Designed by Freepik

samedi 13 juillet 2013

الحقيقة حول حوار الجنرال في وقائع قضية تسليم البغدادي المحمودي

الحقيقة حول حوار الجنرال
في وقائع قضية تسليم البغدادي المحمودي
13 جويلية 2013

نشر في جريدة الصباح الأسبوحي بتاريخ 15/07/2013



لقد تعمد صحفي التونسية، بصوت مرتجف، طمس الحقيقة وتشويهها عند سؤال الجنرال رشيد عمار عن قضية تسليم البغدادي المحمودي عندما نسب إلي اتهام الجنرال ب"الخيانة العظمى"، وهي عبارة لم أستعملها قط عندما صرحت بما صرحت في تشخيص سياسي لجريمة سياسية وصّفتها ب"خيانة الدولة". وقد كان توصيفي ذلك مستندا إلى وقائع عشتها وعاينتها أثناء مباشرتي لمهمتي السابقة كمستشار للرئيس المرزوقي أواخر جوان 2012 كما أنني أكدت مرارا وتكرارا أن السيد رشيد عمار شريك في جريمة دولة مكتملة الأركان بمشاركة عدد من وزراء الترويكا.
رد السيد رشيد عمار جاء غامضا تعمد فيه التمويه والمواربة محملا المسؤولية للحكومة ومتفصِّيا مما يمليه عليه واجبه المهني والأخلاقي. ولا ضير في هذه الحالة في التذكير بالوقائع والقوانين لوضع الأمور في نصابها.

أما على مستوى الوقائع،

أذكر أنه صباح ذات 24 جوان 2012، تم تهريب المواطن الليبي البغدادي المحمودي من الثكنة العسكرية بالعوينة على الساعة العاشرة و 20 دقيقة على متن طائرة خاصة ليبية وبحضور رئيس أركان الجيش الليبي وقد تم تسخير الثكنة لهذه المهمة من قبل القيادة العسكرية التونسية ودون إعلام رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة،
أذكر السيد رشيد عمار أن هذا التهريب أتى أسبوعا قبل موعد الانتخابات التأسيسية في ليبيا وأن السيد حسين الديماسي تحدث، قبيل استقالته، في قناة حنبعل عن وجود صفقة بملايين الدولارات مقابل تسليم المحمودي، وأكاد أجزم أن المحمودي سُلم كورقة انتخابية لصالح إخوان ليبيا بتواطؤ سافل من السيد رشيد عمار مع حكومة العمالة وفي ذلك تحقير للجيش،
أذكر السيد رشيد عمار أن السيد عماد الدائمي مدير الديوان الرئاسي سابقا صرح بأن تسليم المحمودي كان "طعنة في الظهر" دون أن توجه له تهمة تحقير الجيش،
أذكر السيد رشيد عمار أن كل مطالبي بمكافحته هو ووزير الدفاع والسيد حسين الديماسي ووزير الخارجية ووزير العدل كلها جوبهت بالرفض من قبل القضاء العسكري الخاضع لا لشيء إلا للتغطية على إحدى أقذر الجرائم السياسية والإنسانية التي مست من هيبة تونس وجيشها،
أذكر السيد رشيد عمار أنني لم أكن في حالة فرار وقد تزامنت إثارة التتبعات ضدي مع زياراتي إلى سيدي بوزيد وكتابة مقالات أزعجت السلطة السياسية ومع ذلك تم منعي من السفر طوال سبعة أشهر،
أخيرا أذكر أنه لم تتم إحالة السلفي الذي حقر العلم التونسي بجامعة منوبة على القضاء العسكري بموجب الفصل 91 من مجلة العقوبات والمرافعات العسكرية الذي حوكمت على معناه.

أما على المستوى القانوني،
أولا، على مستوى الشكل، السيد رشيد عمار فقد صفته العسكرية منذ مارس 2012 ببلوغه السن الأقصى الذي يحدده القانون الأساسي للمؤسسة العسكرية (65 سنة)، أما بالنسبة للسيد عبد الكريم الزبيدي فقد كان عضوا مدنيا من أعضاء الحكومة مما يبطل الصفة في القيام بالحق الشخصي في هذه القضية،
ثانيا، قرار فتح البحث المؤرخ في 27 جويلية 2012 جاء يتيم الجهة لا يحمل إسما ولا توقيعا مما يدفع إلى طرح أكثر من سؤال حول هوية من أثار البحث،
ثالثا، لا يمكن للقضاء العسكري أن يكون خصما وحكما في قضية الحال خاصة وأن زاعما الضرر، السيد رشيد عمار والسيد عبد الكريم الزبيدي، لهما اليد الطولى في مصير القضاة العسكريين، فقاضي التحقيق والقضاة بما فيهم المدنيون الملحقون بالقضاء العسكري معينون من قبل وزير الدفاع وخاضعون لسيف سلطته التأديبية،
رابعا، المنشآت العسكرية خاضعة للفصل 5 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية وتنفيذ الأمر 630 (أمر تسليم المحمودي) يقتضي تسخيرا ومشاركة فاعلة من قبل المؤسسة العسكرية وبالتالي الإذن والتسخير من القيادة وهو ما تم دون علم أو إذن من رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة الذي له السلطة المباشرة على وزارة الدفاع بموجب الفصل 1 من المرسوم عدد 671 لسنة 1975،
خامسا، ولتأكيد نية الإخفاء والخيانة، فإن الأمر 630 المتعلق بتسليم المحمودي والمؤرخ في 22 جوان 2012 (تزامنا مع عطلة نهاية الأسبوع) لم ينشر إلا في 30 جوان أي بعد ستة أيام من تاريخ التسليم (24 جوان 2012) علما وأن الأمر لا يكون نافذا إلا بعد النشر،
أخيرا وليس آخرا، فالمعلوم أن قرار التسليم عرّض الحدود الجنوبية للبلاد إلى عمليات انتقامية كما عرض حياة التونسيين المقيمين بليبيا إلى الخطر بالإضافة إلى تعرض المنشآت الدبلوماسية بليبيا إلى الاعتداء من طرف ليبيين غاضبين وهو ما يؤكد على ضرورة إطلاع رئيس الدولة على مثل هذه القرارات الخطيرة.

لقد ترسخت عندي قناعة أن قضية تسليم البغدادي المحمودي قُبِرت من أجل التغطية على إحدى أقذر الجرائم السياسية التي عرفتها تونس بتواطؤ من رئاسة الجمهورية وقد أُقحِم فيها الجيش لتحقيق مآرب سياسوية ومطامح ومطامع شخصية لمسؤولين لا يعترفون بالدولة ومقتضياتها.

lundi 1 juillet 2013

الحقيقة حول حوار الجنرال : بين أزمة النخبة السياسية وخطر العسكرة

الحقيقة حول حوار الجنرال

بين أزمة النخبة السياسية وخطر العسكرة






نشر في جريدة الصباح الأسبوعي بتاريخ
01 جويلية 2013







في أكثر من محطة في تاريخ ثورة 17 ديسمبر، أثبتت النخبة السياسية، حكومة ومعارضة، أنها تعيش أزمة في القيادة وعقيدة التأسيس ومنطق الدولة ليغلب على مواقفها في أحسن الأحوال العاطفية وفي أسوأ الأحوال الانتهازية أو أبشع الغرائز كالخوف من خطر الإرهاب الداهم والحاجة إلى المنقذ والمخلص، ولو كان جنرالا أو شيخا مقبلا على عقده التاسع. ولعل طبيعة ردود الأفعال التي أثارها حوار السيد رشيد عمار على قناة التونسية لدى الملاحظين السياسيين خير مؤشر على ذلك، وسأحاول في هذا المقال، من وجهة نظر نقدية، تحليل الحوار، الذي كان أقرب إلى المونولوج أو النجوى أو حديث النفس لرفع الغطاء عن مجموعة من الحقائق التي ترفض النخبة السياسية الجهر بها لخوف أو جهل أو حسابات انتخابوية.
أولا، أشكر جريدة الصباح الأسبوعي على منحي فرصة الرد على السيد رشيد عمار الذي ذكرني بالاسم وحرمتني قناة التونسية، في غاية الحرفية والنزاهة، من هذا الحق رغم اتصالي بهم والإلحاح عليهم لتمكيني من توجيه بعض الأسئلة للجنرال. وأسوق هذه الأسئلة، وتساؤلات وملاحظات عامة أخرى، متوجها إلى الوعي الجمعي والرأي العام.

في مسألة الإرهاب
سأخصص هذا الجزء الأول لمسألة الإرهاب.
أما في مسألة الإرهاب، وفي مستوى الظاهر في الخطاب، فقد تعمد الجنرال إلقاءَ كل المسؤولية على الحكومة عندما تحدث عن قصور في الجانب الاستعلاماتي متذرِّعًا في ذلك بأن دور الجيش يقتصر على الجانب العمليّاتي والذي لا يمثل سوى عُشُرِ المجهود في الحرب على الإرهاب. كما أشار في حديثه إلى أن تمشيط جبل الشعانبي أتى كقرار يكاد يكون اعتباطيا حتى "يطمئن قلبه".
هذا المعلن، أما الأقرب إلى الحقيقة في تقديري، وكما فسرت ذلك في مقالي على مدونتي (أنظر المصدر 1)، فهو أن ما يسمى إرهابا، هو في حقيقة الأمر قد يصب في مصلحة كل من حكومة الترويكا وحركة النهضة رأسا من جهة والطموحات السياسية للجنرال من جهة أخرى.
حركة النهضة استفادت من الإرهاب على أكثر من مستوى بدءا بالتصفية الجسدية لأحد الخصوم السياسيين الأكثر شراسة ووضوحا في مناهضتهم لسياساتها، كما سمح تأجيج الصراع بإعادة ترميم البيت الداخلي لحركة النهضة وتوحيد صفوفها حول المسألة الهوياتية والعقدية "الجامعة" بعد أن شهدت هزات كادت تعصف بالتنظيم (أنظر المقال الرائع لابراهيم الهضيبي، الإخواني، في تحليله لسياسات الإخوان قبل وبعد الثورة في مصر وتركيزه على عجز الجماعة عن الخروج من بوتقة الصراع العَقَدي لافتقارها لسياسات اقتصادية واجتماعية تلبي انتظارات الجماهير (أنظر المصدر 2))، كما أن خلق بؤرة التوتر هذه منحت حركة النهضة هامشا من المناورة السياسية  لتمرير صفقة قذرة دار رحاها في دار الضيافة بعيدا عن الأضواء وتحت فرقعات الشعانبي من أجل تمرير دستور رجعي بمباركة أحزاب انتهازية مقابل وعود بالمشاركة في الحكم.
أما الجنرال رشيد عمار، فقد خادع الرأي العام في أكثر من موقف، فالحديث عن أن الجيش لا يملك مصالح استعلامات عار من الصحة والدليل على ذلك ما عاينته من مجهودات جبارة في إدارة القضاء العسكري لتقصي كل ما يكتبه المعارضون ومحامو عائلات الشهداء أو ممثلوهم والسرعة الخرافية التي يتم بها تلفيق تهم المساس بذات الجنرال أو هيبة الجيش ومعنوياته... والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل يصدِّق عاقل أن مؤسسة عسكرية تحترم نفسها لا تتوفر على مصلحة استعلامات تكون لها مصادرها ومواردها واستراتيجيتها وتجد الوقت والجهد لمراقبة الصحفيين والحقوقيين؟ ونتساءل هنا، لماذا لم تعر القيادة العسكرية أو القضاء العسكري أي اهتمام لتصريحات شكري بلعيد مثلا عندما أكد وجود أسلحة ومراكز تدريب جهاديين في تونس منذ بدايات 2012، أي منذ أكثر من سنة، لماذا لم يتم الاستماع إلى أقواله ومحاولة التعمق في البحث استجلاءً للحقيقة؟ والسؤال المهم والأهم، لماذا قتل شكري بلعيد؟
كما أن الحديث عن عامل "الصدفة" في قرار تمشيط جبل الشعانبي والصدفة العجيبة التي جمعت بين الذكرى 57 لانبعاث الجيش الوطني والقضاء النهائي على الجماعات الإرهابية داخل المنطقة الجبلية وقرار الاستقالة، كلها مواربات لا تنطلي إلا على ساذج. بل إن الحديث عن اعتباطية القرارات، التي قد تكون مباركة من الأولياء الصالحين و"الأرض السخونة" هو ضرب من الاستخفاف بالمسؤولية التي يتقلدها رئيس الأركان وهي تصريحات لا تليق بمؤسسة الجيش التي نريدها أن تكون عصرية ومواكِبة للوسائل والتكنولوجيات الحديثة في زمن الحروب الإلكترونية وأن تنأى بالدولة العصرية التي نصبو إليها عن عهد وشاية العمدة والوالي...
في زيارتي لجرحى الشعانبي بالمستشفى العسكري نهاية أفريل، كان لي حديث مطول مع رجال من الحرس الوطني وفرقة مكافحة الإرهاب والذين أكدوا لي غياب أي خطة أو برنامج واضح لتمشيط الشعانبي، وقد قالوا لي ذلك بنبرة فيها حُرقة ولوعة على زملائهم امتزجت بتأكيد على عزمهم المواصلة رغم الصعاب والمخاطر، وهو كلام يفرض الاحترام والانحناء أمام وطنية رجال أمننا وجيوشنا.
كما أن الحديث عن الصعوبات الطبيعية وعن أن الجيش بذل جهدا كبيرا في "استرجاع الجبل من الطبيعة" هو دليل ثان على تقصير القيادة العسكرية وغياب العقل الاستشرافي والاستراتيجي لدى القيادة العسكرية التي لم تستوعب الدروس من أحداث سليمان في 2006.
الجنرال رشيد عمار، الذي عُين في 2002 رئيسا لأركان جيش البر بعد وفاة الجنرال عبد العزيز سكيك مع عدد من ضباط الجيش في ظروف غامضة، استحضر عملية سليمان وأتى على النجاح الذي سجلته القوات المسلحة ضد الإرهابيين والذي يُرجِعه إلى نجاعة جهاز الاستعلامات زمن بن علي. مرت سبع سنوات على هذه الأحداث ولم تر القيادة العسكرية من بد لوضع مناطق عزل حول الجبل وداخله تكشف تحركات الإرهابيين وتحد من إمكانية انتشارهم؟
وجوهر القول في هذا الشأن، أن حركة النهضة هي المستفيدة الرئيسية من تفشي ظاهرة الإرهاب، وقد نجحت بكل اقتدار في جر طيف كبير من المعارضة التي انساقت وراء أجندة حركة النهضة في تهميش المطالب الحقيقية للثورة باسم الوحدة المقدسة في الحرب على الإرهاب. هكذا نجحت السلطة الجديدة في حصر أولويات المرحلة في النظام السياسي وتنظيم التنافس على الحكم بما يضمن الحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة الجديدة وحقها في "المشاركة" السياسية وإفراغ ثورة 17 ديسمبر من مضمونها وتحويلها من صراع من أجل العدالة الاجتماعية والوجود والمواطنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حرب ضد الإرهاب باختلاق الهاجس الأمني.
لقد نجحت حركة النهضة في مناسبتين في صناعة رجال دولة وهميين، الأولى عندما خرج علينا الجبالي، في توزيع  بارع للأدوار ، بمقترح حكومة تكنوقراط لتخرج المعارضة مهللة بميلاد "رجل دولة"، وهاهي اليوم تصدق مسرحية جديدة كتبت في أسوار السلطة الجديدة.
لقد حاول الجنرال عمار في معرض خطابه التخويفي الإشارة إلى خطر الصوملة وسقوط تونس في أيدي جماعات "ترمي إلى قلب نظام الحكم وتغيير طبيعة المجتمع" في تسويق لنفسه كمنقذ من الخطر الإرهابي الداهم. أما حركة النهضة، فهي تسعى عبر خلق هذا الهاجس الأمني إلى التموقع في وسط اليمين "المعتدل المحافظ" كخيار ضد التطرف والغلو ولا أستبعد أن ترشح الجنرال المنقذ لرئاسة الجمهورية المقبلة على أن تمسك هي بمقاليد الحكومة برئاسة الجبالي. إلى ذلك الحين، لا تزال سيدي بوزيد، القصرين، الكاف، قفصة... والأحياء المفقرة والمعدمة في الساحل والعاصمة ترزح تحت الفقر والتهميش. إلى ذلك الحين، ما تزال عائلات الشهداء تطالب بحق أبنائها وما يزال جرحى الثورة يُسامون سوء العذاب والمذلة.


أيوب المسعودي

مصادر
(1)   - صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي، أيوب المسعودي، goo.gl/YalfG
(2)     - goo.gl/2xk4I, "FROM PRISON TO PALACE: THE MUSLIM BROTHERHOOD’S CHALLENGES AND RESPONSES IN POST-REVOLUTION EGYPT", In FRIDE, Working paper N° 117, February 2013.

jeudi 27 juin 2013

المقال الممنوع : في الذكرى 57 لتأسيس جيشنا الوطني

الحمد لله وحده،

المقال الممنوع : في الذكرى 57 لتأسيس جيشنا الوطني

24 جوان 2013







من المؤسف أن تتزامن الذكرى السابعة والخمسون لانبعاث الجيش الوطني التونسي مع مرور سنة على تهريب البغدادي المحمودي من الثكنة العسكرية بالعوينة ذات 24 جوان 2012، دون علم القائد الأعلى للقوات المسلحة...


سبعة وخمسون عاما مضت على بعث مؤسسة الجيش الوطني التونسي في 24 جوان 1956، أي بعد ثلاثة أشهر من التوقيع على اتفاق اعترفت فيه فرنسا بممارسة تونس لسيادتها في مجالات الخارجية والأمن والدفاع. ومع أن هذا الاستقلال المنقوص وما استتبعه من سياسات كرست تبعية سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية لم تلب تطلعات أجيال من مناضلي الحركة الوطنية ثم ثورة 17 ديسمبر التي لم تخمد نارها بعد، فإن تأسيس الجيش التونسي مثل ولا يزال محطة من أهم محطات بناء الدولة الوطنية الحديثة. ويمثل هذا اليوم مناسبة لكل التونسيين يعبرون فيه، كل بطريقته، عن عميق احترامهم لهذه المؤسسة التي ساهمت في بناء الدولة واعتزازهم بجنودها الذين نذروا أنفسهم في سبيل حماية راية الوطن والذود عن ترابه، أولئك الذين يرابطون في الحدود وفي العديد من مناطق الجمهورية لأداء واجبهم الوطني بكل تفان وانضباط.

            وإذا كانت المؤسسة العسكرية، كمؤسسة وطنية في خدمة الصالح العام، تحظى باحترام كل التونسيين دون استثناء، فإنه من الضروري الفصل بين هذه المؤسسة المُهابة والأشخاص المسيرين لها والذين يفترض أن يخضعوا كغيرهم للمساءلة والنقد بعيدا عن منطق المزايدة والتملق وتقديس الأشخاص. إن احترام المؤسسات لا يجب أن يمنع، من منطلق الوطنية والحرص على الدفاع عن دولة القانون والمؤسسات التي نصبو إلى تأسيسها، من وضع الإصبع على الداء وتحديد المسؤولين على ما اقتُرف، باسم المؤسسة العسكرية، في حق الوطن والتونسيين والمؤسسة ذاتها. وسأحاول في هذا المقال طرح عدد من التساؤلات في هذا الاتجاه:

            هل نعرف كل شيء عن دور الجيش قبل الثورة، أثناءها وبعدها؟

            معلوم أن الجيش الوطني اضطلع بدور مفصلي في العديد من اللحظات التي جابهت فيها تونس مخاطر أمنية أو كوارث طبيعية كالفيضانات وموجات البرد في المناطق المعزولة أو تنظيم استقبال اللاجئين الليبيين والأجانب في أعقاب الثورة الليبية وتأمين الحدود البرية والبحرية، وهو أمر لم يقصر الحكام الجدد في تثمينه وإبرازه... ولكن جزءا هاما من تاريخ هذه المؤسسة يراد له أن يُقبر وليست هناك إرادة سياسية لرفع الغطاء عن حقيقة تدخل الجيش في أحداث 1978 و1984، وبراكة الساحل في 1991، وقفصة 2008، وأحداث ثورة 17 ديسمبر المتواصلة، كيف هرب بن علي ذات 14 جانفي 2011 وتسنى له استعمال الفضاء الجوي الذي كان مغلقا وخاضعا للقيادة العليا للجيش الوطني... أليس من حقنا كشعب أن نلج إلى الحقيقة حتى نفهم أدوات الاستبداد ونفكك آلياته ونعرف كيف نقاومه ونمنع عودته؟ متى تنجلى الأكاذيب وتظهر الحقائق وتتحدد المسؤوليات ليتسنى لنا محاسبة الجناة بما فيهم من داخل المؤسسة العسكرية ممن أساؤوا وأفسدوا؟ هل يمكن أن نتحدث عن ثورة مع الإبقاء على مسؤولين في أعلى هرم القيادة العسكرية ممن تورطوا في تعذيب المتهمين في أحداث براكة الساحل أو قتل المتظاهرين في أحداث الخبز في 1984؟
        

القضاء العسكري: كيف يتبخر القناصة ويسجن الجرحى وينسى الشهداء؟

في آخر حديث لي مع أحد الأصدقاء من المحامين المتطوعين للدفاع عن عائلات الشهداء، عبر لي بنبرة لا تخفي خيبة وإحباطا، كيف تم استنزاف المحامين وإنهاك عائلات الشهداء، وجلهم من المفقرين والمعدمين،  بالترهيب تارة والابتزاز طورا من قبل القضاء العسكري في حين ما فتئت قائمة محاميي القتلة، أصحاب المال والنفوذ، تتعزز بأشرس المحامين وأكثرهم طمعا (وهم غير متطوعين طبعا) في تكريس صارخ للحيف وغياب العدالة بعد ثورة طرحت على رأس أولوياتها قضية العدالة؟
            أيُعقل أن يقوم القضاء العسكري، رغم كل الشكوك التي تحوم حول براءته من مقتل الشهداء وهوية القناصة وإمكانية انتمائهم للمؤسسة العسكرية، مقام الخصم والحكم في ذات الوقت؟ أيُعقل أن يُدان جريح الثورة جهاد مبروك من أجل "عدم تسوية الوضعية إزاء قانون الخدمة الوطنية" ويُهان جرحى الثورة بعد أن اعتدي عليهم ماديا ولفظيا في ما سمي مجازا "وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية" بينما يكافأ القتلة أو يسرحون أو يحكم عليهم بالسجن مع تأجيل التنفيذ؟ لماذا تبخر القناصة ولماذا حصر العقاب والحساب على عدد محدود من بينهم المخلوع والقيادات العليا بتهم المشاركة في القتل العمد؟ ألا يساهم هذا التعتيم في إخفاء المسؤوليات الحقيقية ومدى اتساعها ويطرح إمكانية امتدادها إلى مسؤولين على رأس مؤسستي الجيش والأمن؟

ما مدى حياد المؤسسة العسكرية؟

إن الهدف من جملة الأسئلة التي نطرحها هو الحرص على تحصين مؤسستنا العسكرية من الأيادي العابثة باستقلاليتها وولائها للوطن واحترامها لواجبها في حماية الدستور والنظام الجمهوري وشرعية السلطة السياسية المدنية المنتخبة والممثلة لإرادة الشعب لا غير وبعيدا عن أي أجندات سياسية داخلية كانت أو خارجية. ولابد في هذا الإطار من الإشارة إلى مسألتين أساسيتين تطرحان تساؤلات جدية حول مدى استقلالية المؤسسة العسكرية:
أولا، من المؤسف أن تتزامن الذكرى السابعة والخمسون لانبعاث الجيش الوطني التونسي مع مرور سنة على تهريب البغدادي المحمودي من الثكنة العسكرية بالعوينة ذات 24 جوان 2012، دون إعلام رئيس الجمهورية المؤقت والقائد الأعلى للقوات المسلحة كما نص على ذلك الدستور المؤقت المنظم للسلطات العمومية. مضى عام ولم نلج بعد إلى الحقيقة حول المسؤوليات، وقد جوبهت كل مطالبي المتكررة، التي قدمتها من أجل مكافحة كل من رشيد عمار وعبد الكريم الزبيدي ووزراء الداخلية والعدل والخارجية المباشرين زمن تهريب المحمودي، بالرفض. ذلك أنه كان لدى السلطة السياسية نية جلية للتعتيم على القضية وإخفاء الحقيقة حول من خطط وأمر ونفذ وخاصة من استفاد، سياسيا أو ماديا، من ذلك التهريب. وللتذكير، فقد صرح السيد حسين الديماسي، وزير المالية في تلك الفترة، بوجود صفقة مالية بالعديد من ملايين الدولارات. وقد رفض القضاء العسكري مطالبي الملحة في مكافحة السيد الديماسي أيضا. لقد كان من المفروض على القيادة العسكرية أن تحترم الدستور الصغير وأن لا تنساق وراء الأجندات السياسية وربما الصفقات المالية وأن تلتزم بالقانون والرجوع إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي كان رافضا للتسليم. من هذا المنطلق كان دفاعي عن الدستور ودولة القانون والمؤسسات وقد شكل تهريب البغدادي المحمودي في رأيي مؤشرا خطيرا على بداية تفكك الدولة وانحلال المؤسسات.
ثانيا، لم يعد يخفى على عاقل الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية وما تزال في توجيه مسار الثورات العربية أو تأجيجها أو إخمادها بحسب ما تمليه مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وقد تبدى ذلك في التعامل بمكيالين مع الثورة في سوريا من جهة وفي البحرين من جهة أخرى على سبيل المثال. أما في تونس، فقد لعبت أمريكا سياسة التطويق السياسي باعتماد الضغط والترغيب ومرتكزة في ذلك على ورقة الاقتصاد والمساعدات المالية وتأمين القروض والدعم السياسي للإسلاميين مقابل إخضاع البلاد والعباد لإملاءات وأجندات إقليمية أمريكية-أطلسية-صهيونية. كما أن المراسلات الدبلوماسية التي سربها ويكيليكس تبين أنه منذ 2002، تاريخ تأسيس مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط MEPI، كان هناك علم أمريكي دؤوب، بالتنسيق مع السفارات الأمريكية في المنطقة وأجهزتها الاستخباراتية، على تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي وضع منذ عقود قبل أن تعلن عنه وزيرة الخارجية الأمريكية رسميا نهاية 2003. وقد تبين من خلال إحدى هذه المراسلات تحت عنوان "تونس : استراتيجية الإصلاح الديمقراطي لدعم أجندة الحرية"، أن MEPI وتفرعاتها إنما تعمل على التربص بالأنظمة العربية القائمة آنذاك وترقب فرص تعويضها بأخرى تكون أكثر تلاءما مع مصالحها في المنطقة حتى وإن تطلب الأمر توخي استراتيجية الصدام مع النظام كما اقترح السفير الأمريكي W.J. Hudson في نفس الوثيقة.
            هذا التنسيق تطور بشكل صارخ في السنتين الأخيرتين مع ترفيع البيت الأبيض لحجم المساعدات المالية التي كانت مرصودة للجيش التونسي، فنجد مثلا أن هذه المساعدات، مرت بعد الثورة من 5 مليون دولار مبرمجة لسنة 2011 إلى 15 مليون دولار، كل ذلك بهدف تحسين قدرات الجيش التونسي في إطار برنامج إقليمي عام لم يعد خافيا على أحد وقوامه "القوة الذكية" ومحاربة الإرهاب ب"صفر ضحايا" في صفوف الجيش الأمريكي بالاعتماد على جيوش دول المنطقة ومساعدتها ماليا واستخباراتيا للقيام بالمهام اللازمة.
            وهنا يطرح السؤال حول مدى استقلالية قرارنا الوطني في تحديد ملامح سياساتنا في الأمن القومي والدفاع والتسلح وتطوير وسائلنا الاستخباراتية الذاتية... ما هو هامش تنسيقنا مع الجيوش المغاربية لتوحيد المنظومات الدفاعية بشكل يحقق التكامل والنجاعة؟ لماذا أصرت أمريكا مثلا على التفاوض مع مجلس التعاون الخليجي وفرضت التعامل مع الدول فرادى مع الحرص على بث الفتنة والشكوك بين العائلات الحاكمة للدفع إلى سباق للتسلح وشراء أسلحة ومنظومات دفاعية مختلفة لا تسمح بالتنسيق بين الدول أو حتى القيام بمناورات مشتركة؟ ثم ما سر الزيارات المتتالية لوزير الدفاع وقائد أركان الجيوش لقطر، هذه الدولة التي وضعت كل ثقلها المالي والإعلامي والسياسي لزعزعة المنطقة خدمة للمشروع الأمريكي - الأطلسي-الصهيوني؟ وكيف نقبل مشاركة تونس في في عملية  "Predatory Falcon 3" أو "الصقر المفترس 3"، بحوالي 200 عسكري تونسي جنبا إلى جنب مع أذربيجان، الدولة الطرف في منظومة الناتو والتي يتدرب تحت رايتها عسكريون صهاينة مشاركون في هذه المناورات وتحديدا في قاعدة العديد القطرية، تلك التي انطلقت منها غارات الناتو لتدمير العراق في 2003 وليبيا في 2011؟

              ما المخرج؟

            من الواضح أن الثورة لم تكتمل، فوجوه من النظام القديم خدموا الديكتاتورية والفساد، ما يزالون يتقلدون مناصب القرار الأولى في مؤسسات حساسة كالدفاع ويسيرون الدولة بشكل يخدم مصالحهم في التقاء مع مصالح الساسة الجدد أو في إطار صفقات مشتركة. ولا يمكن أن نتحدث عن ثورة قبل استعادة المؤسسة العسكرية التي نحبها من قبل الشعب لتكون مؤسسة جمهورية في خدمته وخدمة مصالح الوطن العليا، هذا لن يتم دون أن تطال المحاسبة والمساءلة مسيري المؤسسة العسكرية في عدة قضايا ومن أوكدها طريقة تسيير ما يسمى "حربا على الإرهاب" ووقف كل التتبعات والضغوط المسلطة ضد الجرحى وعائلات الشهداء وإحالة ملف الشهداء والجرحى على القضاء المدني مع تمكينه من الولوج إلى أرشيف الأمن الداخلي والجيش دون قيد أو شرط. أما في مسألة حياد المؤسسة العسكرية فلن يتحقق ذلك دون دسترة المؤسسة العسكرية كمؤسسة جمهورية تحيد عن السياسة، كما لا بد من دسترة مجلس أعلى للأمن القومي يعمل في استقلال عن السلطة السياسية على أن يعمل بالتنسيق معها ومع القوى السياسية والمدنية الوطنية بما يوفر إطارا للتوافق على كبرى المسائل التي تمس الأمن القومي لتونس بعيدا عن الحسابات السياسية والمزايدات.



بعض المصادر
- وثائق ويكيليكس
- القمة الخليجية: استمرار الهروب من استحقاقات التغيير، السفير العربي، 09 جانفي 2013

- Algérie : la France hors-jeu des grands contrats d'armements 18/04/2013, www.latribune.fr

mardi 4 juin 2013

على أبواب ذكرى النكسة : من الوطن السليب إلى الثورة المغدورة

على أبواب ذكرى النكسة
من الوطن السليب إلى الثورة المغدورة
أيوب المسعودي
01 جوان 2013


نشر في جريدة الشروق بتاريخ 03 جوان 2013





http://goo.gl/n9ZgB

سؤال راودني وأنا أتحسس الكلمات الأولى للحديث عن ذكرى نكسة حزيران/جوان 1967، ذلك الكابوس الذي مزق الأمة وأقض مضجع تاريخنا ووعينا العربي والإسلامي، لماذا تغلب الغرب، رغم تعدد لغاته وثقافاته، على ما تراكم من أحقاد وضغائن في أعقاب الحربين ليبني أحلافا واتحادات ومؤسسات عسكرية واقتصادية وسياسية عملاقة وفاعلة كالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والبرلمان الأوروبي، بينما تخلفنا نحن العرب والمسلمين وزدنا انحطاطا وانقساما، رغم وحدة اللغة والثقافة والتاريخ؟ فلا نحن حققنا حلم التقدم والديمقراطية والوحدة المنشودة، ولا نحن حافظنا على وحدة الأقطار والتعايش السلمي لشعوبها؟
وبعيدا عن منطق جلد الذات وما اعتاد عليه النظام العربي الرسمي وترسانته من إعلام رسمي وكتاب رسميين ومحللين رسميين من تشويه للحقائق وقصف للعقول وإحباط للعزائم وتوطين لثقافة الهزيمة دون استخلاص عقلاني للعبر والدروس لا من النكسة فقط وإنما من النكبة وجملة النكسات إلى تداعيات إدارة ما بعد حرب تشرين الأول/لأكتوبر 1973 والتي قال فيها السادات أنها "آخر الحروب ضد إسرائيل" ممهدا الطريق لسلسلة من الهزائم السياسية والخيانات من كامب ديفيد إلى سلطة الحكم الذاتي في رام الله وبدء تفكيك المقاومة.
سأحاول في هذا المقال أن أفسر :
  1. أن جملة هذه النكسات والإخفاقات العسكرية هي نتاج طبيعي لمقولات وسياسات النظام الرسمي العربي الذي تم استيلاده بعيد الحربين خدمة لمصالح الاستعمار وهي سياسات تجد اليوم تواصلها في أنظمة ما بعد الاستقلال وحتى تلك التي أتت بها الثورات العربية،
  2. أنه لا يمكن أن نتحدث عن النكسة في إطارها الزمني والمكاني الضيق بل وجب وضعها في السياق العام لعلاقة الأنظمة العربية بالاستعمار والأجندات الامبريالية التي أوجدت وكلاء محليين تواطؤوا في تفكيك الوطن العربي وتدمير العراق وليبيا وسوريا وإجهاض الثورات العربية.

في المقولات الانهزامية لبورقيبة والسادات
يوم 03 آذار/مارس 1965، أي قبل سنتين تقريبا من نكسة 1967، ومن أريحا، دعا بورقيبة إلى توخي سياسة المراحل تجاه العدو الصهيوني محذرا من سياسة "الكل أو لا شيء". ورغم مرور نصف قرن على هذا الخطاب الانهزامي، فقد ظلت مقولات بورقيبة عالقة بأذهان أولئك الذين يؤمنون باطلا بالتفاوض مع عدو لا يعترف بالتفاوض ويرون في كلام بورقيبة نموذجا للعقلانية والنظرة الاستشرافية. هؤلاء لم يستوعبوا دروس النكسات نقض العدو الصهيوني لكل الاتفاقيات والمعاهدات وفشل المفاوضات التي يعتبرها الصهاينة مجرد أداة لربح الوقت وحث وتيرة الاستيطان والانقضاض على القدس.
ومعلوم كم أن مثل هذه المقولات وغيرها من مواقف بعض القادة العرب الاستسلاميين قبل النكسة أسهمت في إحباط العزائم ومثلت طعنة في ظهر وطن يحاول لملمة جروحه وتوحيد صفوفه لبناء عقيدة عسكرية موحدة ومشروع وحدوي في وجه الاستعمار الغاشم، وهو خطاب خدم المشروع الصهيوني وأضعف خيار المقاومة في التصدي للعدو الصهيوني وحلفائه.
لم يتوقف بورقيبة عند هذا الحد، ففي تموز/جويلية 1973، تقدم بورقيبة بمبادرة جديدة تقضي بقبول التقسيم والاعتراف بالعدو الصهيوني على أساس الشرعية الدولية وطبقا للقرار 181 لسنة 1947 وإقامة دولة فلسطينية على أراضي ما يعرف ب"شرق الأردن"، أي فوق الأراضي الأردنية الحالية، وقد أتى ذلك في إعادة لاسطوانة "الوطن البديل" والذي يرمي إلى حسم القضية الفلسطينية على حساب الأرض العربية ولصالح العدو الصهيوني، وهو ما أدى إلى قرار الأردن قطع علاقاتها الديبلوماسية مع تونس.
من اللافت أن خطاب بورقيبة هذا تزامن مع تصريحات السادات بخصوص حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 والتي قال فيها أنها ستكون "آخر حرب ضد إسرائيل". تصريحات بورقيبة والسادات أتت لتعمق حالة التفكك والانشطار والعجز العربي وتزيد في تشويش الأذهان و إحباط العزائم، كما جاءت نتاجا لضغط أمريكي-بريطاني-صهيوني لتغيير وجهة الصراع من تحرير الأرض المغتصبة إلى مشروع وطن بديل كامتداد لحلول التقسيم التي دأبت عليها إدارة المستعمرات البريطانية والفرنسية.
إن هذا التواطؤ من أنظمة قطرية أنانية وانهزامية ومعادية للوحدة العربية لا يمكن أن يفهم خارج سياق موجات إعلان استقلال جول عربية تم فيها تنصيب أنظمة تابعة من قبل الغرب تضمن لهم استمرارية مصالحهم ومحاربة المشروع الوحدوي الرامي إلى تحقيق عزة الأمة العربية وكرامتها وسيادتها. وهو دور توارثته الأنظمة العربية الرجعية الخليجية المبنية على حكم العوائل وغيرها من الأنظمة العسكرية والبوليسية والإسلاموية التي أتت بها الثورات.

من الانهزامية إلى التواطؤ إلى التعاون
إنه لمن المخزي في تونس، وبعد ثورة 17 ديسمبر/كانون الثاني، أن تنص وثيقة "مخطط الياسمين" والتي أعدت في ظل حكومة السبسي، على تأسيس قرطاج وخطاب أريحا 1965 وتسكت على 20 آذار/مارس 1956. وللتذكير فإن مخطط الياسمين هو عبارة عن مشروع يفوض المسألة الاقتصادية التونسية لصندوق النقد الدولي لإعطائه الضوء الأخضر لتفكيك الاقتصاد الوطني، أو ما تبقى منه، والقبول بمشروع "إصلاح هيكلي" مقابل إغراق تونس في الديون، وهو مشروع تكفلت حكومة الترويكا العميلة بتنفيذه وتمريره عنوة في ظل الاغتيالات والأزمات الأمنية المصطنعة التي هزت تونس.
كما لا يمكن السكوت عما نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء حول خبر إمضاء مذكرة تفاهم في المجال العسكر ي بين تونس وقطر يوم 20 كانون الأول/نوفمبر بالدوحة. ويأتي هذا التعاون في إطار زيارة قام بها كل من رشيد عمار وعبد الكريم الزبيدي إلى الدوحة بين 18 و 21 كانون الأول/نوفمبر حيث التأمت ندوة جمعت كبار الكوادر والإطارات العسكرية للبلدان المشاركة في عملية "Predatory Falcon 3" (الصقر المفترس 3)، والتي شاركت فيها تونس بحوالي 200 عسكري جنبا إلى جنب مع عسكريين من دول أوروبية وأخرى إسلامية من بينها تركيا، ولكن اللافت هو مشاركة تونس جنبا إلى جنب مع أذربيجان، الدولة الطرف في منظومة الناتو والتي يتدرب تحت رايتها عسكريون صهاينة مشاركون في هذه المناورات وتحديدا في قاعدة العديد القطرية، تلك التي انطلقت منها غارات الناتو على العراق في 2003 وليبيا في 2011.
وهكذا مررنا من الخذلان السياسي إلى التواطؤ والتحالف مع الصهيونية، ولعل حذف مناهضة الصهيونية من مسودة الدستور الرابعة (01 حزيران/جوان 2013) هو أخطر مؤشر على هوان الإرادة السياسية وعمالة الأنظمة العربية وعلى رأسها تلك التي أتت بها الثورات إلى سدة الحكم.
سياسة الغدر والخذلان والخيانة لم تقتصر على المستوى السياسي وإنما امتدت إلى مستوى التعاون العسكري كما بينت، وصولا إلى التنسيق الدبلوماسي والسياسي عندما طرد المرزوقي السفير السوري ومهدت دبلوماسيتنا للعدوان على سوريا عندما احتضنت أول مؤتمر لمن يسمون أنفسهم "أصدقاء سوريا" والذي تحول بعد ذلك إلى غطاء سياسي للعدوان على سوريا بمال وهابي قطري وسعودي ومرتزقة عرب وسلاح أمريكي أطلسي انطلاقا من تركيا والأردن.
وهكذا، مرة أخرى، يتحالف العرب ضد العرب بدعوة من أمريكا والناتو، خدمة لمصالح الغرب قصد تفتيت الأمة وتقسيمها وتشطيرها قبل الانقضاض على ثرواتها. إنها حرب تأتي في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية ولا تعدو أن تكون، من المنظور الغربي، غير سوق جديد يدعم به الغربيون صادراتهم من الأسلحة ويضمنون فيه فرصا جديدة للاستثمار في ما يسمى "مشاريع إعادة الإعمار". ولعل فشل توحيد المنظومات العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي منذ تأـسيسه (1981) واستشراء الفساد في صفقات الأسلحة التي تعقدها العائلات الخليجية الحاكمة منفردة مع أمريكا ودول غربية أخرى، كصفقات السموم واليمامة وغيرها، ورفض أمريكا التعامل مباشرة مع مجلس التعاون الخليجي مفضلة التفاوض مع كل دولة على حدة مع السهر على بث سموم الفتنة والشكوك والتوجس بين العائلات الحاكمة لدفعها إلى مزيد التسلح...
كل هذه العوامل مجتمعة، مع تراجع التعليم والمدرسة والجامعة وتخلف البحث العلمي والتصنيع تدل على أن سياسة المراحل التي نادى إليها بورقيبة بتعلة اختلال موازين القوى لم يكن لها أساس وأن النظام التونسي البوليسي، القديم منه والجديد، مثله مثل الأنظمة الرجعية كانت خاضعة لإملاءات الغرب التي دفعت إلى مزيد من القطرية والانقسام والتشرذم وهو ما يؤدي حتما إلى إضعاف الأمة وتجهيلها وتفقيرها.
ومن هنا يأتي الجواب عن السؤال المطروح في مفتتح المقال، وهو أن الغرب توحد وتجاوز خلافاته وحروبه الدينية واختلافاته اللغوية والثقافية لوعيه بضرورة التوحد كعامل قوة وبناء. الغرب توحد لأنه تعلم من الإخفاقات والتجارب وراكم المعارف والتكنولوجيا وكتب التاريخ ووضع المؤسسات والقوانين والاستراتيجيات للحفاظ على وتفوقه، أما نحن العرب فلم نتفق بعد على لون العلم ورؤية الهلال ونواقض الوضوء.









vendredi 31 mai 2013

أي إرهاب نواجه؟ فـــــي الإرهـــــــــــاب الاقتـصـــــــــــادي

أي إرهاب نواجه؟ فـــــي الإرهـــــــــــاب الاقتـصـــــــــــادي

نشر في جريدة الشروق بتاريخ 26 ماي 2013




في خطاب تاريخي يرجع إلى سنة 2004، شخص رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد مسألة الإرهاب فيقول «إنها حرب الضعفاء ضد الأقوياء، فطالما يوجد هذا الفارق الهائل بين القوي والضعيف في القدرة على القتل، لا بد أن تحدث هجمات إرهابية ردا على أنواع القهر التي يذيقها القوي للضعيف».
وبعيدا عن شرعنة العنف والإرهاب، فإن فهم الظاهرة من المنظورين الاقتصادي والاجتماعي أمر ضروري للولوج إلى الحلول الناجعة، والمقصود هنا ب «الضعفاء» هي الفئات المفتقرة لأدوات الفعل والتأثير السياسي والمقصاة من دائرة القرار والفعل الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة طغيان رؤوس الأموال الجشعة.
كان الرجل يعي ما يقول، كيف لا وقد عرفت ماليزيا، في ظل حكمه (1981-2003)، تجربة نظام مدني ديمقراطي رائد وحد الماليزيين على اختلاف أعراقهم وأديانهم وثقافاتهم وراء مشروع وطني جامع  حارب الفقر والجهل لتتراجع نسبة الفقر من حوالي 40٪ في مطلع الثمانينات إلى أقل من 5٪ في 2002 ولتنزل نسبة البطالة إلى حدود 3٪. كما تحولت ماليزيا في فترة حكمه من دولة تعتمد على إنتاج المواد الأولية وتصديرها إلى دولة صناعية يساهم قطاعا الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج  المحلي الاجمالي وتنتج ماليزيا اليوم 80% من سياراتها!
مهاتير بدأ التجربة الماليزية برفض قروض صندوق النقد الدولي وخاصة املاءاته المعادية للطبقات الشعبية المسحوقة والضاربة لسيادة الدول ومصالحها الحيوية، وذلك رغم الأزمة الاقتصادية التي عرفتها آسيا في أواخر التسعينات، أما حكومتنا «الشرعية» فقد شرعت، ومنذ البدء، في التفويض اللامشروط في المسألة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي وتكنوقراط المؤسسات المالية العالمية الذين وضعت بين أيديهم مصير الشعب التونسي ومستقبل الأجيال القادمة فبدأت بالزيادة في سعر المحروقات (في أكثر من مناسبة) والمصادقة على برنامج تخريب هيكلي في كواليس القصبة ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة الشرعية وعلى رأسها المجلس الوطني التأسيسي.
لسائل أن يسأل ما علاقة كل هذا بالإرهاب؟ وأنا أسأل القارئ هنا هل تساءلنا نحن التونسيين، بل نحن العرب والمسلمين، عن أي إرهاب نتحدث؟ وأي إرهاب نواجه وكيف؟ وماهي الأرضية التي نما فيها الإرهاب في العالم وفي تونس المعروفة تاريخيا بالتجانس العقائدي والانفتاح والاعتدال؟ وما هي أولوياتنا في مواجهة الإرهاب في أشكاله المختلفة؟ سأحاول في سلسلة المقالات هذه تحليل ظاهرة الإرهاب من النواحي الاقتصادية والاجتماعية وأيضاً السياسية.
وأول أشكال الإرهاب المسلطة على الشعوب عامة والشعب التونسي خاصة هو الإرهاب الاقتصادي الذي يتخذ من المؤسسات المالية العالمية والعواصم الرأسمالية وبورصاتها والشركات متعددة الجنسيات معاقل ومراكز للتخطيط ووضع برامج الدمار المجتمعي التي تنفذها الحكومات «المحلية».
ولما كانت هذه الحكومات «المحلية» فاقدة للشرعية الشعبية فإنها صارت تلهث وراء استرضاء هذه المؤسسات والدول المانحة طمعا في مزيد من القروض والسيولة التي تسمح لها بإسكات الغليان الشعبي دون التفكير في حلول جذرية تنهض بالاقتصاد وتحقق الاستقلال الفعلي. كما تجدها مستعدة كل الاستعداد للتفويت في مقدرات الشعب والثروات الوطنية لصالح رؤوس الأموال المحلية والخارجية المرتبطة بالقوى العظمى.
وهي سياسات لا تخلو من الإكراه المادي والسياسي الذي يعرِّف الإرهاب. ذلك أن السياسات المتبعة إكراها لا تخدم مصالح الدول المقترضة وشعوبها المسحوقة، ولنا في السياسات المالية والفلاحية المفروضة في هذه البرامج التخريبية خير دليل. فالدول «المانحة» تفرض تقليص دور الدولة في التدخل في الاقتصاد وتخفيض دعم المواد الأساسية وميزانيات التعليم والصحة وتعطي الأولوية القصوى للزراعات الموجهة الى التصدير كقصب السكر والقطن والقهوة وغيرها من المنتوجات المسماة تاريخيا بـ«الاستعمارية» على حساب زراعات الكفاف التي تضمن الخبز اليومي للمواطن دون اللجوء إلي الاقتراض من الخارج.
هل هناك إرهاب أشد وطأة من ذلك الإرهاب الاقتصادي الذي سلط على النيجر مثلا، رابع أفقر البلدان في العالم، والذي لا تتجاوز مساحة أراضيه الصالحة للزراعة 4٪؟ فقد بدأ صندوق النقد الدولي، تحت غطاء مشروع إعادة هيكلة الاقتصاد النيجري، بحل وخوصصة الوكالة الوطنية البيطرية التي كانت تشرف على أكثر من 20000 رأس ماشية بتوفير التلقيح والأدوية والفيتامينات.. فكانت النتيجة أن الشركات الخاصة والمتعددة الجنسيات، اللاهثة وراء الربح السريع بأقل التكاليف، رفعت في أسعار الخدمات البيطرية وامتنعت عن إسداء الخدمات للفلاحين الصغار المنتشرين في أطراف البلاد المعزولة والوعرة وهو ما أدى إلى موت الآلاف من الماشية مما رمى بآلاف العائلات في أتون الفقر والخصاصة و.. الإرهاب صلب الجماعات «الإسلامية» المتمركزة في الساحل الإفريقي بحثا عن مورد رزق جديد في أسواق تجارة الأسلحة والمخدرات والهجرة السرية...

ــــــــــــــ


للتعمّق أكثر في هذا الموضوع أنصح بالكتب التالية:

- Le prix de l›inégalité, J. E. Stiglitz
- La faim dans le monde expliquée à mon fils, J. Ziegler
- Un autre monde contre le fanatisme des marchés, J. E. Stiglitz

بقلم : أيوب المسعودي

vendredi 17 mai 2013

صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي

صفقة دار الضيافة تحت فرقعات الشعانبي
"ارقصوا وغنوا"

أيوب المسعودي
17 ماي 2013


دون مقدمات ودون إطالة:

أبو عياض، الغنوشي، المرزوقي وبن جعفر هم مجرد أزرار على لوحة مفاتيح في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية وقطر، ذراعها المالي في المنطقة، وكلاهما (قطر وأمريكا) يسيران الحكومة العميلة التي تحكمنا من وراء ستار عابثة بالثورة التونسية ودماء أبنائها في الداخل (بالدفع نحو مواجهة بين الأمنيين والعسكريين والسلفيين) والخارج (بالدفع بالشباب اليائس إلى أتون حرب إقليمية خدمة للراعي الأمريكي ضد شعب عربي مسلم).






أحداث الشعانبي في خدمة حركة النهضة وصفقتها السياسية


إن ما عشناه في الآونة الأخيرة من تأجيج للصراع العقائدي والهوياتي، بتخطيط وتشجيع من حركة النهضة، إنما يهدف إلى:


  • إعادة ترميم البيت الداخلي لحركة النهضة وتوحيد صفوفها حول المسألة الهوياتية والعقدية "الجامعة" بعد أن شهدت هزات كادت تعصف بالتنظيم (أنظر المقال الرائع لابراهيم الهضيبي، الإخواني، في تحليله لسياسات الإخوان قبل وبعد الثورة في مصر وتركيزه على عجز الجماعة عن الخروج من بوتقة الصراع العقدي لافتقارها لسياسات اقتصادية واجتماعية تلبي انتظارات الجماهير [1]). وجدير بالإشارة أن خطاب المرزوقي (في ما يسمى بالحوار الوطني) حول مسألة النقاب، في تعد سافر لاستقلالية الجامعة، إنما هو تجل لرقصة الديك المذبوح الذي يتشبث بجلباب سيده الغنوشي عبر إثارته لنفس هذه المسائل الهوياتية،
  • إعطاء هامش من المناورة السياسية لحركة النهضة (سيدور رحاها في دار الضيافة أنظر الفقرة الموالية) بعيدا عن الأضواء لتسوية "الخلافات السياسية" وتمرير دستور رجعي (أنظر الفقرة الموالية) مقابل تشريك النخبة البرجوازية السياسية في الحكم،
  • تمرير هذه الصفقة القذرة تحت غطاء الوفاق الوطني الكاذب (بمشاركة أحزاب وشخصيات تجمعية وأخرى انتهازية لا وزن واقعي لها) وباسم الوحدة المقدسة ضد خطر الإرهاب الداهم،
  • خلق البؤر الإرهابية وتأجيج العنف وتشجيع الترهيب بما يسمح لحركة النهضة بالتموقع في وسط اليمين "المعتدل المحافظ" كخيار ضد التطرف والغلو،
  • التغطية على مقتل الشهيد شكري بلعيد والذي تشير كل المعطيات الموضوعية إلى تورط حركة النهضة في قتله مع سابقية التخطيط.


لئن أصمت انفجارات الشعانبي آذاننا وأقضت مضاجعنا للوهلة الأولى، فإن لعبة دار الضيافة سرعان ما انكشفت.


مضمون الصفقة

إن ما دار في دار الضيافة يذكرنا بما أتته البرجوازية الألمانية في أعقاب ثورة 1848 - 1849 والتي سعت فيها النخبة البرجوازية إلى حماية امتيازاتها خوفا من المد الثوري الذي وصل إلى درجة تهديد الملكية الخاصة والمساواة في المشاركة السياسية بما يفقد البرجوازية احتكارها للوجاهة الاجتماعية والسياسية. أما اليوم وقد بان عجز الطبقة الحاكمة (حكومة وأيضا معارضة كصانعة للرأي العام) على الخروج من أزمة الحكم والشرعية التي نعيشها، وأمام تعطش الجماهير إلى التغيير وخيبتها من الحكام الجدد ومعارضتها، فقد باتت السلطة كما جزء من المعارضة الانتهازية متخوفة من صندوق الاقتراع ومستعدة للتآمر على الصندوق لصد أي تجديد في النخبة الحاكمة، حتى إذا اقتضى الأمر التحالف مع كمال مرجان التجمعي ووزير بن علي وصاحب القولة المأثورة "بن علي رجل كلمة وأنا عندي فيه ثقة...". كل هذا يأتي تتويجا لمسار ممنهج في التطبيع مع التجمعيين وقتل الثورة.

لنأتي الآن إلى المضمون:


  • ملحوظة عامة : سحب البساط من المجلس التأسيسي، صاحب الشرعية الأصلية والقبة الوحيدة التي يمكن أن تحتضن الوفاق بعيدا عن الحسابات السياسية، هو انقلاب على إرادة الشعب،
  • حصر أولويات المرحلة في النظام السياسي وتنظيم التنافس على الحكم بما يضمن الحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة الجديدة وحقها في "المشاركة" السياسية وإفراغ ثورة 17 ديسمبر من مضمونها وتحويلها من صراع طبقي على الوجود والمواطنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حرب ضد الإرهاب باختلاق الهاجس الأمني.
  • نظام الاقتراع : ومن الخطير أن يتم "التوافق" على نظام الاقتراع على القوائم مع اعتماد أكبر البقايا وبدعة "التزكية"، ذلك أن الأنظمة المجددة والتي قررت خوض غمار التجربة الديمقراطية بجرأة اعتمدت نظام الدوائر الفردية فيكون المترشح فردا يكون أقرب للناخب فيسهل التواصل معه ومساءلته قبل وبعد الانتخابات. كما أن نظام القوائم والدوائر الكبرى لا يخدم إلا النخبة الحالية والأحزاب الكبرى ذات القدرات المالية والتنظيمية التي تخول لها العمل والتنقل في دوائر كبيرة. أخيرا، أعتبر أن التزكية، والتي لم يقع تحديد آلياتها بعد، ستؤسس لأوليغارشية سياسية تحتكر السلطة إذا ما تقرر مثلا أن تتم التزكية من قبل الجماعات المحلية التي نصبتها الترويكا مثلا،
  • النظام السياسي : وقع التركيز على إحداث توازن مغلوط في "الصلاحيات" بين رأسي السلطة التنفيذية في حين أن لا معنى لإسناد وضع سياسات الأمن القومي لرئيس الجمهورية مثلا، ذلك أن الأمن القومي مفهوم مركب ويشمل الداخلي والخارجي والأمني والعسكري والاقتصادي والثقافي والجغرافي والجيوسياسي... إن لعبة تجاذب الغطاء هذه تدل على قصور في التدبير والاعتبار من أخطاء المرحلة، وكنا شاهدين على تداخل المسائل الأمنية والدبلوماسية مثلا في الملف السوري وكذلك قضية البغدادي المحمودي الذين عرفا تضاربا خطيرا في مواقف رؤوس السلطة التنفيذية مس من هيبة الدولة والاستقرار السياسي. وجوهر القول أن الدستور "التوافقي" الذي يتحدثون عنه يؤسس لنظام برلماني صرف يحول رئيس الجمهورية المنتخب انتخابا مباشرا وحرا إلى ساعي بريد يختم القوانين ويوزع المراسلات بين مصالح الدولة دون أن تكون له "سلطة" التحكيم بالاعتراض على خيارات سياسية لا تأخذ شكل قوانين والاطلاع (حق الاجتماع برئيس الحكومة بصفة دورية للاطلاع على مستجدات تسيير الدولة) وطرح سحب الثقة من الحكومة على البرلمان في الأزمات وحق اللجوء إلى التحكيم الشعبي في بعض الخلافات. كما أن مسودة الدستور الحالية لا تنص على تعزيز الأغلبية للقوانين العادية في حال رفض رئيس الحمهورية ختمها وهو ما يحد من إمكانيات التحكيم والتعديل،
  • تاريخ الانتخابات : إن الإعلان عن انتخابات في بحر 2013 (أي في غضون سبعة أشهر) قبل بعث الهيئة المستقلة للانتخابات (المخولة للإعلان عن رزنامة الانتخابات) والمجلة الانتخابية وهيئة القضاء... هو حلقة أخرى من حلقات الكذب والخداع والمناورة وللتذكير فإن الرئاسات الثلاث كانت قد وعدت، في أكتوبر 2012، بالانتهاء من كتابة الدستور قبل موفى 2012 وإجراء انتخابات في مارس 2013. ولا يمكن للترويكا تنظيم انتخابات قبل موفى 2013 إلا إذا كانت عاقدة العزم على تزويرها والتلاعب بنتائجها،
  • المضمر : السعي الحثيث إلى توسيع الصلاحيات دون الفصل بين "السلطات" ينم عن نية مبيتة لوضع دستور على قياس الترويكا تمهيدا لتأبيد سلطتها.
كل المعطيات تؤشر إلى التوجه نحو صفقة قذرة يضحى فيها بالاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للثورة لصالح تقاسم الكراسي والانقلاب على الانتخابات قبل الانتخابات. أما المسائل "الخلافية" من حل روابط حماية الثورة وقتل الشهيد شكري بلعيد وتحييد دور العبادة عن قذارة السياسة، فالتوجه هو نحو مجرد "إعلان نوايا" وتشكيل لجان جديدة قديمة لا تختلف في شيء عن لجان التحقيق في أحداث 09 أفريل وسليانة وقتل الشهيد شكري بلعيد وكلها ملفات دخلت أو ستدخل طي النسيان...




[1] - goo.gl/2xk4I, "FROM PRISON TO PALACE: THE MUSLIM BROTHERHOOD’S CHALLENGES AND RESPONSES IN POST-REVOLUTION EGYPT", In FRIDE, Working paper N° 117, February 2013.
[2] - goo.gl/aPV0P, "La bourgeoisie allemande a-t-elle trahi la révolution de 1848 ? Bilan d'une analyse sérielle", In Persée, Volume 3, N° 4, Pages 527 - 540, 1988.

jeudi 16 mai 2013

أي مجتمع مدني نريد؟ المواطنية الوطنية شعارا

أي مجتمع مدني نريد؟
المواطنية الوطنية شعارا

أيوب المسعودي
16 ماي 2013


في إطار محاولة الجمعية التي أرأسها (رابطة الحريات والتنمية البشرية) ربط صلات بقوى المجتمع المدني من أجل التعاون والتنسيق، دعتني إحدى الجمعيات التونسية لحضور ندوة حول إصلاح منظومة العدالة بأحد نزل الكاف. بكل عفوية وتلقائية، رحبت بالفكرة وقبلت الدعوة، وجلست مع الجالسين...
الصاعقة أتت عند الاستماع إلى أحد المتدخلين الأجانب وهو يحيي منظمة فريدم هاوس (Freedom House) ويشكرها على المساهمة في تنظيم الندوة. في دهشة من أمري أخذت أنظر حولي وأدقق لأكتشف يافطة تحمل شعاري فريدم هاوس وميبي MEPI (Middle East Partnership Initiative). صاعقة جعلتني أغادر مكان الاجتماع في عجلة رفقة زملائي في الرابطة.

لمن لا يعرف هذه المنظمات، إليكم بعضا من خباياها:




MEPI  أو مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط، هي عبارة عن ذراع استخباراتية غير تقليدية وأداة من أدوات الاختراق السياسي والاجتماعي والعسكري التي أطلقتها الخارجية الأمريكية في شتاء 2002. وتحظى هذه المنظمة، التي تعمل بالتنسيق مع السفارات الأمريكية في المنطقة وأجهزتها الاستخباراتية، على تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي وضع منذ عقود قبل أن تعلن عنه وزيرة الخارجية الأمريكية رسميا نهاية 2003. وقد تبين من خلال تسريبات ويكيليكس كوثيقة "تونس : استراتيجية الإصلاح الديمقراطي لدعم أجندة الحرية"، أن هذه المنظمة وتفرعاتها إنما تعمل على التربص بالأنظمة العربية القائمة آنذاك وترقب فرص تعويضها بأخرى تكون أكثر تلاءما مع مصالحها في المنطقة حتى وإن تطلب الأمر توخي استراتيجية الصدام مع النظام كما اقترح السفير الأمريكي W.J. Hudson في نفس الوثيقة.
ومن المهم التذكير بترحيب طيف كبير من النخبة السياسية والمدنية آنذاك بالخطاب الأمريكي الجديد والذي ذهب في اتجاه الضغط على نظام بن علي من أجل تخفيف الخناق على الحريات ومنظمات المجتمع المدني والسماح بإمدادهم بالمساعدات المالية الخارجية. كل ذلك سعيا من الإدارة الأمريكية إلى بناء شرق أوسط جديد تقتاد فيه دول المنطقة بالنموذج الديمقراطي... الصهيوني... تمهيدا للتطبيع مع العدو الصهيوني.

وعلى خطى MEPI  تعمل Freedom House، وهي إحدى تفرعاتها التي تدعي الاستقلالية، على تلميع صورة الدولة العنصرية. فتحت عنوان " Israel is Mideast’s only 'free' state" (أي "إسرائيل، الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط")، نشرت صحيفة Jerusalem Post ، بتاريخ 21 جانفي 2013، مقالا تنقل فيه ما أتى في التقرير السنوي لمنظمة فريدم هاوس (Freedom House) من تمجيد وثني على ما يمثله الكيان الصهيوني كنموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط، واصفة في نفس الصدد الكيان الصهيوني بالاستثناء في منطقة غلبت فيها الأنظمة الاستبدادية، دون أن تأتي على ما يقترفه الكيان الغاصب من جرائم ضد الإنسانية وممارسات ميز عنصري مقيتة وإلغاء لإنسانية الفلسطينيين الذين سلبوا الأرض والعرض. وللتاريخ، فقد تأسست Freedom House  سنة 1941 بقرار من الرئيس الأمريكي روزفيلت، أي سنة قبل استضافته للمؤتمر الصهيوني بحضور بن غوريون...

وقد أطنب الكاتب الأمريكي Philip Agee (والذي شغل منصب ضابط في الاستخبارات الأمريكية في حقبة الستينات) في تفصيل أشكال الاختراقات السياسية والأيديولوجية في كتابه « Inside The Company » حيث عدد أشكال الهيمنة السياسية والثقافية التي تمر عبر تمويل الجمعيات والشخصيات الوطنية قصد توجيهها بما يخدم مصالح الامبراطورية الأمريكية، خاصة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات التي تزامن فيها سقوط الاتحاد السوفييتي مع رغبة جامحة لدى حلف شمال الأطلسي (الحامل للأيديولوجيا الرأسمالية والحلم الأمريكي) في إعادة تشكيل المنطقة بدءا بالخليج (حرب الخليج الأولى) وصولا إلى بلدان شرق أوروبا وتوجيه الثورات "الملونة" لإنهاء تفكيك الاتحاد السوفييتي بعد أن اختلت التوازنات الإقليمية وصار المجال فسيحا أمام أمريكا للتحكم في مجريات الساحة الجيوسياسية.

في هذا السياق، لا أوافق المرزوقي عندما كتب في 2006 "لتسقط الوطنية ولتحيا المواطنية"، في رسالة ضمنية إلى الحلفاء الخارجيين طالبا يد العون ضد النظام، هذا ما تيقنت منه بعد أن علمت ما علمت... فكما أنني مقتنع أن لا كرامة ولا انعتاق ولا تحرر حقيقيين دون تحقيق السيادة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، فلا يمكن تحقيق الانعتاق والتحرر دون مجتمع مدني مستقل ومحصن ضد مشاريع الاختراق الثقافي والأيديولوجي الخارجي كما الداخلي. كما لا يمكن للمجتمع المدني أن يؤسس للمواطنية دون الوطنية التي تأبى التدخل في إرادة الشعب بما يمس سيادة الشعب ومفهوم الدولة.
كل المعطيات على الأرض تشير إلى نية جلية لدى حركة النهضة وحلفائها في ضرب كيان الدولة وإضعاف مؤسساتها واختراقها مجتمعا مدنيا وأمنا وجيشا من أجل إعادة تشكيل الدولة والمجتمع بما يخدم المصالح الداخلية للحكام الجدد والمصالح الإقليمية لحلفائهم الخارجيين. وهو ما جعل تونس مرتعا لأجهزة الاستخبارات المتسترة برداء المجتمع المدني وشعارات الديمقراطية ودعم الانتقال الديمقراطي...
كما لا تخفى على أحد اليوم سياسة السلطة الحالية التي تتعامل بمكيالين مع الجمعيات، فتراها تمول وتدعم الجمعيات الموالية التي تغدقها بأموال المجموعة الوطنية والتسهيلات اللوجستية والأموال القطرية والوهابية تحت غطاء العمل الخيري والإغاثة بينما تحاصر الجمعيات المصنفة في خندق "المعارضة" فتعطل اجتماعاتها وتسد عنها التمويلات والمساعدات.
إنني كرئيس جمعية تحاول، بما لها من إمكانيات جد متواضعة، التحرك والفعل بما يحمي ما تحقق من حريات بفضل الثورة ودعمها بتحقيق الانعتاق الاقتصادي والتنمية البشرية محليا وجهويا، أرفض رفضا قاطعا التعامل مع هذه الجمعيات المطبعة والتي ترمي، من خلال تطويقها لمجتمع مدني في طور الهيكلة، إلى تدجين الحراك الشعبي وإعادته إلى بوتقة التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية. إن طريق العمل المستقل طويل وشائك ولكنه الطريق الوحيد لبناء الثقة مع الجماهير والانعتاق الاقتصادي والسياسي.
وبناء على ما سبق، فإن الرابطة عاقدة العزم على التنسيق مع الشرفاء من نشطاء المجتمع المدني والسياسي لفرض الشفافية في تمويل الجمعيات وآليات منح المساعدات محليا، جهويا ووطنيا.




أيوب المسعودي