mardi 4 juin 2013

على أبواب ذكرى النكسة : من الوطن السليب إلى الثورة المغدورة

على أبواب ذكرى النكسة
من الوطن السليب إلى الثورة المغدورة
أيوب المسعودي
01 جوان 2013


نشر في جريدة الشروق بتاريخ 03 جوان 2013





http://goo.gl/n9ZgB

سؤال راودني وأنا أتحسس الكلمات الأولى للحديث عن ذكرى نكسة حزيران/جوان 1967، ذلك الكابوس الذي مزق الأمة وأقض مضجع تاريخنا ووعينا العربي والإسلامي، لماذا تغلب الغرب، رغم تعدد لغاته وثقافاته، على ما تراكم من أحقاد وضغائن في أعقاب الحربين ليبني أحلافا واتحادات ومؤسسات عسكرية واقتصادية وسياسية عملاقة وفاعلة كالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والبرلمان الأوروبي، بينما تخلفنا نحن العرب والمسلمين وزدنا انحطاطا وانقساما، رغم وحدة اللغة والثقافة والتاريخ؟ فلا نحن حققنا حلم التقدم والديمقراطية والوحدة المنشودة، ولا نحن حافظنا على وحدة الأقطار والتعايش السلمي لشعوبها؟
وبعيدا عن منطق جلد الذات وما اعتاد عليه النظام العربي الرسمي وترسانته من إعلام رسمي وكتاب رسميين ومحللين رسميين من تشويه للحقائق وقصف للعقول وإحباط للعزائم وتوطين لثقافة الهزيمة دون استخلاص عقلاني للعبر والدروس لا من النكسة فقط وإنما من النكبة وجملة النكسات إلى تداعيات إدارة ما بعد حرب تشرين الأول/لأكتوبر 1973 والتي قال فيها السادات أنها "آخر الحروب ضد إسرائيل" ممهدا الطريق لسلسلة من الهزائم السياسية والخيانات من كامب ديفيد إلى سلطة الحكم الذاتي في رام الله وبدء تفكيك المقاومة.
سأحاول في هذا المقال أن أفسر :
  1. أن جملة هذه النكسات والإخفاقات العسكرية هي نتاج طبيعي لمقولات وسياسات النظام الرسمي العربي الذي تم استيلاده بعيد الحربين خدمة لمصالح الاستعمار وهي سياسات تجد اليوم تواصلها في أنظمة ما بعد الاستقلال وحتى تلك التي أتت بها الثورات العربية،
  2. أنه لا يمكن أن نتحدث عن النكسة في إطارها الزمني والمكاني الضيق بل وجب وضعها في السياق العام لعلاقة الأنظمة العربية بالاستعمار والأجندات الامبريالية التي أوجدت وكلاء محليين تواطؤوا في تفكيك الوطن العربي وتدمير العراق وليبيا وسوريا وإجهاض الثورات العربية.

في المقولات الانهزامية لبورقيبة والسادات
يوم 03 آذار/مارس 1965، أي قبل سنتين تقريبا من نكسة 1967، ومن أريحا، دعا بورقيبة إلى توخي سياسة المراحل تجاه العدو الصهيوني محذرا من سياسة "الكل أو لا شيء". ورغم مرور نصف قرن على هذا الخطاب الانهزامي، فقد ظلت مقولات بورقيبة عالقة بأذهان أولئك الذين يؤمنون باطلا بالتفاوض مع عدو لا يعترف بالتفاوض ويرون في كلام بورقيبة نموذجا للعقلانية والنظرة الاستشرافية. هؤلاء لم يستوعبوا دروس النكسات نقض العدو الصهيوني لكل الاتفاقيات والمعاهدات وفشل المفاوضات التي يعتبرها الصهاينة مجرد أداة لربح الوقت وحث وتيرة الاستيطان والانقضاض على القدس.
ومعلوم كم أن مثل هذه المقولات وغيرها من مواقف بعض القادة العرب الاستسلاميين قبل النكسة أسهمت في إحباط العزائم ومثلت طعنة في ظهر وطن يحاول لملمة جروحه وتوحيد صفوفه لبناء عقيدة عسكرية موحدة ومشروع وحدوي في وجه الاستعمار الغاشم، وهو خطاب خدم المشروع الصهيوني وأضعف خيار المقاومة في التصدي للعدو الصهيوني وحلفائه.
لم يتوقف بورقيبة عند هذا الحد، ففي تموز/جويلية 1973، تقدم بورقيبة بمبادرة جديدة تقضي بقبول التقسيم والاعتراف بالعدو الصهيوني على أساس الشرعية الدولية وطبقا للقرار 181 لسنة 1947 وإقامة دولة فلسطينية على أراضي ما يعرف ب"شرق الأردن"، أي فوق الأراضي الأردنية الحالية، وقد أتى ذلك في إعادة لاسطوانة "الوطن البديل" والذي يرمي إلى حسم القضية الفلسطينية على حساب الأرض العربية ولصالح العدو الصهيوني، وهو ما أدى إلى قرار الأردن قطع علاقاتها الديبلوماسية مع تونس.
من اللافت أن خطاب بورقيبة هذا تزامن مع تصريحات السادات بخصوص حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 والتي قال فيها أنها ستكون "آخر حرب ضد إسرائيل". تصريحات بورقيبة والسادات أتت لتعمق حالة التفكك والانشطار والعجز العربي وتزيد في تشويش الأذهان و إحباط العزائم، كما جاءت نتاجا لضغط أمريكي-بريطاني-صهيوني لتغيير وجهة الصراع من تحرير الأرض المغتصبة إلى مشروع وطن بديل كامتداد لحلول التقسيم التي دأبت عليها إدارة المستعمرات البريطانية والفرنسية.
إن هذا التواطؤ من أنظمة قطرية أنانية وانهزامية ومعادية للوحدة العربية لا يمكن أن يفهم خارج سياق موجات إعلان استقلال جول عربية تم فيها تنصيب أنظمة تابعة من قبل الغرب تضمن لهم استمرارية مصالحهم ومحاربة المشروع الوحدوي الرامي إلى تحقيق عزة الأمة العربية وكرامتها وسيادتها. وهو دور توارثته الأنظمة العربية الرجعية الخليجية المبنية على حكم العوائل وغيرها من الأنظمة العسكرية والبوليسية والإسلاموية التي أتت بها الثورات.

من الانهزامية إلى التواطؤ إلى التعاون
إنه لمن المخزي في تونس، وبعد ثورة 17 ديسمبر/كانون الثاني، أن تنص وثيقة "مخطط الياسمين" والتي أعدت في ظل حكومة السبسي، على تأسيس قرطاج وخطاب أريحا 1965 وتسكت على 20 آذار/مارس 1956. وللتذكير فإن مخطط الياسمين هو عبارة عن مشروع يفوض المسألة الاقتصادية التونسية لصندوق النقد الدولي لإعطائه الضوء الأخضر لتفكيك الاقتصاد الوطني، أو ما تبقى منه، والقبول بمشروع "إصلاح هيكلي" مقابل إغراق تونس في الديون، وهو مشروع تكفلت حكومة الترويكا العميلة بتنفيذه وتمريره عنوة في ظل الاغتيالات والأزمات الأمنية المصطنعة التي هزت تونس.
كما لا يمكن السكوت عما نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء حول خبر إمضاء مذكرة تفاهم في المجال العسكر ي بين تونس وقطر يوم 20 كانون الأول/نوفمبر بالدوحة. ويأتي هذا التعاون في إطار زيارة قام بها كل من رشيد عمار وعبد الكريم الزبيدي إلى الدوحة بين 18 و 21 كانون الأول/نوفمبر حيث التأمت ندوة جمعت كبار الكوادر والإطارات العسكرية للبلدان المشاركة في عملية "Predatory Falcon 3" (الصقر المفترس 3)، والتي شاركت فيها تونس بحوالي 200 عسكري جنبا إلى جنب مع عسكريين من دول أوروبية وأخرى إسلامية من بينها تركيا، ولكن اللافت هو مشاركة تونس جنبا إلى جنب مع أذربيجان، الدولة الطرف في منظومة الناتو والتي يتدرب تحت رايتها عسكريون صهاينة مشاركون في هذه المناورات وتحديدا في قاعدة العديد القطرية، تلك التي انطلقت منها غارات الناتو على العراق في 2003 وليبيا في 2011.
وهكذا مررنا من الخذلان السياسي إلى التواطؤ والتحالف مع الصهيونية، ولعل حذف مناهضة الصهيونية من مسودة الدستور الرابعة (01 حزيران/جوان 2013) هو أخطر مؤشر على هوان الإرادة السياسية وعمالة الأنظمة العربية وعلى رأسها تلك التي أتت بها الثورات إلى سدة الحكم.
سياسة الغدر والخذلان والخيانة لم تقتصر على المستوى السياسي وإنما امتدت إلى مستوى التعاون العسكري كما بينت، وصولا إلى التنسيق الدبلوماسي والسياسي عندما طرد المرزوقي السفير السوري ومهدت دبلوماسيتنا للعدوان على سوريا عندما احتضنت أول مؤتمر لمن يسمون أنفسهم "أصدقاء سوريا" والذي تحول بعد ذلك إلى غطاء سياسي للعدوان على سوريا بمال وهابي قطري وسعودي ومرتزقة عرب وسلاح أمريكي أطلسي انطلاقا من تركيا والأردن.
وهكذا، مرة أخرى، يتحالف العرب ضد العرب بدعوة من أمريكا والناتو، خدمة لمصالح الغرب قصد تفتيت الأمة وتقسيمها وتشطيرها قبل الانقضاض على ثرواتها. إنها حرب تأتي في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية ولا تعدو أن تكون، من المنظور الغربي، غير سوق جديد يدعم به الغربيون صادراتهم من الأسلحة ويضمنون فيه فرصا جديدة للاستثمار في ما يسمى "مشاريع إعادة الإعمار". ولعل فشل توحيد المنظومات العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي منذ تأـسيسه (1981) واستشراء الفساد في صفقات الأسلحة التي تعقدها العائلات الخليجية الحاكمة منفردة مع أمريكا ودول غربية أخرى، كصفقات السموم واليمامة وغيرها، ورفض أمريكا التعامل مباشرة مع مجلس التعاون الخليجي مفضلة التفاوض مع كل دولة على حدة مع السهر على بث سموم الفتنة والشكوك والتوجس بين العائلات الحاكمة لدفعها إلى مزيد التسلح...
كل هذه العوامل مجتمعة، مع تراجع التعليم والمدرسة والجامعة وتخلف البحث العلمي والتصنيع تدل على أن سياسة المراحل التي نادى إليها بورقيبة بتعلة اختلال موازين القوى لم يكن لها أساس وأن النظام التونسي البوليسي، القديم منه والجديد، مثله مثل الأنظمة الرجعية كانت خاضعة لإملاءات الغرب التي دفعت إلى مزيد من القطرية والانقسام والتشرذم وهو ما يؤدي حتما إلى إضعاف الأمة وتجهيلها وتفقيرها.
ومن هنا يأتي الجواب عن السؤال المطروح في مفتتح المقال، وهو أن الغرب توحد وتجاوز خلافاته وحروبه الدينية واختلافاته اللغوية والثقافية لوعيه بضرورة التوحد كعامل قوة وبناء. الغرب توحد لأنه تعلم من الإخفاقات والتجارب وراكم المعارف والتكنولوجيا وكتب التاريخ ووضع المؤسسات والقوانين والاستراتيجيات للحفاظ على وتفوقه، أما نحن العرب فلم نتفق بعد على لون العلم ورؤية الهلال ونواقض الوضوء.









Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire