lundi 1 juillet 2013

الحقيقة حول حوار الجنرال : بين أزمة النخبة السياسية وخطر العسكرة

الحقيقة حول حوار الجنرال

بين أزمة النخبة السياسية وخطر العسكرة






نشر في جريدة الصباح الأسبوعي بتاريخ
01 جويلية 2013







في أكثر من محطة في تاريخ ثورة 17 ديسمبر، أثبتت النخبة السياسية، حكومة ومعارضة، أنها تعيش أزمة في القيادة وعقيدة التأسيس ومنطق الدولة ليغلب على مواقفها في أحسن الأحوال العاطفية وفي أسوأ الأحوال الانتهازية أو أبشع الغرائز كالخوف من خطر الإرهاب الداهم والحاجة إلى المنقذ والمخلص، ولو كان جنرالا أو شيخا مقبلا على عقده التاسع. ولعل طبيعة ردود الأفعال التي أثارها حوار السيد رشيد عمار على قناة التونسية لدى الملاحظين السياسيين خير مؤشر على ذلك، وسأحاول في هذا المقال، من وجهة نظر نقدية، تحليل الحوار، الذي كان أقرب إلى المونولوج أو النجوى أو حديث النفس لرفع الغطاء عن مجموعة من الحقائق التي ترفض النخبة السياسية الجهر بها لخوف أو جهل أو حسابات انتخابوية.
أولا، أشكر جريدة الصباح الأسبوعي على منحي فرصة الرد على السيد رشيد عمار الذي ذكرني بالاسم وحرمتني قناة التونسية، في غاية الحرفية والنزاهة، من هذا الحق رغم اتصالي بهم والإلحاح عليهم لتمكيني من توجيه بعض الأسئلة للجنرال. وأسوق هذه الأسئلة، وتساؤلات وملاحظات عامة أخرى، متوجها إلى الوعي الجمعي والرأي العام.

في مسألة الإرهاب
سأخصص هذا الجزء الأول لمسألة الإرهاب.
أما في مسألة الإرهاب، وفي مستوى الظاهر في الخطاب، فقد تعمد الجنرال إلقاءَ كل المسؤولية على الحكومة عندما تحدث عن قصور في الجانب الاستعلاماتي متذرِّعًا في ذلك بأن دور الجيش يقتصر على الجانب العمليّاتي والذي لا يمثل سوى عُشُرِ المجهود في الحرب على الإرهاب. كما أشار في حديثه إلى أن تمشيط جبل الشعانبي أتى كقرار يكاد يكون اعتباطيا حتى "يطمئن قلبه".
هذا المعلن، أما الأقرب إلى الحقيقة في تقديري، وكما فسرت ذلك في مقالي على مدونتي (أنظر المصدر 1)، فهو أن ما يسمى إرهابا، هو في حقيقة الأمر قد يصب في مصلحة كل من حكومة الترويكا وحركة النهضة رأسا من جهة والطموحات السياسية للجنرال من جهة أخرى.
حركة النهضة استفادت من الإرهاب على أكثر من مستوى بدءا بالتصفية الجسدية لأحد الخصوم السياسيين الأكثر شراسة ووضوحا في مناهضتهم لسياساتها، كما سمح تأجيج الصراع بإعادة ترميم البيت الداخلي لحركة النهضة وتوحيد صفوفها حول المسألة الهوياتية والعقدية "الجامعة" بعد أن شهدت هزات كادت تعصف بالتنظيم (أنظر المقال الرائع لابراهيم الهضيبي، الإخواني، في تحليله لسياسات الإخوان قبل وبعد الثورة في مصر وتركيزه على عجز الجماعة عن الخروج من بوتقة الصراع العَقَدي لافتقارها لسياسات اقتصادية واجتماعية تلبي انتظارات الجماهير (أنظر المصدر 2))، كما أن خلق بؤرة التوتر هذه منحت حركة النهضة هامشا من المناورة السياسية  لتمرير صفقة قذرة دار رحاها في دار الضيافة بعيدا عن الأضواء وتحت فرقعات الشعانبي من أجل تمرير دستور رجعي بمباركة أحزاب انتهازية مقابل وعود بالمشاركة في الحكم.
أما الجنرال رشيد عمار، فقد خادع الرأي العام في أكثر من موقف، فالحديث عن أن الجيش لا يملك مصالح استعلامات عار من الصحة والدليل على ذلك ما عاينته من مجهودات جبارة في إدارة القضاء العسكري لتقصي كل ما يكتبه المعارضون ومحامو عائلات الشهداء أو ممثلوهم والسرعة الخرافية التي يتم بها تلفيق تهم المساس بذات الجنرال أو هيبة الجيش ومعنوياته... والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل يصدِّق عاقل أن مؤسسة عسكرية تحترم نفسها لا تتوفر على مصلحة استعلامات تكون لها مصادرها ومواردها واستراتيجيتها وتجد الوقت والجهد لمراقبة الصحفيين والحقوقيين؟ ونتساءل هنا، لماذا لم تعر القيادة العسكرية أو القضاء العسكري أي اهتمام لتصريحات شكري بلعيد مثلا عندما أكد وجود أسلحة ومراكز تدريب جهاديين في تونس منذ بدايات 2012، أي منذ أكثر من سنة، لماذا لم يتم الاستماع إلى أقواله ومحاولة التعمق في البحث استجلاءً للحقيقة؟ والسؤال المهم والأهم، لماذا قتل شكري بلعيد؟
كما أن الحديث عن عامل "الصدفة" في قرار تمشيط جبل الشعانبي والصدفة العجيبة التي جمعت بين الذكرى 57 لانبعاث الجيش الوطني والقضاء النهائي على الجماعات الإرهابية داخل المنطقة الجبلية وقرار الاستقالة، كلها مواربات لا تنطلي إلا على ساذج. بل إن الحديث عن اعتباطية القرارات، التي قد تكون مباركة من الأولياء الصالحين و"الأرض السخونة" هو ضرب من الاستخفاف بالمسؤولية التي يتقلدها رئيس الأركان وهي تصريحات لا تليق بمؤسسة الجيش التي نريدها أن تكون عصرية ومواكِبة للوسائل والتكنولوجيات الحديثة في زمن الحروب الإلكترونية وأن تنأى بالدولة العصرية التي نصبو إليها عن عهد وشاية العمدة والوالي...
في زيارتي لجرحى الشعانبي بالمستشفى العسكري نهاية أفريل، كان لي حديث مطول مع رجال من الحرس الوطني وفرقة مكافحة الإرهاب والذين أكدوا لي غياب أي خطة أو برنامج واضح لتمشيط الشعانبي، وقد قالوا لي ذلك بنبرة فيها حُرقة ولوعة على زملائهم امتزجت بتأكيد على عزمهم المواصلة رغم الصعاب والمخاطر، وهو كلام يفرض الاحترام والانحناء أمام وطنية رجال أمننا وجيوشنا.
كما أن الحديث عن الصعوبات الطبيعية وعن أن الجيش بذل جهدا كبيرا في "استرجاع الجبل من الطبيعة" هو دليل ثان على تقصير القيادة العسكرية وغياب العقل الاستشرافي والاستراتيجي لدى القيادة العسكرية التي لم تستوعب الدروس من أحداث سليمان في 2006.
الجنرال رشيد عمار، الذي عُين في 2002 رئيسا لأركان جيش البر بعد وفاة الجنرال عبد العزيز سكيك مع عدد من ضباط الجيش في ظروف غامضة، استحضر عملية سليمان وأتى على النجاح الذي سجلته القوات المسلحة ضد الإرهابيين والذي يُرجِعه إلى نجاعة جهاز الاستعلامات زمن بن علي. مرت سبع سنوات على هذه الأحداث ولم تر القيادة العسكرية من بد لوضع مناطق عزل حول الجبل وداخله تكشف تحركات الإرهابيين وتحد من إمكانية انتشارهم؟
وجوهر القول في هذا الشأن، أن حركة النهضة هي المستفيدة الرئيسية من تفشي ظاهرة الإرهاب، وقد نجحت بكل اقتدار في جر طيف كبير من المعارضة التي انساقت وراء أجندة حركة النهضة في تهميش المطالب الحقيقية للثورة باسم الوحدة المقدسة في الحرب على الإرهاب. هكذا نجحت السلطة الجديدة في حصر أولويات المرحلة في النظام السياسي وتنظيم التنافس على الحكم بما يضمن الحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة الجديدة وحقها في "المشاركة" السياسية وإفراغ ثورة 17 ديسمبر من مضمونها وتحويلها من صراع من أجل العدالة الاجتماعية والوجود والمواطنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حرب ضد الإرهاب باختلاق الهاجس الأمني.
لقد نجحت حركة النهضة في مناسبتين في صناعة رجال دولة وهميين، الأولى عندما خرج علينا الجبالي، في توزيع  بارع للأدوار ، بمقترح حكومة تكنوقراط لتخرج المعارضة مهللة بميلاد "رجل دولة"، وهاهي اليوم تصدق مسرحية جديدة كتبت في أسوار السلطة الجديدة.
لقد حاول الجنرال عمار في معرض خطابه التخويفي الإشارة إلى خطر الصوملة وسقوط تونس في أيدي جماعات "ترمي إلى قلب نظام الحكم وتغيير طبيعة المجتمع" في تسويق لنفسه كمنقذ من الخطر الإرهابي الداهم. أما حركة النهضة، فهي تسعى عبر خلق هذا الهاجس الأمني إلى التموقع في وسط اليمين "المعتدل المحافظ" كخيار ضد التطرف والغلو ولا أستبعد أن ترشح الجنرال المنقذ لرئاسة الجمهورية المقبلة على أن تمسك هي بمقاليد الحكومة برئاسة الجبالي. إلى ذلك الحين، لا تزال سيدي بوزيد، القصرين، الكاف، قفصة... والأحياء المفقرة والمعدمة في الساحل والعاصمة ترزح تحت الفقر والتهميش. إلى ذلك الحين، ما تزال عائلات الشهداء تطالب بحق أبنائها وما يزال جرحى الثورة يُسامون سوء العذاب والمذلة.


أيوب المسعودي

مصادر
(1)   - صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي، أيوب المسعودي، goo.gl/YalfG
(2)     goo.gl/2xk4I, "FROM PRISON TO PALACE: THE MUSLIM BROTHERHOOD’S CHALLENGES AND RESPONSES IN POST-REVOLUTION EGYPT", In FRIDE, Working paper N° 117, February 2013.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire