي على السائد وتمرد الأغلبية على جشع الأقلية. إنه تمظهر الثورة في شكلها الأكثر عنفا وشاعرية، تتجلى فيه الموت عند الإجهاز على السائد والحياة بميلاد فجر جديد. ويهدف تمرد الأغلبية طبعا إلى الإجهاز على النظام (الأقلية وأدوات حكمها من عقد اجتماعي بال ونموذج اقتصادي مفقر للأغلبية وشبكة مصالح وفساد مالي وإعلامي وقضائي... وبوليس سياسي، ومعاهدات سلام مذلة...).

·        "سيادة الثورة"
إنها مرحلة استكمال تطهير النظام القديم وسيادة فكر الثورة الذي يتحول شيئا فشيئا إلى "نظام الثورة". وقد تكون هذه المرحلة الضرورية الأكثر عنفا وأحيانا الأكثر دموية. تاريخيا، نادرا ما أسست مرحلة "سيادة الثورة" عبر الانتخابات، إذ نادرا ما نظمت انتخابات على أعقاب "ثورة". ذلك أنه جرت العادة بأن تأخذ قيادة الثورة مقاليد الحكم أخذا بدفع ودعم من الجماهير. ذلك أن للثورة مهمات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية واضحة ودور قيادة الثورة هو وضع الأطر اللازمة والشروط الضرورية لنجاح تلك المهمات والحيلولة دون إجهاض الثورة الوليدة من طرف قوى الردة، ولو كان ذلك عبر الانتخابات. فلا يخفى عن أحد أن تفكيك النظام القديم ليس بالأمر الهين ويتطلب وقتا طويلا، كما أن تغلغل "الأقلية الجشعة" في الدولة العميقة وتشابك مصالحها (الداخلية والخارجية) وسيطرتها على مفاصل الإعلام والمال يوفر لها حظوظا وافرة للعودة من أبواب الديمقراطية بعد أن أخرجتها الثورة من الشباك.

·        "حمى الثورة"
هي تلك المرحلة الطبيعية التي تمر بها أي ثورة باعتبارها مراجعة وإعادة تشكيل لعلاقات سياسية واجتماعية واقتصادية تفقد الأقلية الحاكمة، وشبكة مصالحها المتشعبة (الداخلية والخارجية) معها، مصالحهم، ليتحولوا بذلك إلى قوى معادية للثورة. تتميز هذه المرحلة بكر وفر بين قوى الثورة الساعية لتحقيق الاستحقاقات الشعبية للثورة وتلك القوى الرجعية المعادية للثورة.
إن هذه الحمى هي في حقيقة الأمر تمظهر لمخاض الثورة العسير الذي سيلد عقدا اجتماعيا جديدا يكرس أهداف الثورة ويحيد قوى الردة.

تلك هي المراحل الأساسية التي فصلت بين ثورة وأخرى على مر تاريخ الشعوب. يعود المجتمع بعد حمى الثورة إلى نقطة البداية أي سيادة العقد الاجتماعي في دورة أخرى من هذا "التدافع" الذي يبدو أنه قدر الإنسانية. ولكن قدر الإنسان أيضا، ككائن حباه الله سبحانه بنعمة العقل والتدبير، هو أن يسعى دوما إلى التجديد والاستنباط. ذلك أن العقود الاجتماعية التي تؤسسها المجتمعات ليست مقدسة بالمفهوم الديني وإنما تخضع لديناميكية الواقع والفكر وبالتالي فإنها تخضع وجوبا للمراجعة إن لم نقل للإلغاء كلما اقتضى تطور المجتمعات والبنى الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تحكمها. من هذا المنطلق، المطلوب هو أولا بناء عقد اجتماعي تنبثق عنه مؤسسات توازن بين الصلابة والمتانة من جهة والديناميكية والقدرة على الإصلاح الذاتي والتأقلم مع تطور المجتمع من جهة أخرى. ثانيا، ضمان التوازن بين السلطات وضمان تعددها والفصل بينها حتى تحرص "الأقليات" الحاكمة على مراقبة بعضها البعض وحماية الأغلبية من أي بوادر طمع في الانقلاب على العقد الاجتماعي. أخيرا وليس آخرا، إرساء ثقافة العلم والعمل والانفتاح والتسامح الذي هو أساس الوعي الفردي والجماعي والسبيل الوحيد لرقي الذوق والفكر والأخلاق ونبذ العنف والضامن لزخر المجتمع بقوى المناعة اللازمة لمحاربة كل أشكال الطمع والارتداد على الشرعية. وحدها المجتمعات التي تزخر بالفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين والفن والفنانين قادرة، إن حصل انقلاب على الشرعية، على بناء فكر ثوري جديد وتأسيس عقد اجتماعي جديد بأخف الأضرار.

أين ثورتنا من هذا؟ وإلى أين؟
2- أين ثورتنا من هذا؟

ما حصل منذ 17 ديسمبر 2010 كان انتفاضة شعبية قامت بها الطبقة المسحوقة وخاصة الشباب المعطل عن العمل في الجهات الداخلية بالأساس. هذه الانتفاضة لم تكن تتوفر على البناء الفكري والتنظيم لتتحول إلى ثورة. حاولت الأقلية الجشعة قمع تلك الانتفاضة ولما عجزت وأحست بالخطر قامت بإجهاضها عبر انقلاب دستوري خططت له ونفذته الدولة العميقة التي ضحت بجزء من الأقلية الجشعة (بن علي وزوجته وأقرب المقربين) بترحيل رأس السلطة (لا النظام) وتنصيب سلطة جديدة بعد انتخابات كانت نتائجها محسومة مسبقا (مع بعض التغييرات الطفيفة في الحلفاء من قوى المال الفاسد والقوى الأجنبية التي فرضتها التوازنات الإقليمية الجديدة عامة والتقارب الأيديولوجي خاصة في الدفاع عن الاقتصاد الرأسمالي المتوحش). ما عدا ذلك لا وجود لأثر ثورة تبشر بمنوال تنموي تونسي جديد أو دستور ثوري تقدمي ضامن للحريات والحقوق السياسية وخاصة الاقتصادية والاجتماعية الضامنة للانعتاق الفعلي. كما أن اللغط الحاصل بشأن نظام الحكم وغياب تصور جريء لاقتصاد وطني يكفل السيادة الوطنية على مقدرات البلاد لخير دليل على غياب البناء الفكري الذي لا يمكن الحديث عن ثورة من دونه.
كما أن أغلب من يحكمون تونس اليوم لا يمتون للثورة بصلة ولا يمثلون أكثر من أقلية كانت بالأمس القريب مجرد منافس لأقلية نظام بورقيبة ثم بن علي من أجل الحكم ولا شيء في ممارساتها الاستبدادية التي نعيشها اليوم يوحي بأنها أقل جشعا أو طمعا ن أغلب من يحأن أغلبي منيبلايبليبلننن
في الانقلاب على العقد الاجتماعي الذي يراد له أن يدفن حيا.
ولعل في التاريخ من أمثال نستدل بها على ما تعيشه تونس اليوم من حالة إحباط جماعي. إن حكم ما يسمى مجازا بالترويكا أو الائتلاف الحاكم في تونس لشبيه بما يسمى في أمريكا الجنوبية ب Puntofijismo  نسبة إلى Punto Fijo  وهو إسم مقر إقامة أحد رؤساء الأحزاب الثلاثة التي حكمت فنيزويلا بعد انتفاضة الشعب الفنيزويلي سنة 1958 ضد ديكتاتورية Marcos Pérez Jiménez . عقدت الأحزاب الثلاثة الفائزة بالانتخابات اتفاقا تتداول بموجبه على السلطة. ظاهريا كان الهدف من ذلك ضمان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لفنيزويلا، أما عمليا فقد حكم التحالف فنيزويلا لمدة ثلاثة عقود لم يسلم فيها الشعب من الانحراف الاستبدادي للسلطة وفرض سياسات اقتصادية لا تتماشى ومطالب انتفاضة 1958. ذلك أن الائتلاف الحاكم كان أحرص على تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية (الحليف الاستراتيجي) مما دفعه إلى خوصصة عدة قطاعات وتوخي سياسة تقشفية أثرت سلبا على الخدمات العمومية وأسعار المواد الأساسية والمحروقات (ارتفعت مصاريف التنقل ب 30%) مما أثار سخط الطبقات المسحوقة. أتى شافيز وفاز بالانتخابات على أساس برنامج ثوري تمثل في المشروع الاشتراكي البوليفاري الذي قام على أساسه بتأميم العديد من القطاعات السيادية الحيوية كالصناعات البترولية وفرض التعليم والصحة المجانيين.
إن ما نعيشه اليوم من انحراف خطير عن مسار الثورة واستحقاقاتها وأهدافها لخير دليل على أن الترويكا لا تعدو أن تكون أقلية من الأقليات التي توارثت الحكم والوطن والشعب بعد الاستعمار الفرنسي فالدستوري فالتجمعي.
فعن أي ثورة يتحدثون وكل من ينتقد السلطة (السياسية منها والعسكرية) يتهم ب"العلماني اليساري المتطرف" أو "بيتيم فرنسا أو بورقيبة" أو بأنه من أتباع "الصفر فاصل" وغيرها من المصطلحات التي تذكرنا بعهد خلناه ولى وانتهى،
عن أي ثورة يتحدثون ولم يتحقق شيء من مطالب الثورة من تشغيل وحرية وكرامة مقابل تقاسم الأقلية الحاكمة المناصب والامتيازات والتعويضات،
عن أي ثورة يتحدثون والترويكا الحاكمة بصدد ضرب أحد أهم مكاسب الثورة وهي حرية التعبير والرأي، وهي تحاصر اليوم حق العمل النقابي لتسجن وتهين النقابيين المناضلين أو تعاقبهم بخصم أيام الإضراب من أجورهم،
عن أي ثورة يتحدثون وكل من يتظاهر سلميا أو يحتج أو ينتقد عمل السلطة يحاصر أو يسجن أو يمنع من السفر،
عن أي ثورة يتحدثون أمام تصاعد عنف ونفوذ المتطرفين من السلفيين مع تواطؤ وصمت مريبين من حركة النهضة ليصل بهم الأمر إلى التعدي على أشراف المناضلين والمقاومين ضد الكيان الصهيوني. لقد اعتدى تونسيون على سمير القنطار الذي يهيبه الصهاينة ولم يسلم الفنانون والمثقفون والدعاة التنويريون بدورهم من سيوف أولئك المجرمين الظلاميين،
عن أي ثورة يتحدثون والمجرمون من السلفيين المتطرفين يصولون ويجولون ليبثوا الفتنة والرعب في قلوب التونسيين بكل حرية بينما يقبع أبناء سيدي بوزيد وساقية سيدي يوسف من الذين طالبوا بالتشغيل والتنمية الجهوية العادلة في السجون،
عن أي ثورة يتحدثون وأزلام النظام البائد يقلدون المناصب العليا في الدولة والقناصة وقتلة الشهداء محتمون بحصن وزارة الداخلية لا خوف عليهم ولا هم يحزونون،
عن أي ثورة يتحدثون وعلى المستوى الاقتصادي لم يحصل أي تغيير أو مراجعة، والأقلية الجشعة تواصل التفريط في مقدرات الوطن بالدينار الرمزي لحلفائها الجدد في سبيل تثبيت السلطة والحصول على ديون بشروط "امتيازية" وتوفير السيولة الضرورية لإسكات الأفواه وتحقيق السلم الاجتماعية على الأقل قبل الانتخابات القادمة،
عن أي ثورة يتحدثون والسلطة ما تزال تسلك مسلك سابقتها في التداين الأعمى والآلي. إن التداين هو إهدار لموارد الدولة وثرواتها وخوصصة للمؤسسات العمومية وتفريط في السيادة الاقتصادية مع تأجيل التنفيذ، إذ عادة ما تصرف أموال الخوصصة لخلاص الدين تحقيقا لمآرب صقور الليبرالية المتوحشة التي لا تتوانى عن الانقضاض على مقدرات الشعوب المفقرة حال عجز الدول المقترضة عن تسديد الديون،
عن أي ثورة يتحدثون وما نزفته تونس من سيولة (بالعملة الصعبة) وستظل تنزفه بسبب السياسة الاقتصادية للأقلية الحاكمة الجديدة لصالح السوق المالية العالمية وتجار البؤس نتيجة تسديد الديون وخاصة الفوائض المجحفة (صدرت تونس ما يقارب سبعة مليار دولار منذ 1986 بحساب ما اقترضته وخصم ما سددته في نفس الفترة)،
عن أي ثورة يتحدثون في تواصل نفس المنوال التنموي والاقتصادي المهين لما يزخر به الوطن من مؤهلات بشرية وثروات طبيعية تباع بأبخس الأثمان في سوق البؤس والتبعية،
عن أي ثورة يتحدثون والسياسات الجبائية البنعلية لم تتغير، فالطبقة الشغيلة والأجراء سيدفعون، حسب الميزانية التكميلية لسنة 2012، أكبر قسط من المداخيل الجبائية. ويكفي أن نذكر أن "الأداءات المباشرة الاعتيادية" تساوي 6.3 مليار دينار تمثل فيها مداخيل الضريبة على الأجور أوفر نسبة (60%) مقابل 40% فقط لمداخيل الضريبة على الشركات،
عن أي ثورة يتحدثون وتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ظل محور مزايدات بين جل الأحزاب وخاصة تلك التي تدعي الثورية وتسترشد في خطابها الفكر القومي العروبي دون أن يتحول خطابها إلى فعل سياسي أو يرقى إلى طرح المسألة بجدية أمام المجلس التأسيسي. إن تغييب هذا الموضوع عن النقاش السياسي الدائر هو بداية التطبيع وهو بذلك يمهد لجريمة أشنع وهو أن لا يكون الدستور القادم في مستوى تطلعات الثورة من مقاومة للاستبداد بكل أنواعه إلى حق الشعوب في الانعتاق وتقرير المصير،
عن أي ثورة يتحدثون وحكومة الترويكا تسبق حسن العلاقات مع حلفائها الجدد (السعودية، قطر...) على حساب حق التونسيين في جلب بن علي وصخر الماطري ومحاسبتهما واسترجاع الأموال التي نهبوها،
عن أي ثورة يتحدثون والحكومة رافضة للحوار والوفاق مقتصرة على المناورات السياسية ومنهج المخادعة حين تسلم البغدادي المحمودي إلى الإخوان في جنح الظلام إلى ليبيا باعتبارهم امتدادها السياسي والأيديولوجي وكأنها لا تعترف بحدود الدولة القومية وما تعنيه من سيادة، كل ذلك في تعد على مؤسسات الدولة وبتطويع لأهم وأخطر أجهزتها (القضاء والأمن والدفاع)، إنها بداية أخونة الدولة يا مولاي،
عن أي ثورة يتحدثون وجشع الأقلية الحاكمة طال الإعلام والقضاء وحتى هيئة تنظيم الانتخابات مما يؤشر على طمع توسيع نفوذها وتمديد سلطتها بطرق غير شرعية،
عن أي ثورة يتحدثون وحركة النهضة تطلق العنان لذراعها المسلح، السلفيون المتطرفون، للترويع والترهيب في بنزرت وقابس والقيروان وسيدي بوزيد، لإلهاء الرأي العام فيخلو لها المجال في الأثناء لملاحقة المنتقدين لها وتعيين أتباعها على رأس المؤسسات الإعلامية وإقالة كل من لم تستسغ خطابه ومواقفه،
عن أي ثورة يتحدثون ورئيس الجمهورية لم يستفق بعد من غثيان السلطة وازدواجية الخطاب، تراه يتحدث عن السيادة وحق تقرير المصير والعروبة والقومية لينحني بعد ذلك للثورة الفرنسية أمام الجمعية العامة بباريس. لا يا سيدي الرئيس، لم يكن للثورة الفرنسية أثر ولا وجود في شعارات ثورتنا المجيدة. كما أن تونس الثورة أكبر من أن تمثل مجرد حاجز آمن أمام عبور موجات الهجرة السرية إلى أوروبا (un sas)، كما تفضلت بقوله أمام نواب الفرنسيين،
عن أي ثورة يتحدثون والأقلية الجشعة تنحني أمام إملاءات أمريكا وحلفائها الإقليميين لتنفيذ "مشروع القرن الأمريكي الجديد" الذي هندسته صقور اليمين الأمريكي للاستحواذ على مقدرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد أن تهاوى نفوذها في أمريكا الجنوبية في ظل الثورات الشعبية التي اقتلعت الهيمنة الامبريالية من المنطقة وصعود الصين وروسيا وإيران كقوى إقليمية منافسة.
إننا وبلا شك في مرحلة انقلاب الأقلية الجشعة على العقد الاجتماعي والتي يتجلى فيها القمع المتزايد بالتزامن مع تعاظم طمع الطبقة الحاكمة وطموحاتها في توسيع نفوذها بوسائل غير شرعية.

- إلى أين؟
من الواضح أن الترويكا الحاكمة اختارت المرور إلى منطق التوسع على حساب الشرعية والوفاق لتظهر بوادر الجشع قبل أوانها وتحيد عن مطالب الثورة همها الوحيد في ذلك تثبيت الكراسي والهيمنة على مفاصل الدولة من إدارة وإعلام وقضاء ومال تمهيدا للانقلاب على الشرعية عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة.
ليس أمام كل القوى السياسية والمدنية الشريفة إلا المقاومة بالفكر والساعد من أجل:
·        الدفاع بكل شراسة عن ما تبقى من حرية تعبير والتصدي لكل سياسات الترهيب الفكرية والمعنوية والجسدية التي تنتهجها الحكومة لتكميم الأفواه إما بالوكالة عبر ذراعها المسلح من سلفيين ومارقين عن القانون، أو المحاكمات العسكرية لكل من يتجرأ على انتقاد قيادة الجيش، أوتتبع أو سجن كل من مارس حقه في التظاهر السلمي،
·        الوقوف إلى جانب الإعلاميين والصحفيين ضد تغول الحكومة وسياستها الرامية إلى إخضاع الإعلام وتركيعه وتدجينه والدفع نحو تفعيل المراسيم المنظمة للقطاع وإحالة ملف إعداد القائمة السوداء للصحفيين المتواطئين مع النظام البائد إلى لجنة خاصة تتكون من نواب من المجلس التأسيسي وقضاة وممثلين عن الهيئات المهنية والنقابية المختصة حتى لا تكون أداة مساومات سياسية أو ابتزاز،
·        دعم كل المسارات التوحيدية التي تنتهجها القوى اليسارية التقدمية والديمقراطية والوطنية من أجل تشكيل قوة سياسية قادرة على طرح البديل والخروج من الاستقطاب الثنائي الذي لا يخدم إلا قوى الردة سواء التجمع الديني الجديد أو التجمع البورقيبي القديم مع وضع قضية العدالة الاجتماعية والتشغيل ومحاربة الفقر والتهميش على رأس أولوياتها،
·        التفاف المجتمع المدني والأكاديميين والفنانين والمثقفين والمفكرين حول هذه المسارات التوحيدية من أجل تأسيس البناء الفكري لثورة حقيقية وإنتاج الفن والأدب والشعر الذي ينسجم مع روح الثورة ويشكل أداة صمودها الروحي والمعنوي والفلسفي.

أيوب المسعودي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire